مفهوم الهيمنة عند غرامشي وسعيد وتشومسكي.. كيف تُصنع سيطرة العقول؟
الجزيرة.نت -

حين تحتاج السلطة إلى دبابة في الشارع، فهي سلطة قلقة على نفسها؛ أما حين تسكن في رؤوس الناس وتجعلهم يدافعون عنها بوصفها قناعتهم الحرة، فتلك هي السلطة التي لا تُهزم بسهولة، لأن المحكوم بها يحرسها من حيث لا يدري.

هنا، في هذه المنطقة الرمادية بين الإقناع والإكراه، يكمن السؤال الذي شغل ثلاثة من أبرز عقول القرن العشرين، وهو كيف يُقنَع الناس بقبول ما يُفرض عليهم، حتى يظنوه اختيارهم؟

أنطونيو غرامشي كتب أكثر إجاباته من داخل سجن فاشي، فأعاد تعريف السيطرة بوصفها معركة على الثقافة لا على السلاح وحده.

وإدوارد سعيد حمل السؤال إلى ميدان آخر، وأرانا كيف "كُتب" الشرق وصُنّف في المخيلة الغربية قبل أن يُحتل على الأرض، أما نعوم تشومسكي فنقل التحليل إلى قلب الديمقراطيات الليبرالية، حيث يصير القمع المباشر مكلفا، فتُهندَس الموافقة بدلا منه عبر ماكينة الإعلام والبروباغندا.

ثلاثة مفكرين من خلفيات وتخصصات، وميدان واحد يلتقون عنده، تشريح آليات السيطرة الناعمة التي تخترق الوعي لا الأجساد، ومن تقاطع رؤاهم تتشكّل صورة أكمل لأخطر أنواع الهيمنة؛ تلك التي لا تُرى، فتجعل الصور النمطية تبدو حقائق طبيعية، والأخبار المبتسرة حقيقة كاملة، والقيود اختيارا حرا.

أنطونيو غرامشي: الهيمنة الثقافية وإنتاج الموافقة الطوعية

يتخذ مفهوم الهيمنة عند المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي شكل الأداة التحليلية لفهم كيفية حفاظ الطبقات المسيطرة على السلطة، ليس عبر القوة والقمع الفجين فحسب، بل من خلال الإقناع والتوافق الثقافي.

وتتبلور آليات الهيمنة لديه في ثلاث نقاط أساسية:

السيطرة الثقافية: عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية.

إنتاج الموافقة الطوعية: من خلال القيم والمفاهيم السائدة.

المثقف العضوي: ودوره المركزي في نشر أيديولوجيا الطبقة المسيطرة.

على هذا، لا يمكن اعتبار الهيمنة عند غرامشي مجرد سيطرة بالقوة والإكراه، بل هي إستراتيجية معقدة لكسب موافقة الجماهير بشكل طوعي -ظاهريا-. وانطلاقا من ثنائية الهيمنة والإكراه، يرى غرامشي أن الدولة الحديثة تقوم على دعامتين:

إعلان

المجتمع السياسي: وهو المجال الذي يتبلور من خلاله الإكراه المادي المتأتي من الجيش، الشرطة، المعتقلات، السجون، والنظام القضائي؛ ويمثل هذا المجال الهيمنة التقليدية.

المجتمع المدني: وهو مجال إنتاج الهيمنة الفكرية عبر المدارس، الجامعات، وسائل الإعلام، الدين، العائلة، والنقابات. هنا تنتج الطبقة المسيطرة قيما ومفاهيم تصبح هي "المعيار السائد"، أو "الحس السليم" الذي يتقبله الجميع كأمر طبيعي وبديهي.

وعليه، فإن الفاعل الأساسي لانتقال المجتمع من الإكراه إلى القبول المدني هو "المثقف العضوي"، وهو ليس مجرد كاتب أو فيلسوف منعزل، بل هو الترجمة العملية لمنظري الطبقات والمدافعين عنها، وتكمن مهمته في نشر وتبرير أيديولوجيا النخبة عبر مؤسسات المجتمع المدني لضمان استمرار المنظومة دون حاجة للعنف المباشر.

