4 عوامل تكتيكية ونفسية.. كيف يخطط "الثعلب" رونار لإنقاذ تونس من الإقصاء المبكر؟
الجزيرة.نت -

لن يجد المدرب الجديد لمنتخب تونس، الفرنسي هيرفي رونار، رفاهية الوقت لترتيب أوراقه الفنية؛ فالواقع فرض عليه "معركة بقاء" فورية لانتشال معنويات "نسور قرطاج" من قاع الهزيمة القاسية أمام السويد (1-5)، في محاولة لإنقاذ الحلم المونديالي من الانهيار المبكر.

رونار، الذي تسلم إرثا مثقلا بالجراح لتونس في المجموعة السادسة، بدأ بالفعل ثورة تصحيحية سريعة داخل غرف الملابس، تهدف لتحويل الطموحات من مجرد تفادي فضيحة كروية إلى قتال شرس لإنقاذ آمال التأهل من قلب الانهيار.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ولم يحقق المنتخب التونسي تحت قيادة المدرب لموشي سوى انتصار واحد في خمس مباريات، وكان على حساب هايتي بهدف دون رد في مارس/آذار الماضي، بينما خسر أمام النمسا بهدف نظيف، قبل أن يتلقى هزيمة ثقيلة بخماسية أمام بلجيكا في مباراتين وديتين استعدادا للمونديال الحالي.

صدمة البداية تطيح بلموشي

احتضن ملعب مونتيري في المكسيك واحدة من أقسى السقطات في تاريخ الكرة التونسية بالمونديال، حيث انهار دفاع الفريق بشكل مفاجئ ليتلقى خماسية كاملة استقرت في شباكه. ولم يشفع الهدف الوحيد الذي سجله المدافع عمر رقيق في الدقيقة 43 في تخفيف حدة الكارثة التكتيكية وغياب الانضباط التي ظهرت على أرضية الميدان.

أقيل مدرب منتخب تونس صبري لموشي من بعد خسارة مهينة أمام السويد 1-5 (الفرنسية)

عقب تلك الهزيمة، تحرك الاتحاد التونسي بقرار استثنائي تاريخي، ليصبح المدرب لموشي أول مدرب يُقال بعد جولة واحدة فقط في تاريخ هذه النسخة من كأس العالم. ولم يكن القرار وليد مباراة واحدة، بل جاء مدفوعا بسلسلة من النتائج السلبية قبل البطولة، كان أبرزها الخسارة الودية الثقيلة أمام بلجيكا بنتيجة (0-5).

هذه الخسارة المهينة، تركت تونس في ذيل المجموعة السادسة من دون نقاط، وبفارق أهداف كبير بلغ (-4)، ما جعل التأهل إلى الدور المقبل صعبا جدا.

مهمة صعبة لرونار "رجل الإطفاء"

لم يكن اختيار المدرب هيرفي رونار (57 عاما) عشوائيا وفق تقارير، بل جاء كاستجابة فورية لثقافة "إدارة الأزمات" التي يجيدها الفني الفرنسي صاحب سجل ذهبي فريد في الملاعب الأفريقية والعالمية ما يمنحه الشرعية الكاملة لقيادة هذا النوع من العمليات السريعة.

إعلان

وحقق الفرنسي اللقب التاريخي "المعجزة" مع زامبيا عام 2012، ثم كرر الإنجاز مع كوت ديفوار عام 2015، ليكون المدرب الوحيد الذي توج بلقب أمم أفريقيا مع بلدين مختلفين.

هيرفي رونار خلال فترة تدريبه للمنتخب السعودي (أسوشيتد برس)

كما حفر اسمه بماء الذهب في نسخة قطر عام 2022 عندما قاد المنتخب السعودي لتحقيق كبرى المفاجآت المونديالية بالفوز على الأرجنتين بنتيجة (2-1). وهذا المونديال يمثل حضورا مألوفا لرونار الذي يعرف عقلية اللاعب العربي بعد تجاربه مع منتخبي المغرب والسعودية، ومع نادي اتحاد الجزائر.

خطة إنقاذ منتخب تونس

يسابق المدرب الفرنسي الزمن لإحداث التغيير المطلوب في فترات زمنية تُقاس بالساعات لا بالأيام، وتعتمد خطته لانتشال معنويات النسور على أربعة محاور أساسية:

1- الصدمة النفسية وإعادة الهيبة

جاء تعيين رونار بعد مفاوضات سريعة بينه وبين الاتحاد التونسي لكرة القدم، حيث اتفق الطرفان على عقد قصير المدى يرتبط أساسا بالمشاركة المونديالية للنسور، قبل إعادة طرح المفاوضات من جديد بعد كأس العالم.

