مايورانا 2.. هل تغير شريحة مايكروسوفت الجديدة مستقبل الحوسبة الكمية؟
الجزيرة.نت -

Published On 20/6/2026

منذ سنوات طويلة، تبدو الحوسبة الكمومية وكأنها تقف على أعتاب ثورة تقنية مؤجلة. فالعالم يعرف منذ زمن أن الحواسيب الكمومية تمتلك قدرة نظرية هائلة تتجاوز بكثير ما تستطيع الحواسيب التقليدية إنجازه، لكن الطريق إلى هذه القدرة اصطدم دائما بعقبة واحدة: الكيوبتات. فكلما زاد عددها ازدادت هشاشتها، وكلما ارتفعت القدرة الحسابية تضاعفت احتمالات الخطأ، حتى بدا أن المشكلة الأساسية ليست في بناء حاسوب كمومي، بل في إبقائه مستقرا بما يكفي ليؤدي عملا مفيدا.

وهنا برزت شريحة "مايورانا 2" (Majorana 2) التي يطورها قسم "مايكروسوفت كوانتوم" (Microsoft Quantum)، وكشفت عنها مايكروسوفت مطلع هذا الشهر ضمن فعاليات مؤتمرها للمطورين، باعتبارها واحدة من أكثر المحاولات إثارة للاهتمام في السباق الكمومي الحالي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

فبدلا من التركيز على زيادة عدد الكيوبتات فقط، تنطلق الفكرة من إعادة التفكير في طبيعة الكيوبت نفسه وكيفية حمايته من مصادر التشويش التي عطلت طموحات القطاع لسنوات. ولهذا لا يُنظر إلى مايورانا 2 على أنها مجرد شريحة جديدة، بل كاختبار حقيقي لنهج مختلف قد يحدد ما إذا كانت الحوسبة الكمومية ستظل إنجازا مختبريا مبهرا، أم ستتحول أخيرا إلى تقنية قادرة على تغيير الصناعة والعلوم في العالم الحقيقي.

وتؤكد مايكروسوفت أن "مايورانا 2" تمثل قفزة كبيرة مقارنة بالجيل السابق، إذ تحقق زيادة تصل إلى 1000 ضعف في موثوقية الكيوبتات، مع متوسط زمن احتفاظ بالحالة الكمومية يبلغ نحو 20 ثانية، بينما وصلت بعض النماذج التجريبية إلى دقيقة كاملة.

الشريحة تعتمد على الكيوبتات الطوبولوجية المصممة لتقليل الأخطاء وزيادة الاستقرار أثناء العمليات الكمومية (رويترز)

هذا الأمر دفع الشركة إلى الإعلان أنها أصبحت تستهدف بناء حاسوب كمومي عملي قابل للتوسع بحلول عام 2029، أي قبل الموعد الذي كانت تتوقعه سابقا بعدة سنوات، وذلك بفضل التطورات الجديدة في المواد والهندسة واستخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث والتطوير.

لماذا تختلف "مايورانا 2" عن المنافسين؟

في حين تعتمد شركات مثل آي بي إم (IBM) وغوغل (Google) بصورة رئيسية على الكيوبتات فائقة التوصيل التقليدية، اختارت مايكروسوفت منذ سنوات الاستثمار في مفهوم الكيوبتات الطوبولوجية، التي تستند إلى خصائص فيزيائية يُفترض أنها تجعل المعلومات الكمومية محمية بطبيعتها من كثير من مصادر التشويش.

إعلان

ولتحقيق ذلك، أعادت الشركة تصميم البنية المادية للشريحة بالكامل. فقد استبدلت مادة الألمنيوم المستخدمة عادة في الموصلات فائقة التوصيل بمادة الرصاص، واستخدمت  مزيجا من زرنيخيد الإنديوم وزرنيخيد الإنديوم والأنتيمون في البنية شبه الموصلة للشريحة.

وتوضح مايكروسوفت أن هذه التركيبة الجديدة تزيد ما يعرف بـ"الفجوة الطوبولوجية"، وهو عامل فيزيائي يسهم في حماية الكيوبتات من الاضطرابات الخارجية ويمنحها استقرارا أكبر أثناء تنفيذ العمليات الحسابية.

