ترمب وميلوني.. خلاف الصورة يخفي صراع السيادة والنفوذ
الجزيرة.نت -

Published On 21/6/2026

|

آخر تحديث: 14:56 (توقيت مكة)

شهد التحالف التقليدي بين واشنطن وروما واحدة من أعنف أزماته الدبلوماسية في الحقبة الأخيرة، بعد أن تحولت كواليس قمة مجموعة السبع (G7) في فرنسا إلى ساحة حرب تصريحات علنية ومتبادلة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

الأزمة التي بدأت بخلاف شخصي ظاهري حول طلب التقاط صورة، سرعان ما كشفت عن تصدعات جيوسياسية عميقة ترتبط بملفات السيادة الوطنية، والحرب في الشرق الأوسط، والموقف من الفاتيكان، مما ينذر بإنهاء دور ميلوني التاريخي كـ "جسر" يربط بين الإدارة الأمريكية اليمينية والاتحاد الأوروبي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وقد اهتمت الصحافة العالمية بفصول هذه الأزمة، إذ وصفت صحيفتا لوتان السويسرية وليبراسيون الفرنسية التدهور المفاجئ في علاقة الزعيمين بـ "الانهيار الجليدي".

فبعد أن سارعت الصحف اليمينية الإيطالية للاحتفال بما أسمته "العودة الرومانسية" وذوبان الجليد بين الزعيمين على هامش قمة إيفيان بفرنسا، سكب ترمب الزيت على النار عبر مقابلة مع شبكة لا ستي (La7) الإيطالية، زاعماً أن ميلوني "توسلت إليه مراراً" لالتقاط صورة معها.

ترمب وميلوني خلال اجتماع مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا (غيتي)

وواجهت ميلوني بغضب عارم في مقطع فيديو تصريحات ترمب، واصفة إياها بأنها "مفبركة تماماً ومثيرة للذهول"، ومؤكدة بلغة حازمة: "أنا وإيطاليا لا نتوسل أحداً".

غير أن الرئيس الأمريكي لم يتراجع، بل ضاعف الهجوم عبر منصته "تروث سوشيال" مستهدفاً هذه المرة شعبية رئيسة الوزراء الإيطالية التي تضررت إثر خسارتها استفتاء محليا هائلا في مارس/آذار الماضي.

وقد كتب في تروث سوشيال في تعليق ساخر: "إنها تبلي بلاء سيئا في إيطاليا، ربما لأنها أدارت ظهرها لأمريكا التي تحب إيطاليا وتحميها".

وأضاف: "ميلوني طلبت التقاط صورة معي مراراً وتكراراً خلال اجتماع الـ G7 في فرنسا.. والآن بعد أن هزمت الولايات المتحدة إيران عسكريا، تريد أن نصبح أصدقاء مجدداً لترفع شعبيتها؟ لا شكراً!"

وجاء الرد الإيطالي سريعاً وبلغة إنجليزية حادة عبر حساب ميلوني على إنستغرام ، حيث قذفت الكرة في ملعبه قائلة: "إن كوني صديقة لك لم يساعد شعبيتي أبداً، وشعبيتي لا تعتمد عليك بل على دفاعي عن مصالح إيطاليا.. أنصحك بالتركيز على شعبيتك أنت".

إعلان

ونشرت تدوينة على إنستغرام تقول: "هذه الهجمات المستمرة وغير المبررة هي ضرب من الجنون.. وبصفتي رئيسة للوزراء، لن أسمح بانتهاك الاتفاقيات الأمنية، فإيطاليا تظل أمة ذات سيادة".

وفي لفتة إحصائية أبرزتها صحيفة إندبندنت البريطانية، فإن استطلاعات الرأي (YouGov) تؤكد أن ترمب نفسه يواجه أزمة شعبية داخلية لا تتعدى 35% بسبب سياساته الاقتصادية والعسكرية.

ورغم المقاربة الإعلامية السطحية التي حاولت حصر الخلاف في الصورة، فإن التقارير المتطابقة للوتان وبولتيكو الأمريكية وصحف عالمية أخرى أجمعت على أن العمق الحقيقي للخلاف يكمن في "فاتورة الحرب ضد إيران".

وذهبت إلى أن أصل الشرخ الدبلوماسي يعود إلى مارس/آذار ونيسان/أبريل الماضيين، حين رفضت روما (ومعها حلف الناتو) تقديم دعم عسكري مباشر للحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران.

