الجزيرة.نت - 6/20/2026 1:34:29 PM - GMT (+3 )
Published On 20/6/2026
حين ننظر إلى الساعة، يبدو الزمن شيئا واضحا، يمكن أن نلاحظ عقربا يتحرك، أو رقما يتغير، معبرا عن مرور الثواني، لكن الفيزياء كعادتها، لا تترك الأمور البديهية تمر بسلام، فالسؤال العميق هنا يدور حول أصل الزمن نفسه، وهل هو شيء موجود بذاته، مثل نهر خفي يجري في خلفية الكون، أم أنه يظهر فقط عندما تتغير الأشياء.
بمعنى أوضح، لو افترضنا أن كل شيء في الكون تجمد تماما، بلا أدنى حركة، حتى على مستوى الإلكترونات والكواركات، هل سيظل هناك زمن يمر؟
هذا السؤال القديم عاد إلى الواجهة بعد تجربة حديثة لفيزيائي من جامعة برمنغهام، جيوفاني بارونتيني، صنع فيها "كونا صغيرا" داخل المختبر، بالطبع لم يصنع الباحث كونا من مجرات ونجوم، ولكنه بنى نظاما كموميا شديد العزلة من ذرات فائقة البرودة، يمكن استخدامه كنموذج مبسط لاختبار تلك الفكرة الغريبة، بحسب الدراسة التي نشرت مؤخرا في دورية "فيزيكال ريفيو ريسيرش".
لنفهم أهمية التجربة، علينا أن نبدأ من حياتنا اليومية، فالزمن واضح لأننا نقارنه بتغيرات منتظمة، في دوران الأرض مثلا، أو اهتزاز ذرة في ساعة ذرية، أو حركة عقرب، أو تغير أرقام الهاتف.
لكن ماذا لو كنا نتحدث عن الكون كله؟ لا توجد ساعة خارج الكون، لا يوجد مراقب يقف خارجه ويقول إن البداية حدثت الآن، ثم بعد دقيقة حدث الأمر التالي، وهكذا.
هنا تظهر واحدة من أصعب مشكلات الفيزياء النظرية، وتسمى أحيانا "مشكلة الزمن" في الجاذبية الكمومية، فحين يحاول الفيزيائيون الجمع بين النسبية العامة، التي تصف الجاذبية والزمكان، وميكانيكا الكم، التي تصف الذرات والجسيمات، تظهر معادلات غريبة لا يكون الزمن فيها واضحا كما نعرفه.
ومن أشهر هذه المعادلات "معادلة ويلر–ديويت"، التي تتعامل مع الكون كحالة كمومية واحدة، من دون زمن خارجي يتحرك من الماضي إلى المستقبل.
إعلان
لكنا نعيش الزمن، ونشعر بالقبل والبعد، ونتذكر الأمس ولا نتذكر الغد، إذن من أين يأتي هذا الشعور بأن الزمن يمضي للأمام؟ تجربة بارونتيني لا تحل اللغز النهائي، لكنها تفتح نافذة صغيرة عليه.
استخدم الباحث سحابة من نحو 24 ألف ذرة فائقة البرودة، في حالة كمومية دقيقة، ووضعها في مصيدة محافظة ومعزولة قدر الإمكان عن العالم الخارجي، بعد ذلك قُسمت السحابة بحاجز ضوئي رقيق إلى منطقتين، الأولى يمكن ملاحظتها وقياس تطورها، والثانية غير مرصودة مباشرة.
في هذا النظام، كانت الذرات تتحرك وتتوزع بين المنطقتين، الجزء المرصود كان يتمدد وينكمش على نحو دوري، لذلك استخدم الباحثون تشبيها كونيا، فهذا النظام مثل الكون، يتمدد، وينكمش.
ما فعله الباحث أنه استخدم هذه التجارب ليحاول تعريف نوع من "الزمن الداخلي" اعتمادا على تغير الإنتروبيا داخل النظام نفسه، والإنتروبيا هي مقياس لعدم الانتظام، مثلا إذا تركت غرفتك المنظمة لشهور ستعود لتجدها أقل تنظيما، هنا نقول إن الإنتروبيا ارتفعت (المثال غرضه التقريب).
في التجارب، عندما يتغير انتشار الذرات بين المنطقة المرصودة وغير المرصودة، يكون هناك معنى لمرور الزمن داخل هذا الكون المصغر، وعندما لا يتغير التوزيع، يصبح الزمن الداخلي، بهذا التعريف، كأنه توقف.
هنا توصل الباحث إلى أن الساعة الخارجية ليست ما يخبر النظام بما يحدث، بل التغيرات الداخلية هي التي تصنع ترتيب الأحداث، هذه الفكرة تسمى أحيانا "الزمن العلائقي"، أي أن الزمن لا يكون خلفية جاهزة تتحرك فوقها الأحداث، بل يظهر من العلاقة بين أجزاء النظام.
مثلا، نحن لا نشعر بالزمن في فراغ تام لا يحدث فيه شيء، فالزمن بالنسبة لنا يُقرأ من تغير الضوء، وضربات القلب، وحركة الناس، ونمو الشعر، وشيخوخة الجسد، ودوران الكواكب.
في هذا السياق، فإنه من دون تغير، يصبح السؤال عن مرور الوقت غير عملي. بالطبع تظل هذه تجربة واحدة، ولا يزال العلماء بحاجة للمزيد من التأكيدات عليها، لكن الجمال في التجربة أن الباحث لم يكتفِ بفكرة فلسفية، بل حاول أن يضعها في اختبار فيزيائي.
إقرأ المزيد


