الرقائق الإلكترونية.. ساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة
الجزيرة.نت -

الرقائق الإلكترونية واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية في العالم، نظرا لدورها المحوري في الاقتصاد الحديث، إذ تشكل المكون الأساسي في الهواتف الذكية والحواسيب والسيارات والطائرات والأقمار الصناعية ومراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وتعتمد عليها قطاعات حيوية مثل الاتصالات والصناعة والنقل والدفاع وغيرها.

ومع التطور الكبير للتكنولوجيا، أصبحت الرقائق الإلكترونية عنصرا رئيسيا في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، ومؤشرا على مستوى التقدم التكنولوجي للدول، الأمر الذي جعل من هذه الصناعة محورا رئيسيا في التنافس الاقتصادي والتقني بين الدول، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين.

وقد برز هذا التنافس بشكل جلي عام 2022، عندما فرضت واشنطن قيودا على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، فيما سمي آنذاك إعلاميا بـ"حرب الرقائق".

وكانت الولايات المتحدة تهدف بهذا القرار الحد من وصول بكين إلى التقنيات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء. الأمر الذي واجهته الصين بالرفع من قيمة استثماراتها في تطوير صناعة محلية للرقائق ودعم الشركات الوطنية العاملة في هذا المجال، سعيا منها إلى تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية وتعزيز الاكتفاء الذاتي.

الرقائق الإلكترونية تُصنع عبر سلسلة من المراحل الصناعية الدقيقة وتقام داخل بيئة صناعية شديدة النظافة (أسوشيتد برس)
ما الرقائق الإلكترونية؟

هي شريحة مصغرة تُصنع عادة من السيليكون، وتحتوي على دوائر إلكترونية متكاملة تضم أعدادا كبيرة من الترانزستورات والعناصر الإلكترونية الدقيقة، وتؤدي وظائف متنوعة تشمل معالجة البيانات وتخزينها والتحكم في عمل الأجهزة والأنظمة الإلكترونية.

وتُعد الرقائق الإلكترونية أحد أبرز إنجازات الثورة الإلكترونية في القرن العشرين، إذ أسهمت في تصغير حجم الأجهزة الإلكترونية وزيادة قدراتها على معالجة البيانات. فبعد أن كانت الحواسيب الأولى تشغل مساحات واسعة وتحتاج إلى تجهيزات ضخمة، أصبح من الممكن توفير قدرات حوسبية كبيرة داخل هاتف ذكي صغير بفضل التطور المتواصل في تصميم الرقائق الإلكترونية وتصنيعها.

إعلان

وتعتمد آلية عمل الرقائق الإلكترونية على التحكم في تدفق الإشارات الكهربائية داخل شبكة معقدة من الترانزستورات المترابطة. فكل ترانزستور يعمل كمفتاح إلكتروني دقيق يمكنه السماح بمرور التيار الكهربائي أو منعه، وبفضل التنسيق بين مليارات هذه المفاتيح داخل الرقاقة الواحدة يصبح بالإمكان تنفيذ العمليات الحسابية ومعالجة البيانات وتخزينها وتشغيل مختلف التطبيقات الرقمية.

وتضم الرقائق، إلى جانب الترانزستورات، مكونات إلكترونية أخرى مثل المقاومات والمكثفات، إلا أن الترانزستورات تظل العنصر الأكثر أهمية، إذ تعتمد عليها قدرة الرقاقة على تنفيذ التعليمات وتشغيل الأجهزة الإلكترونية بمختلف أنواعها.

رقائق إلكترونية صينية الصنع مُخصصة لسوق السيارات، عُرضت في معرض السيارات الصيني 2026 (أسوشيتد برس)
كيف تطورت؟

ارتبط ظهور الرقائق الإلكترونية باختراع الترانزستور في مختبرات شركة "بيل" الأمريكية عام 1947، وهو الابتكار الذي غيّر مسار الإلكترونيات بشكل جذري، إذ بدأ تدريجيا في تعويض الصمامات المفرغة الكبيرة ذات الاستهلاك العالي للطاقة داخل الدوائر الإلكترونية والحواسيب الأولى.

