الجزيرة.نت - 6/21/2026 3:20:29 PM - GMT (+3 )
Published On 21/6/2026
قد تُنسي أعداد الشهداء المتصاعدة كل يوم في غزة العمق الإنساني والقصص التي تخلفها تلك الأرقام على العائلات التي فقدت ولا تزال تفقد ذويها كل يوم إما بفعل استهداف إسرائيلي أو بفعل الموت البطيء من الأمراض أو الجوع أو العجز عن التداوي في المراكز الصحية التي تصارع يوميا لتحافظ على خدماتها قيد العمل.
وعلى قوائم ضحايا الاعتداء الإسرائيلي على غزة، أُضيف اسم سهيلة المبحوح، السيدة والأم، التي انتظرت دورها في المرور الإنساني خارج مخيم جباليا شمالي القطاع بحثا عن العلاج من مرض السرطان في المرارة الذي تفشى سريعا وانتقل إلى الكبد، لكن سهيلة لم ترحل بسبب المرض وحده، بل قتلتها تلك الدقائق والساعات الطويلة من التأخير، والوقوف العاجز أمام معابر يعرقل الاحتلال الخروج منها إلا بشق الأنفس.
وقد أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في أبريل/نيسان الماضي أن نحو 700 مريض فقط تمكنوا من مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج في الخارج منذ إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود في 2 فبراير/شباط الماضي، في حين لا يزال أكثر من 18 ألف مريض وجريح ينتظرون الإجلاء الطبي في ظل قيود إسرائيلية.
وبدأت الحكاية بوهن ظنه الجميع عارضا، لينتهي الأمر بتشخيص صاعق يقر بوجود ورم في المرارة زحف نحو الكبد.
ويروي الزوج سامح المبحوح حكاية السيدة سهيلة بمرارة وألم، فهو الذي شهد رحلة ذبول زوجته منذ أواخر رمضان الماضي.
ويحكي الزوج أنه وزوجته الراحلة طرقا كل الأبواب، وكان الأمل يلوح من بعيد عبر مكالمة هاتفية مع بروفيسور في المعهد القومي للأورام بمصر، الذي أكد له أن الحل بسيط، لكن عامل السرعة هو الفيصل، مشددا على ضرورة إجراء عملية استئصال جراحي سيكون كفيلا بإنقاذ حياة سهيلة لتعود سالمة.
لكن في غزة، يصبح الوقت ترفا لا يملكه أحد، فبين إجراءات التحويل الطبي المعقدة وبين نقص الإمكانيات في مستشفى الشفاء الذي يرمم جراحه هو الآخر، كانت الخلايا السرطانية في جسد سهيلة تسابق الزمن وتسبقه.
تجاوزت مأساة سهيلة حدود المرض لتصل إلى أبسط مقومات البقاء؛ فصيلة دمها النادرة (O-) كانت عقبة أخرى، حيث بات البحث عن وحدة دم واحدة في مدينة دُمّرت مرافقها رحلة عذاب أسبوعية.
إعلان
وما زاد من وطأة المعاناة هو خلو بنك الدم المركزي من فصيلتها النادرة، يضيف سامح وهو يروي كيف تحولت حياة عائلته إلى سباق محموم لتوفير مسكنات بعد أن فقدت القدرة على الأكل تماما.
رحلت سهيلة في ليلة الجمعة الماضية، لكن قصتها تظل جزءا، فهي نموذج لآلاف المرضى في غزة الذين يواجهون المصير نفسه، حيث يصبح شراء الدواء أو حتى استئجار سيارة للوصول إلى المستشفى عبئا يفوق طاقة البشر.
لقد أثبتت حكاية سهيلة وسامح أن الموت في غزة لا يأتي فقط من السماء عبر الصواريخ، بل يتسلل من بين شقوق الأبواب الموصدة، ومن صمت المجتمع الدولي عن نقص الدواء، ومن واقع مرير جعل المواطن الفلسطيني يرى في الضربة النووية رحمة كما ذكر سامح المبحوح، مقارنة بسكرات الموت البطيء التي تنهش أجساد أحبائه كل يوم.
إقرأ المزيد


