الخصوصية أم الذكاء؟ كيف تحاول آبل تقديم نموذج مختلف للذكاء الاصطناعي
الجزيرة.نت -

Published On 20/6/2026

منذ إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، انقسمت شركات التكنولوجيا إلى مدرستين واضحتين، الأولى تراهن على الحوسبة السحابية الضخمة وتغذية النماذج بكميات هائلة من البيانات لتحسين الأداء، والثانية تقوم على تقليل انتقال بيانات المستخدم خارج الجهاز قدر الإمكان وهو النهج الذي اختارته شركة آبل.

ومع إطلاق ذكاء آبل الاصطناعي (Apple Intelligence)، لا تقدم الشركة مجرد مجموعة من أدوات الذكاء الاصطناعي، بل تحاول بناء نموذج تقني جديد يجعل الخصوصية عنصرا أساسيا في تصميم النظام، وليس مجرد ميزة إضافية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن الجمع بين ذكاء اصطناعي متقدم وحماية صارمة للخصوصية؟ أم أن أحدهما سيكون دائما على حساب الآخر؟

آبل تستخدم تقنيات المعالجة على الجهاز لتشغيل العديد من وظائف الذكاء الاصطناعي دون إرسال البيانات إلى السحابة (شترستوك)
الذكاء الاصطناعي يبدأ من داخل الجهاز

تقوم فلسفة آبل على تنفيذ أكبر قدر ممكن من عمليات الذكاء الاصطناعي مباشرة على أجهزة المستخدم، فيما يعرف باسم "الذكاء الاصطناعي على الجهاز" (On-Device AI). فبدلا من إرسال جميع الطلبات إلى مراكز البيانات كما هو الحال في كثير من الخدمات السحابية، تعتمد الشركة على قدرات معالجات آبل سيليكون (Apple Silicon) ومحرك نيورال إنجين (Neural Engine) لتنفيذ المهام محليا. وتشمل هذه المهام إعادة كتابة النصوص، وتلخيص المحتوى، وإنشاء الملخصات، وتنظيم الإشعارات، وتحسين الكتابة، إضافة إلى بعض وظائف إنشاء الصور.

وتوضح آبل أن تشغيل النماذج محليا يحقق عدة فوائد تقنية، أهمها تقليل زمن الاستجابة، وإمكانية استخدام بعض الميزات دون اتصال بالإنترنت، والأهم من ذلك بقاء البيانات الشخصية داخل الجهاز وعدم إرسالها إلى الخوادم إلا عند الضرورة. وتؤكد الشركة أن نماذجها المحلية صُممت خصيصا لتناسب قدرات أجهزتها، مع تحسينات تجعلها أكثر كفاءة في استهلاك الذاكرة والطاقة مقارنة بالنماذج التقليدية.

لماذا لا يكفي الذكاء المحلي وحده؟

ورغم مزايا المعالجة المحلية، فإن بعض المهام تتطلب نماذج لغوية أكبر بكثير، مثل تحليل مستندات معقدة أو تنفيذ عمليات استدلال متعددة الخطوات أو فهم سياقات طويلة. هذه النماذج تحتاج إلى قدرة حوسبية لا تستطيع الهواتف والأجهزة المحمولة توفيرها باستمرار.

إعلان

ولهذا طورت آبل بنية هجينة تجمع بين المعالجة المحلية والحوسبة السحابية، بحيث يقرر النظام تلقائيا ما إذا كانت المهمة يمكن تنفيذها على الجهاز أو تحتاج إلى موارد إضافية في السحابة، دون أن يضطر المستخدم لاتخاذ هذا القرار بنفسه.

محاولة لإعادة تعريف الحوسبة السحابية

تمثل منصة الحوسبة السحابية الخاصة (Private Cloud Compute – PCC) أهم ابتكار قدمته آبل في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تسعى إلى نقل نموذج الأمان الموجود داخل أجهزة آيفون وماك إلى مراكز البيانات.

وبحسب الوثائق الأمنية الرسمية، تعتمد المنصة على خوادم مبنية باستخدام شرائح آبل سيليكون، مع نظام تشغيل مصغر ومحصن يزيل كثيرا من الأدوات التقليدية المستخدمة في إدارة الخوادم، مثل أدوات الوصول عن بُعد وأدوات مراقبة النظام، وذلك لتقليل سطح الهجوم الأمني إلى الحد الأدنى.

كما تستخدم آبل تقنيات مثل الإقلاع الآمن (Secure Boot) والجيب الآمن (Secure Enclave) وتوقيع الكود (Code Signing) لضمان تشغيل البرمجيات الموثوقة فقط.

وتؤكد آبل أن بيانات المستخدم التي تصل إلى الحوسبة السحابية الخاصة تُستخدم فقط لمعالجة الطلب، ثم تُحذف فور انتهاء العملية، ولا تُخزن أو تُستخدم لتدريب النماذج، كما لا يستطيع موظفو الشركة الاطلاع عليها. وتصف الشركة هذه الآلية بأنها "الحوسبة عديمة الحالة" (Stateless Computation)، أي أن الخوادم لا تحتفظ بحالة دائمة أو سجل للبيانات الشخصية بعد انتهاء المهمة.

الشفافية كوسيلة لبناء الثقة

من أبرز الفروق بين آبل وعدد من المنافسين أن الشركة نشرت وثائق تقنية مفصلة حول بنية الحوسبة السحابية الخاصة، وأتاحت للباحثين الأمنيين إمكانية التحقق من البرمجيات التي تعمل على الخوادم، بما يسمح بالتأكد من أن البرمجيات المنشورة هي نفسها التي تنفذ عمليات المعالجة الفعلية.