وفي عام 1958، تمكن المهندس الأمريكي جاك كيلبي من تطوير أول دائرة متكاملة، مما شكل خطوة كبيرة نحو دمج المكونات الإلكترونية في شريحة واحدة صغيرة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصغير المتواصل للأجهزة. ومنذ ذلك الحين واصلت صناعة الرقائق تطورها بوتيرة متسارعة، إذ أصبح بالإمكان دمج أعداد متزايدة من الترانزستورات داخل شرائح أصغر حجما وأكثر كفاءة.

ما أنواعها وأبرز استخداماتها؟

تتنوع الرقائق الإلكترونية بحسب الوظائف التي تؤديها داخل الأجهزة والأنظمة الرقمية، إذ يختص كل نوع منها في مهام محددة. ومن أبرز هذه الأنواع رقائق المعالجات المركزية "سي بي يو"  (CPU)، التي تُعد بمثابة "عقل" الجهاز، إذ تتولى تنفيذ العمليات الحسابية والمنطقية وإدارة مكوناته.

كما تُعد معالجات الرسوميات "جي بي يو" (GPU) نوعا آخرا من الرقائق، وقد صُممت في الأصل لمعالجة الصور والفيديو والرسوم ثلاثية الأبعاد، قبل أن تتحول إلى عنصر أساسي في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بفضل قدرتها على تنفيذ العمليات الحسابية بشكل متوازٍ وبكفاءة عالية.

وتأتي رقائق الذاكرة ضمن هذا التصنيف، إذ تُستخدم لتخزين البيانات، مثل ذاكرة الوصول العشوائي "رام" (RAM) وذاكرة التخزين الفوري "فلاش" (Flash)، في حين تتولى رقائق الاتصالات إدارة نقل البيانات وربط الأجهزة بالشبكات، بما في ذلك تقنيات الاتصال اللاسلكي وشبكات الجيل الخامس.

وتنعكس هذه الوظائف المتنوعة مباشرة على مجالات استخدام الرقائق، إذ تدخل في تشغيل الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة اللوحية، كما تُستخدم في السيارات الحديثة والطائرات وأنظمة الملاحة والتحكم.

وتمتد أيضا إلى مراكز البيانات وشبكات الاتصال والإنترنت، فتتيح معالجة ونقل كميات ضخمة من المعلومات بشكل متواصل وسريع.

كما تؤدي الرقائق المتخصصة، ولا سيما معالجات الرسوميات والرقائق المصممة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، دورا محوريا في تدريب نماذج التعلم الآلي وتشغيلها وتحليل البيانات الضخمة. إضافة إلى استخدامها في الأجهزة الطبية والمعدات الصناعية وأنظمة الطاقة وغيرها من المجالات الحيوية.

تصنيع الرقائق في منشأة تابعة لشركة كوهيرنت (أسوشيتد برس)
كيف تُصنع؟

تُصنع الرقائق الإلكترونية عبر سلسلة من المراحل الصناعية الدقيقة والمعقدة تبدأ بتوفير شرائح من السيليكون شديد النقاء، تُقطّع من بلورات كبيرة تُعرف بالبلورات الأحادية. بعد ذلك تُصقل هذه الشرائح لتصبح سطحا مستويا ناعما يسمح بنقش التصميم الإلكتروني عليه.

إعلان

وفي المرحلة التالية، يُرسم التصميم الإلكتروني للرقاقة على سطح السيليكون باستخدام تقنية الطباعة الضوئية، وتُنقل دوائر دقيقة جدا إلى سطح الشريحة عبر الضوء باستخدام مواد حساسة للضوء تُعرف بالمقاومات الضوئية. ثم تُجرى عمليات معقدة من الحفر والإضافة والترسيب لبناء طبقات متعددة تحتوي على مليارات الترانزستورات الصغيرة جدا.

