غادر للعلاج في عمر 10 أيام.. الاحتلال يمنع عودة طفل إلى حضن والديه بغزة
الجزيرة.نت -

Published On 20/6/2026

|

آخر تحديث: 14:18 (توقيت مكة)

في مقطع بصري يفيض بالقهر، يتنقل المشهد بين مكانين يفصلهما واقع عسكري قاهر؛ خيمة لجوء ضيقة في قطاع غزة، وغرفة في مستشفى بمدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة.

في غزة، يجلس الأب والأم، وعيونهما معلقة بشاشة هاتف تجمعهما بطفلهما عبر اتصال افتراضي، بينما في الخليل، يركض الطفل جميل غنيم (32 شهرا)  في حضن جدته، يضحك ويمارس طفولته، لكنه لا يعرف أنه ممنوع من العودة إلى أصله.

بدأت الحكاية قبل نحو عامين وثمانية أشهر، عندما خرج الرضيع من غزة بصحبته جدته وكان في عمر عشرة أيام.

كان يصارع انسدادا في الشريان الرئوي بالقلب، وبصحبته جدته التي حملت على عاتقها مسؤولية مرافقته إلى الضفة الغربية.

رحلة قصيرة.. لكنها طالت

من المفترض أن تكون رحلة علاج قصيرة لأسابيع معدودة، يعود بعدها الرضيع إلى دفء والديه، لكن اندلاع حرب الإبادة على غزة قلب الموازين، وأغلق المعابر، وبتر الشرايين الجغرافية بين غزة والضفة.

اليوم يكبر "جميل" بعيدا عن لمسة أمه وصوت أبيه، ولا يعرفهما إلا من خلال شاشة الهاتف.

تظهر لقطات احترافية لمونتاج مقطع بصري نشرته الجزيرة حوارا مؤلما ينتقل بسلاسة بين جدران الخليل وقماش الخيمة في غزة، فيتجلى عمق المأساة في عجز الوالدين عن تجاوز هذا الزجاج الجامد، ليبقى اللقاء الافتراضي شاهدا على عائلة مزقها الحصار واستعصى عليها العناق الفعلي.

ويختزل هذا التناغم البصري بين بيئتي التصوير مأساة "التشتيت القسري" للعائلات الفلسطينية.

تطلق الجدة في الخليل مناشداتها بقلب مثقل بالمسؤولية والخوف، وتطالب بعودة طفل يكبر سريعا وتتغير ملامحه بعيدا عن عائلته.

وفي غزة، تلوذ الأم والأب بالصمت والدموع داخل خيمتهما، يتأملان تفاصيل طفلهما الذي تركاه رضيعا، وأصبح اليوم طفلا يركض وينمو ويتشكل وعيه، بعيدا عنهما.

"بدي أروّح"

بصوت طفولي ركيك لأنه ما زال يتعلم الكلام، يطلق الطفل "جميل" أمنيته البريئة: "بدي أروّح على غزة".

إعلان

تأتيه الإجابة سريعة عبر شاشة الفيديو من والدته العالقة في غزة، وهي تخاطبه بحنان يمزقه البُعد: "بدك تروح على غزة يا عمري.. كيف حالك يا جمّول؟ تعال يا حبيبي ناخذك ونطششك (نزهة) ونشتري لك كل حاجة.. تعال". يتدخل الأب في الاتصال: "أهلا وسهلا يابا، تعال".

لكن هذا الاتصال الافتراضي لا يداوي الجرح؛ فالأم تعترف بقلب محروق: "صحيح أني بأكلمه وأسمع صوته، وأفرح لما أسمع صوته، لكن قلبي محروق لأنه بعيد عني.. نفسي يرجع بحضني وألعب معاه".

لم ترافق الأم ابنها في رحلة العلاج، بسبب ظروفها الصحية، فخرجت الجدة برفقة الحفيد.

تقول الأم بحسرة: "كنت أعتقد أن الأمر كله لن يتجاوز 3 أسابيع، ثم يعود لحضني، أمسكه، ألعب معه، خاصة أنه المولود الذكر الأول للعائلة".

لكن الأسابيع تحولت إلى شهور وسنوات، ليرى الأب طفولة ابنه تُسرق منه عبر الهاتف: "رأيت طفولة ابني من خلف الشاشة، بأشوفه يكبر أمامي بالصور، على الفيديو".

هذا البعد الطويل خلق حاجزا نفسيا مخيفا للوالدين؛ فالطفل الذي لم يعش معهما يجهل ملامحهما الحقيقية، ويقول الأب بألم: "الطفل يخجل أمامي (على الفيديو) لا يعرفنا، لم يعش حنان أمه وأبوه".

وتشارك الأم زوجها ذات المخاوف وهي ترتب ملابس اشترتها لجميل على أمل عودته: "خايفة أنه لا يتعرف عليّ، أخشى في أول لقاء أنه ما يعرفني..".

وتتفاقم الغصة في مواسم الفرح، حيث تبكي الأم قائلة: "في الأعياد أرى الأطفال معهم أمهاتهم، أنا ابني أين؟ بعيد عني، اللقاء على الفيديو وأنا أسأله كيف حالك، لا يغني أن يكون في حضني".

صرخة جدة وعشرات العالقين

على الجانب الآخر في الخليل، لا تقتصر المأساة على الطفل وحده، فالجدة تعيش تغريبتها الخاصة وتحمل حملا ثقيلا فاق طاقتها.

تتدخل الجدة لتروي مأساتها الشخصية: "لي 3 سنين بعيدة عن أولادي، عن زوجي.. زوجي مريض ويحتاجني، أحيانا يصاب بغيبوبة، محتاج الله ثم أنا".

وتوضح الجدة الظروف القاسية التي عاشها جميل طوال فترة الحرب: "الطفل جميل لم يكن يعرف أهله، لأنه لم يكن عندهم إنترنت (أغلب فترة الحرب)، وأنا تعبت من هذا الحمل، والمكان غير مناسب.. نحن 42 شخصا هنا محتجزين، نريد أن نروّح لغزة".

يختصر الأب هذا الوضع المأساوي بحديثه عن شعور "صعب جدا، لا يوصف،" لأن الطفل يكبر ويزداد وعيا فلا يجد أباه وأمه حوله، يعيش في سكن المستشفى أشبه بسجن، لا يعيش حياة أفضل من الحياة في غزة.

بين حصار غزة المطبق وجدران الضفة الغربية، وجحيم الغربة والانتظار، تختزل قصة عائلة "جميل" مأساة شعب شتتته الحرب؛ عائلة يجمعها الفيديو، ويفصلها في الواقع حصار خانق لا يرحم طفولة ولا يداوي قلوبا محروقة.



إقرأ المزيد