كما صممت الشريحة بحيث تكون الكيوبتات أصغر حجما وأكثر قابلية للتكديس، وهو ما قد يسمح مستقبلا بدمج أكثر من مليون كيوبت على شريحة واحدة، وهو الرقم الذي يعتقد كثير من الباحثين أنه سيكون ضروريا لتنفيذ تطبيقات كمومية واسعة النطاق في مجالات مثل الكيمياء والطب والذكاء الاصطناعي.

الشركة تؤكد أن التصميم الجديد يرفع موثوقية الكيوبتات بشكل كبير مقارنة بالأجيال السابقة (رويترز)
الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من تصميم الشرائح

ومن أبرز الجوانب التقنية في المشروع اعتماد مايكروسوفت على منصة مايكروسوفت ديسكفري (Microsoft Discovery) القائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI). فبدلا من استخدام الذكاء الاصطناعي لتشغيل التطبيقات فقط، استعانت به الشركة لتطوير الشريحة نفسها.

ووفقا لمايكروسوفت، ساعدت المنصة في تحليل ما يقارب عقدين من البيانات البحثية، واختيار المواد المناسبة، وتحسين تصميم البنية الفيزيائية، وتسريع التجارب المخبرية التي كانت تستغرق أسابيع لتُنجز خلال ساعات. كما استخدمت لضبط مئات المعلمات الفيزيائية اللازمة لتكوين الحالات الطوبولوجية وتحسين استقرار الكيوبتات.

هل أصبحت الحوسبة الكمية جاهزة للمستهلكين؟

رغم أن الإعلان يوحي باقتراب عصر الحوسبة الكمية، فإن الحقيقة أكثر تعقيدا. فما تزال "مايورانا 2" شريحة بحثية تعمل داخل مختبرات متخصصة عند درجات حرارة قريبة جدا من الصفر المطلق باستخدام أنظمة تبريد ضخمة ومكلفة، ولا يمكن دمجها حاليا في الحواسيب الشخصية أو الهواتف الذكية.

لكن ما تغير هو أن النقاش لم يعد يدور حول إمكانية بناء حاسوب كمي عملي، بل حول موعد تحقيق ذلك. فإذا تمكنت مايكروسوفت من تنفيذ خطتها، فقد تبدأ الحواسيب الكمية خلال السنوات المقبلة في معالجة مسائل يستحيل تقريبا على الحواسيب التقليدية حلها، مثل تصميم الأدوية الجديدة، ومحاكاة المواد المتقدمة، وتحسين الشبكات اللوجستية، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن تأثيرها المتوقع في أنظمة التشفير الحديثة.

مايكروسوفت طورت الشريحة باستخدام مواد فائقة التوصيل وهندسة جديدة لتحسين أداء النظام الكمي (مايكروسوفت)
بين التفاؤل والتحفظ العلمي

ورغم الحماس الذي رافق الإعلان، فإن المجتمع العلمي لا يزال يتعامل مع إنجازات مايكروسوفت بحذر. فقد أشار عدد من الباحثين إلى أن بعض ادعاءات الشركة المتعلقة بالكيوبتات الطوبولوجية تحتاج إلى مزيد من البيانات المنشورة وإلى إعادة إنتاج النتائج بصورة مستقلة قبل اعتبارها إثباتا نهائيا للتقنية.

وتؤكد مايكروسوفت من جانبها أنها قدمت بياناتها إلى جهات بحثية وبرامج حكومية، وأنها واثقة من صحة منهجها العلمي، إلا أن التحقق المستقل سيظل عاملا أساسيا في تقييم هذه القفزة التقنية.

إعلان

تمثل "مايورانا 2" أكثر من مجرد شريحة جديدة، فهي تعكس تحولا في فلسفة بناء الحواسيب الكمية، يقوم على تحسين استقرار الكيوبتات من مستوى العتاد نفسه بدلا من الاعتماد المكثف على تصحيح الأخطاء برمجيا، وإذا أثبتت التقنية نجاحها على نطاق واسع، فقد تصبح هذه الشريحة نقطة تحول تمهد لانتقال الحوسبة الكمية من مرحلة الأبحاث إلى مرحلة التطبيقات التجارية، لتدخل الصناعة عصرا جديدا من القدرة الحاسوبية يتجاوز حدود الحوسبة التقليدية.



إقرأ المزيد