تقام هذه العمليات داخل بيئة صناعية شديدة النظافة تُعرف بـ"الغرف النظيفة"، حيث يتم التحكم في الهواء ودرجة الحرارة لمنع أي تلوث قد يؤثر على الرقائق. وبعد اكتمال التصنيع، تُختبر الرقائق بدقة عالية للتأكد من عملها، ثم تُقطع وتُغلف لتصبح جاهزة للاستخدام في الأجهزة الإلكترونية المختلفة.

وتتطلب هذه الصناعة استثمارات ضخمة وتقنيات متقدمة للغاية، مما يجعل إنتاج الرقائق المتطورة مقتصرا على عدد محدود من الشركات والدول القادرة على التحكم في هذا المستوى من الدقة التقنية.

رقاقة سيليكون معروضة في معهد أبحاث أشباه الموصلات التايواني (غيتي-2022)
من ينتجها؟

تقوم صناعة الرقائق الإلكترونية على شبكة متكاملة، تتوزع أدوارها بين شركات التصميم وشركات التصنيع وأخرى متخصصة في تطوير المعدات والبرمجيات المتخصصة، وهو ما يجعل إنتاج الرقائق ثمرة تعاون بين عدد من الشركات من دول مختلفة، تتكامل أدوارها لتنتج صناعة من أكثر الصناعات تقدما وتعقيدا في العالم.

شركات التصميم

تتولى شركات التصميم تطوير البنية الهندسية للرقائق ووضع مواصفاتها التقنية. وتُهيمن الشركات الأمريكية على هذا القطاع، إذ تضم أبرز مطوري المعالجات ورقائق الذكاء الاصطناعي والاتصالات، وفي مقدمتها "إنفيديا" و"أي إم دي" و"كوالكوم" و"برودكوم" و"إنتل" و"آبل".

ولا يقتصر تصميم الرقائق على الشركات الأمريكية، إذ برزت شركات أخرى في دول مختلفة، من بينها شركة "أي آر إم" البريطانية التي تُعد من أهم مطوري الهياكل التقنية للمعالجات المستخدمة في معظم الهواتف الذكية حول العالم، وشركة "ميديا تيك" في تايوان، علاوة على شركة "هاي سيليكون" التابعة لمجموعة "هواوي" الصينية، وشركة "سوسيونيكست" اليابانية.

شركات التصنيع

تمثل مرحلة التصنيع إحدى أكثر المراحل تعقيدا وكلفة في صناعة الرقائق الإلكترونية، إذ تتولى الشركات تحويل التصاميم الهندسية إلى رقائق فعلية داخل مصانع متقدمة تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وتقنيات فائقة الدقة.

وتتصدر هذا القطاع شركة "تي إس إم سي" التايوانية، وهي أكبر منتج في العالم للرقائق المتقدمة المستخدمة في الهواتف الذكية وخوادم الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

كما تحتل شركتا "سامسونغ إلكترونيكس"و"إس كي هينيكس" الكوريتان الجنوبيتان مكانة بارزة في مرحلة التصنيع بفضل ريادتهما في إنتاج رقائق الذاكرة وقدراتهما المتقدمة في تصنيع رقائق المعالجات الرقمية.

وفي الولايات المتحدة، تُعد شركة "إنتل" من أبرز الأسماء في هذا المجال، إذ تجمع بين تصميم الرقائق وتصنيعها.

كما تملك اليابان شركات في هذا المجال، أبرزها شركة "كيوكسيا"، إحدى أكبر الشركات العالمية في صناعة رقائق الذاكرة، و"رينيساس إلكترونيكس" المتخصصة في رقائق السيارات والأنظمة الصناعية.

أما في الصين فقد برزت شركة "إس إم آي سي"، باعتبارها أكبر شركة صينية لتصنيع الرقائق، وقد جاء تأسيسها في إطار الجهود الرامية إلى تقليص الاعتماد على الموردين الأجانب وتعزيز الاكتفاء الذاتي التكنولوجي.