ويرى خبراء الأمن أن هذه الخطوة تمثل مستوى غير معتاد من الشفافية في البنى السحابية التجارية، لأنها تمنح المجتمع الأمني فرصة لمراجعة التصميم الأمني واكتشاف الثغرات المحتملة. ومع ذلك، تشير دراسات أكاديمية حديثة إلى أن بعض مكونات النظام لا تزال مغلقة المصدر، مما يعني أن تقييم جميع خصائصه الأمنية بصورة مستقلة ما زال محدودا، رغم الإشادة بالتصميم العام.

آبل تسمح أحيانا بالاستفادة من نماذج خارجية مثل شات جي بي تي، لكن فقط بعد موافقة المستخدم الصريحة (الفرنسية)
التعاون مع "شات جي بي تي"

أدركت آبل أن نماذجها المحلية ليست الأفضل في جميع السيناريوهات، لذلك أتاحت للمستخدمين خيار الاستفادة من "شات جي بي تي" عند الحاجة إلى قدرات أوسع، لكنها وضعت عدة ضوابط، إذ لا ترسل الطلبات إلى "شات جي بي تي" إلا بعد موافقة المستخدم، مع إظهار إشعار واضح قبل مشاركة البيانات.

كما أوضحت أن الطلبات لا ترتبط بحساب المستخدم في أوبن إيه آي ما لم يسجل دخوله بنفسه، ولا تُستخدم البيانات المرسلة عبر هذا التكامل لتدريب النماذج وفق الاتفاقية المعلنة بين الطرفين.

الخصوصية ليست مجانية تقنيا

رغم المزايا الأمنية، فإن هذا النهج يفرض تحديات هندسية واضحة. فالنماذج التي تعمل على الهواتف يجب أن تكون صغيرة الحجم وتستهلك ذاكرة وطاقة أقل، وهو ما قد يقلل من قدرتها على التعامل مع المهام المعقدة مقارنة بالنماذج العملاقة الموجودة في مراكز البيانات.

إعلان

ولهذا كشفت آبل في تقريرها التقني عن تطوير نموذج محلي متعدد اللغات بحجم يقارب 3 مليارات معامل، إلى جانب نموذج أكبر يعمل داخل الحوسبة السحابية الخاصة. كما استخدمت تقنيات مثل ضغط النماذج، والتكميم منخفض الدقة، وتحسين إدارة الذاكرة، حتى تتمكن النماذج من العمل بكفاءة على الأجهزة المحمولة دون استهلاك مفرط للموارد.

مقارنة مع المنافسين

تختلف فلسفة آبل بوضوح عن شركات مثل غوغل ومايكروسوفت وأوبن إيه آي، التي تعتمد بدرجة أكبر على تشغيل النماذج داخل مراكز البيانات العملاقة، حيث تتمتع بقدرات حوسبية أعلى، لكنها تتطلب إرسال مزيد من البيانات إلى السحابة.

أما آبل فترى أن المستقبل سيكون للنموذج الهجين، الذي ينفذ المهام البسيطة والمتوسطة محليا، ولا ينتقل إلى السحابة إلا عند الحاجة. ويعتقد محللون أن هذا النهج قد يمنح الشركة ميزة تنافسية مع تزايد اهتمام المستخدمين والجهات التنظيمية بحماية البيانات الشخصية، خاصة في الأسواق الأوروبية.

لكن كما هو الحال مع أي نظام برمجي، فقد اكتُشفت ثغرات أمنية في بعض مكونات ذكاء آبل الاصطناعي خلال العام الماضي، وتمكنت آبل من معالجتها عبر تحديثات أمنية. كما نشر باحثون أكاديميون دراسات تناولت بعض الجوانب الأمنية مثل آليات إصدار رموز الوصول وإدارة الاتصال بالخدمة، ما يؤكد أن الخصوصية ليست حالة ثابتة، بل عملية مستمرة تتطلب مراجعة وتحديثا دائمين.

توسع جديد دون تغيير المبادئ

خلال مؤتمر "دبليو دبليو دي سي" الأخير، أعلنت آبل توسيع منصة "برايفيت كلاود كومبيوت" (Private Cloud Compute) لتعمل أيضا عبر بنية سحابية تعتمد على "غوغل كلاود" (Google Cloud) وبنية شركة إنفيديا، لكنها أكدت أن الضمانات الأمنية نفسها ستبقى مطبقة، وأن بيانات المستخدم ستظل غير قابلة للوصول من قبل آبل أو غوغل أثناء المعالجة. ويعكس هذا القرار إدراك الشركة أن الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي يتطلب بنية تحتية أكبر، مع محاولة الحفاظ على فلسفتها القائمة على الخصوصية أولا.

آبل تحاول إعادة تعريف المنافسة في الذكاء الاصطناعي عبر الموازنة بين الأداء القوي وحماية خصوصية المستخدم (آبل)

في النهاية، يقول الخبراء إن آبل لا تحاول الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي عبر امتلاك أكبر نموذج لغوي في العالم، بل عبر تغيير قواعد المنافسة نفسها.

فبدلا من التركيز على حجم النموذج أو عدد مراكز البيانات، تراهن الشركة على أن الثقة ستكون العامل الحاسم في الجيل القادم من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ولهذا بنت منظومة هجينة تجمع بين المعالجة المحلية والحوسبة السحابية الخاصة، مع تصميم أمني يهدف إلى تقليل جمع البيانات إلى أدنى حد ممكن.

ورغم أن هذا النهج قد يفرض بعض القيود على قدرات النظام مقارنة بالنماذج السحابية العملاقة، فإنه يقدم رؤية مختلفة لمستقبل الذكاء الاصطناعي، يكون فيها الحفاظ على خصوصية المستخدم جزءا من البنية التقنية نفسها، وليس مجرد سياسة استخدام أو وعد تسويقي.



إقرأ المزيد