الجزيرة.نت - 6/21/2026 2:39:37 AM - GMT (+3 )
مرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمنعطف تاريخي حرج عقب الهجوم الذي وقع في 28 فبراير/شباط 2026، والذي أدى إلى اغتيال آية الله علي خامنئي. ولم يكن هذا الحدث مجرد خسارة قيادية عابرة، بل شكل صدمة إستراتيجية دفعت الدولة نحو إعادة تقييم خياراتها بين الاستمرار في التصعيد العسكري الشامل، أو قبول "هدنة" تكتيكية. ومع تعيين آية الله مجتبى خامنئي مرشدا جديدا في 8 مارس/آذار 2026، بدأت ملامح رؤية جديدة تتشكل في الأفق، تحاول الموازنة بين "إرث المقاومة" و"ضرورات البقاء والاستقرار".
أولا: موقف القيادة العليا (المرشد)
تمثل رؤية المرشد الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، الامتداد الأيديولوجي للمدرسة السابقة، ولكن مع تكييفها وفقا للواقع الميداني المستجد. ويمكن تلخيص هذا الموقف في النقاط التالية:
مفهوم "حرب المصير": تنظر القيادة إلى الصراع مع النظام الصهيوني والولايات المتحدة ليس كنزاع حدودي أو سياسي عابر، بل كـ"حرب مصيرية"؛ وبناء على ذلك، فإن الهدنة لا تُفسر على أنها "سلام دائم" أو استسلام، بل هي "وقف مؤقت للعمليات" لإعادة ترتيب الصفوف.
الهدنة كفرصة إستراتيجية: بالنسبة للمرشد، تعد الهدنة وسيلة لـ"تصفير الحسابات" مؤقتا، إذ تتيح لإيران ترميم قدراتها العسكرية المفقودة في الهجمات الأخيرة، وتعزيز الجبهة الداخلية، وتطوير أدوات الردع؛ لضمان عدم تكرار الضربات القاتلة.
رفض التنازلات المبدئية: تصر القيادة على أن أي اتفاق للهدنة يجب ألا يكون ثمنه التنازل عن "محور المقاومة"، أو تغيير العقيدة الدفاعية الإيرانية؛ فالصمود هو القيمة العليا، والهدنة ما هي إلا أداة لخدمة هذا الصمود.
ثانيا: موقف الرئاسة (مسعود بزشكيان).. "الدبلوماسية المسؤولة والواقعية"
يمثل الرئيس مسعود بزشكيان الجناح الذي يسعى لترجمة التوجهات الإستراتيجية إلى سياسات تنفيذية، تخفف من وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويتسم موقفه بالآتي:
إعلان
الهدنة كـ"ثمرة تضحية": يطرح الرئيس خطابا يربط فيه بين قبول الطرف الآخر بالهدنة وبين "دماء الضحايا" (وعلى رأسهم المرشد الراحل). ويهدف هذا الربط إلى تحويل الهدنة من "تنازل سياسي" إلى "انتصار إستراتيجي" ناتج عن التضحيات، مما يمنح النظام شرعية داخلية في قبول وقف القتال.
التوازن بين الردع والتفاوض: يتبنى بزشكيان مبدأ "الدبلوماسية المسلحة"، أي أن التفاوض على الهدنة لا ينجح إلا إذا شعر الخصم بوجود قوة ردع حقيقية، وهو يرى أن الهدنة الحالية هي نتيجة لـ"المسؤولية الوطنية"؛ لمنع انزلاق البلاد نحو حرب شاملة قد تؤدي إلى انهيار داخلي.
الحذر من "الفخاخ" الأمريكية: رغم ميله للتفاعل الدبلوماسي، فإن الرئيس يحذر من الثقة المطلقة في الوعود الأمريكية، مؤكدا أن الهدنة يجب أن تكون مدعومة بضمانات ملموسة، وليس مجرد وعود شفهية، وذلك لضمان عدم استخدامها كفترة "تنويم" تسبق هجوما جديدا.
ثالثا: الهدنة بين المرشد والرئيس
تقوم العلاقة بين القائد الأعلى للثورة ورئيس الجمهورية في إيران على ثنائية "التوجيه الإستراتيجي" من جهة، و"الإدارة التنفيذية" من جهة أخرى. وبالنظر إلى التصريحات الأخيرة للقائد الأعلى بشأن الرئيس "بزشكيان"، يبدو جليا أن التباين في وجهات النظر بين القطبين لا يمثل صداما بنيويا، وإنما يعكس نمطا من "التكامل المرن" في قيادة الدولة؛ فبينما يرسم القائد الموجهات العامة والثوابت العليا، يملك الرئيس هامشا لطرح مقاربات تكتيكية مغايرة في مسارات التنفيذ.