شريحة تحكم دقيقة من إنتاج شركة رينيساس إلكترونيكس (رويترز)
شركات المعدات والبرمجيات

تعتمد صناعة الرقائق على منظومة واسعة من الشركات المتخصصة في إنتاج المعدات والبرمجيات اللازمة للتصميم والتصنيع، وهي حلقات لا غنى عنها في سلسلة الإنتاج العالمية.

وتبرز في هذا المجال شركة "أي إس إم إل" الهولندية، التي تُعد المنتج العالمي الرئيسي لأجهزة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (إي يو في)، وهي التكنولوجيا الأساسية لإنتاج الرقائق الأكثر تقدما في العالم. كما توفر شركة "طوكيو إلكترون" اليابانية وشركات أمريكية مثل "أبلايد ماتيريالز" و"لام ريسيرش" و"كي إل أي" معدات التصنيع والاختبار والقياس.

إعلان

وفي مجال البرمجيات المتخصصة لتصميم الرقائق، تبرز شركتا "سينوبسيس" و"كادنس"  الأمريكيتان، واللتان تهيمنان على جزء كبير من سوق برمجيات التصميم الإلكتروني المستخدمة في تطوير المعالجات والدوائر المتكاملة الحديثة.

كيف تحولت لساحة تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى؟

أدى الاعتماد المتزايد على الرقائق الإلكترونية في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة إلى تحولها إلى مورد استراتيجي تتنافس الدول الكبرى على تطويره وتأمين سلاسل إمداده.

وفي هذا الصدد، خصصت الولايات المتحدة منذ عام 2022 نحو 52.7 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق والأبحاث المرتبطة بها في إطار "قانون الرقائق والعلوم"، الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2023، إضافة إلى استقطاب استثمارات خاصة تجاوزت 400 مليار دولار لإنشاء مصانع جديدة وتوسيع القدرات الإنتاجية داخل البلاد.

وفي المقابل، تواصل الصين تسريع جهودها لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع، إذ أطلقت عام 2024 المرحلة الثالثة من "الصندوق الوطني لصناعة الدوائر المتكاملة" برأسمال بلغ 344 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 47.5 مليار دولار، لدعم شركات الرقائق المحلية وتطوير التقنيات الوطنية.

كما دخل الاتحاد الأوروبي السباق من خلال "قانون الرقائق الأوروبي" الذي يستهدف تعبئة استثمارات تصل إلى نحو 43 مليار يورو، بينما تعمل اليابان على تعزيز موقعها في صناعة الرقائق عبر حزمة من الاستثمارات والدعم الحكومي بهدف إعادة بناء قدراتها في هذا القطاع الاستراتيجي.

وخصصت الحكومة اليابانية، منذ عام 2021، أكثر من 3.9 تريليونات ين (نحو 25–30 مليار دولار) لدعم صناعة أشباه الموصلات، شملت منحا مباشرة للشركات المحلية والدولية، وتمويل مشاريع بحث وتطوير، وإنشاء خطوط إنتاج متقدمة داخل البلاد.

كما برزت دول أخرى تسعى إلى تعزيز حضورها في هذا التنافس الاستراتيجي، من بينها تايوان وكوريا الجنوبية وهولندا والمملكة المتحدة، إذ تضطلع كل منها بدور محوري داخل حلقات مختلفة من سلسلة صناعة الرقائق، سواء في التصنيع أو التصميم أو إنتاج المعدات والبرمجيات.

ولا يقتصر هذا التنافس على حجم الاستثمارات فحسب، إذ يمتد إلى السيطرة على التقنيات المتقدمة ومعدات التصنيع وسلاسل التوريد العالمية، وهو ما جعل صناعة الرقائق إحدى أهم ساحات المنافسة الجيواقتصادية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.



إقرأ المزيد