وقد عبّر ترمب عن هذا الإحباط اللوجستي بمرارة قائلاً: "لم تسمح لنا حتى باستخدام مدارج الطائرات أو التارمات الإيطالية، وهو ما شكل إزعاجاً لوجستياً كبيراً، رغم أننا ندفع مئات مليارات الدولارات لحماية أشباه الحلفاء هؤلاء في الناتو".

هذا الموقف فسرته ميلوني بصرامة السيادة الوطنية، مؤكدة أن استخدام القواعد الأمريكية في صقلية وإيطاليا "محكوم باتفاقيات مشتركة احترمتها روما دائماً ولا يمكن خرقها، فإيطاليا دولة ذات سيادة".

وبحسب صحيفة ذا هيل الأمريكية، فإن الرفض الإيطالي لم يكن تقنياً فحسب، بل ارتبط بمخاوف ميلوني من تداعيات ضربة طالت مدرسة إيرانية، وتبنيها لموقف الفاتيكان المناهض للصراع وتوسيع رقعة الحرب.

الفاتيكان والمعارضة

ودخلت المرجعيات الدينية والسياسية في إيطاليا على خط المواجهة، ففي ذروة السجال، أطلق بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر خلال جولة له شمال البلاد نداءً مقتضباً يدعو فيه إلى "وقف كلمات الكراهية التي تصنع الحروب بين المجتمعات والدول"، وهو الموقف الأخلاقي الذي كانت ميلوني قد دافعت عنه سابقاً ووصف ترمب دفاعها عنه بـ "الضعف وانعدام الشجاعة".

داخلياً، استغلت المعارضة الإيطالية الحادثة لتصفية الحسابات السياسية، حيث سخر رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حركة خمس نجوم جوزيبي كونتي من المشهد قائلاً إن ميلوني تلقت جزاء "الجري وراء ترمب" وتقديمه كمرشح لنوبل للسلام، مستشهداً بـ "الإهانة والابتزاز" اللذين تعرضت لهما روما على يد حليفها المفترض.

ولم تتوقف التداعيات عند الحدود اللفظية، بل تُرجمت سريعاً إلى شلل دبلوماسي غير مسبوق بين البلدين، حيث أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلغاء زيارته الرسمية التي كانت مقررة إلى الولايات المتحدة.

ووصف تصريحات ترمب بأنها "إهانة تمس إيطاليا بأسرها"، قائلا في تغريدة على حسابه على إكس (X): "كلمات الرئيس ترمب الخطيرة والمسيئة بحق رئيسة الوزراء تهين كل إيطالي، ولذلك ألغينا زيارتنا لواشنطن".

ميلوني: هذا هو ردي الأخير، ولن أعود إلى هذا الموضوع مجدداً، لأنني ما زلت أؤمن بوحدة الصف الغربي، ولا أعتقد أن هذا المشهد المبتذل يليق بمهامنا الحقيقية

هذا الإلغاء تسبب مباشرة -وفق وزارة الخارجية الأمريكية- في إلغاء مؤتمر اقتصادي رفيع المستوى للعلاقات التجارية كان من المفترض أن يجمعه في ميامي بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بالتزامن مع تسريبات عن مقاطعة شاملة لوزراء إيطاليين لاحتفالات عيد الاستقلال الأمريكي في روما.

إعلان

وسعيا منها لإغلاق هذا الملف المتفاقم نشرت ميلوني تغريدة جديدة قالت فيها: "هذا هو ردي الأخير، ولن أعود إلى هذا الموضوع مجدداً، لأنني ما زلت أؤمن بوحدة الصف الغربي، ولا أعتقد أن هذا المشهد المبتذل يليق بمهامنا الحقيقية".

ويرى مراقبون أن هذا "الطلاق السياسي" المدوّي يضع حكومة ميلوني اليمينية أمام استحقاق التخلي عن ثوب "الوسيط" والمقايضة الأيديولوجية مع واشنطن، والالتفات بشكل كامل لتعزيز تموقعها داخل المعسكر الأوروبي، خاصة بعد إعلان قادة أوروبيين -في مقدمتهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز– تضامنهم الكامل مع روما في وجه الهجوم الأمريكي.



إقرأ المزيد