وتأتي موافقة القائد على إبرام مذكرة التفاهم- رغم تحفظه الأولي- مشروطة بتبعات المسؤولية التي تعهد بها الرئيس، لتؤكد مرونة آلية اتخاذ القرار التي تمنح السلطة التنفيذية مساحة للمناورة، ما لم يفضِ ذلك إلى التفريط في الحقوق السيادية والمصالح القومية العليا. وبناء على ذلك، يغدو هذا التباين وجها من وجوه المراجعة والتدقيق؛ لضمان توازن السلطات وتحقيق المصلحة الوطنية العليا.
يكشف إعلان القائد الأعلى الإيراني عن تحفظه الأولي بشأن مذكرة التفاهم وموافقته اللاحقة المشروطة بتعهد الرئيس "بزشكيان" بتحمل مسؤولية صون حقوق الشعب، عن آلية دقيقة في فلسفة صنع القرار السياسي في إيران؛ تتجلى في ثنائية "تفويض المسؤولية" في مقابل "الرقابة العليا".
إن هذا القبول المشروط يمثل إستراتيجية تهدف إلى منح الحكومة هوامش مرونة تكتيكية في إدارة الملفات الخارجية، مع نقل عبء المخاطرة وإدارة الأزمات إلى عاتق السلطة التنفيذية. وبموجب هذا النهج، تغدو "حقوق الشعب" المعيار الأخلاقي والقانوني الناظم الذي لا يمكن التنازل عنه، لتتحول موافقة القيادة العليا من مجرد إقرار روتيني بالوثيقة، إلى اختبار حقيقي لقدرة الرئيس على الموازنة بين المناورة الدبلوماسية والحفاظ على الثوابت؛ بما يكرس مبدأ أصيلا: أن الرئيس يملك حرية المبادرة، لكنه يظل مسؤولا أمام المرجعية العليا عن أي انحراف قد يمس بالمصالح القومية للدولة.
رابعا: موقف المثقفين والنخب الفكرية.. "بين البراغماتية والنقد الهيكلي"
ينقسم التيار الفكري في إيران تجاه هذا الجدل إلى مدرستين أساسيتين:
إعلان
التيار البراغماتي (الدبلوماسي): يرى هذا التيار (الذي يتقاطع مع رؤى شخصيات مثل حسن روحاني) أن إيران بحاجة ماسة إلى "هدنة طويلة الأمد" تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار؛ ويجادل أصحابه بأن تكلفة الحرب الاقتصادية والاجتماعية أصبحت غير محتملة، وأن المصلحة الوطنية تقتضي الانفتاح على العالم، واستعادة الثقة الدولية لإنقاذ الاقتصاد الوطني من الانهيار.
التيار النقدي الإصلاحي: يرى أن الهدنة الحالية هي "مسكن مؤقت" لا يعالج جذور المشكلة، ويطالب المنتمون إليه بـ"إصلاحات هيكلية" في بنية صنع القرار السياسي، معتبرين أن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط باتفاقيات عسكرية، بل بتغيير في السلوك السياسي الداخلي والخارجي؛ لضمان عدم العودة إلى دائرة العنف.
تحليل "تكلفة الفرصة البديلة": يركز الكثير من المفكرين حاليا على تحليل ما فقدته إيران خلال سنوات التوتر، ويرون أن الهدنة هي الفرصة الأخيرة لإعادة بناء "رأسمال اجتماعي" اهترأ نتيجة الضغوط المستمرة.
خامسا: صراع السرديات: "حتمية المصير" مقابل "المعطيات الواقعية"
ثمة صدام فلسفي في إدارة الدولة حاليا بين سرديتين:
- سردية "حرب المصير": وتقوم على الإيمان بأن التاريخ يسير نحو نقطة نهاية محتومة (وهي زوال المشروع الصهيوني)، وأن أي خسارة حالية هي مجرد "ضريبة" لازمة للوصول إلى هذا الهدف.
- سردية "الدبلوماسية الواقعية": وتقوم على التعامل مع "المعطيات الراهنة" (مثل قوة الخصم، حالة الاقتصاد، والوضع الداخلي)، وهي سردية تؤمن بأن تحقيق "أفضل نتيجة ممكنة في ظل ظروف صعبة" هو الانتصار الحقيقي، بدلا من الركض خلف "نتائج مثالية في خيالات أيديولوجية".
في الختام، يمكن تلخيص الحالة الإيرانية في عام 2026 بأنها حالة "انتقال من سياسة التقابل المطلق إلى سياسة إدارة المخاطر"؛ فبينما تحافظ القمة (المرشد) على لغة "المقاومة" للحفاظ على التماسك الأيديولوجي ومنع الانشقاقات، تتحرك القاعدة الإدارية (الرئاسة) والطبقة الفكرية نحو "المرونة" لتفادي السقوط.
وإن هذه "الازدواجية في الخطاب" تعد في واقع الأمر "صمام أمان" للنظام؛ فهي تسمح له بأن يكون "صلبا" في وجه الخصوم خارجيا، و"براغماتيا" في إدارة شؤونه داخليا، مما يمنحه القدرة العالية على المناورة بين خياري الحرب والهدنة وفقا لتقلبات الميدان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