وتتركز المهمة الأولى للفني الفرنسي -الذي سيحصل على راتب شهري يقدر بـ30 ألف يورو (نحو 32400 دولار)- في تحويل الإحباط والانكسار بعد خماسية السويد إلى طاقة غضب إيجابية وعقلية قتالية لا تستسلم، وهو التخصص الذي برع فيه تاريخيا عبر خطاباته الحماسية الشهيرة في غرف الملابس.

وخلال مونديال عام 2022 ألقى الفرنسي خطابا تحفيزيا في غرفة الملابس للاعبي المنتخب السعودي أثمر فوزا تاريخيا على الأرجنتين بقيادة ميسي بنتيجة 2-1.

وقال رونار في خطابه ذلك: "10 أيام على نهاية دور المجموعات. هذه فرصة حياتكم، فبعد ذلك سيفوت الأوان. هذا الصباح كل المواطنين السعوديين سيصلون من أجلكم، بعض عائلاتكم سيتواجدون بالمدرجات والبعض الآخر خلف الشاشات، لأن الحياة ستتوقف اليوم في السعودية".

2- الترميم الدفاعي والانضباط الصارم

استقبلت شباك تونس 10 أهداف في آخر مباراتين (بين الوديات والمونديال)، وهو مؤشر مخيف. سيعمل رونار فورا على فرض تكتل دفاعي صلب وتقارب شديد بين الخطوط، مضحيا بالاندفاع الهجومي غير المحسوب مقابل سد الثغرات وتأمين الخط الخلفي أولا.

شباك تونس استقبلت 10 أهداف في آخر مباراتين بين الوديات والمونديال (أسوشيتد برس)

وإلى جانب التنظيم الدفاعي الجيد لتجنب سرعة الاختراقات اليابانية، يتوقع أن يعتمد رونار على التحول الهجومي السريع والمرتدات الخاطفة، مستغلاً سرعات الأجنحة التونسية، وهو الأسلوب الذي طالما أجاد تطبيقه مع المنتخبات التي دربها.

3- غربلة التشكيلة والرهان على "المقاتلين"

رونار لا يعترف بالأسماء الرنانة بل بالجاهزية النفسية والبدنية. اللاعبون الذين ظهروا بمستوى باهت أو مستسلم أمام السويد قد يجدون أنفسهم على مقاعد البدلاء فورا.

جانب من تحضيرات منتخب تونس لمواجهة اليابان الحاسمة(الأوروبية)

سيبحث رونار في دكة البدلاء عن اللاعبين الذين يمتلكون الروح القتالية العالية والاندفاع البدني القوي (Grinta)، لأن المباراتين القادمتين في المجموعة السادسة لن تُكسب بالمهارة فقط، بل بالصراعات البدنية المباشرة والفوز بالثنائيات.

4- الجاهزية الفورية لـ "كتيبة الظل"

إعلان

لم يحضر "الثعلب" الفرنسي وحيدًا، بل استعان بطاقمه الفني المخلص والجاهز للعمل الميداني الفوري؛ حيث يقود وهبي الخزري وألكسندر كيرفايان عمليات التحليل الفني عبر الفيديو لتشريح نقاط ضعف منتخبي اليابان وهولندا، بينما يتولى ديفيد بارياك المعد البدني وجيل لو فلوش مدرب الحراس رفع الكفاءة البدنية والذهنية للاعبين في الحصص التدريبية السريعة بمونتيري.

المدرب الفرنسي رونار برفقة طاقمه الفني المساعد في أولى الحصص التدريبية في مونتيري (رويترز)
حسابات التأهل.. المعادلة الرقمية الصعبة

يجد منتخب تونس نفسه أمام حتمية حصد النقاط في المباراتين الحاسمتين المتبقيتين في المجموعة السادسة ضد اليابان يوم 21 يونيو/حزيران وهولندا يوم 26 يونيو/حزيران الجاري.

السيناريو الرقمي يتطلب من رونار الوصول إلى النقطة الرابعة كحد أدنى (فوز وتعادل) للحفاظ على آمال التأهل ضمن أفضل ثوالث، أو اقتناص 6 نقاط كاملة لضمان العبور المباشر، وهو ما يتطلب معالجة الفارق السلبي للأهداف (-4).

ويبقى السؤال: هل ينجح رونار في كتابة تاريخ جديد لنسور قرطاج وتحويل الانكسار إلى عبور تاريخي، أم أن عمق الجرح الفني الذي تركته مباراة السويد سيكون أكبر من قدرات رجل المهام المستحيلة؟



إقرأ المزيد