وهنا يطرح غرامشي مفهوم "حرب المواقع" كبديل للثورة العنيفة المباشرة؛ حيث يتوجب على القوى المضادة للهيمنة خوض معركة طويلة الأمد داخل مؤسسات المجتمع المدني (الثقافة، التعليم، الإعلام) لاستعادة "الحس السليم"، وكشف طبيعة الآليات السائدة وبناء هيمنة مضادة.

مثال توضيحي: فكرة "الحلم الأمريكي" التي تروّج أن النجاح والثراء هما نتيجة الجهد الفردي فقط، تتجاهل العوامل الهيكلية مثل الرأسمالية المتوحشة وعدم المساواة. هذه الفكرة، المنشورة عبر الأفلام والإعلام، تجعل الفقراء يلومون أنفسهم على الفشل بدلا من نقد النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يضمن استمرار هيمنة النخب الحاكمة.

إدوارد سعيد: الاستشراق كخطاب وهيمنة معرفية للإمبراطورية

طوّر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد مفهوم "الاستشراق" ليكون شكلا من أشكال الهيمنة الثقافية والمعرفية التي يمارسها الغرب تجاه الشرق. وللتوسع في رؤيته للهيمنة باعتبارها "خطابا معرفيا"، فقد طبّق سعيد أفكار غرامشي على العلاقة الجدلية بين المستعمِر والمستعمَر.

فالاستشراق، برأي سعيد، ليس مجرد دراسة موضوعية للشرق، بل هو "خطاب" قوي أنتجه الغرب لتمثيل الشرق وتصنيفه ثم الهيمنة عليه. وقام هذا الخطاب بخلق "الشرق" ككيان متخيل معاكس ومتخلف عن "الغرب" المتفوق والعقلاني.

صورة للمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد (غيتي إيميجز)

ومن هنا تبرز "الهيمنة المعرفية"؛ فالسيطرة بحسب إدوارد سعيد ليست عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل هي سيطرة على حق تعريف الذات وتسمية الآخر:

الغرب هو من يكتب تاريخ الشرق، ويحدد هويته، ويسيطر عليه.

هذه الهيمنة تجعل الشعوب الواقعة تحت الاستعمار تنظر إلى نفسها بعيون المستعمِر، فتبتلع صورة تفوقه وتخلفها الذاتي.

ويقودنا هذا إلى الدور المزدوج للثقافة؛ فالثقافة لم تكن يوما بريئة، بل كانت شريكا أساسيا للمشروع الإمبريالي عبر الروايات، الآداب، اللوحات، النظريات الأنثروبولوجية، والسينما. ولعبت هذه الأدوات دورا محوريا في صياغة صورة نمطية للشرق تبرر احتلاله تحت شعار "تمدينه وتحضيره".

مثال توضيحي: تصوير أفلام هوليوود للعرب كإرهابيين متعصبين، أو شيوخ نفط مفسدين، أو نساء مضطهدات، لا يهدف للتسلية الفنية فقط، بل يكرس خطابا هيمنويا يبرر التدخل العسكري والسياسي في المنطقة تحت ذريعة: "هم بحاجة إلينا لننقذهم من همجيتهم"، وهو امتداد مباشر للخطاب الاستشراقي الكلاسيكي.

إعلان

باختصار، تتمثل آليات الهيمنة عند إدوارد سعيد في: بناء "الآخر" المتخلف ثقافيا، ثم السيطرة عليه عبر الخطاب المعرفي والأكاديمي، وصولا إلى إنتاج صورة نمطية تبرر الهيمنة الغربية.

نعوم تشومسكي: البروباغندا و"هندسة الموافقة" في الديمقراطيات

ركز المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي على الآليات العملية المباشرة التي يتم من خلالها صناعة القبول في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، حيث يصبح القمع العسكري المباشر صعبا ومكلفا سياسيا.

طور تشومسكي -بالشراكة مع إدوارد هيرمان- "نموذج الدعاية" (Propaganda Model) لتحليل كيفية عمل وسائل الإعلام كأداة للمنظومة الحاكمة. ويمثل مفهوم "هندسة الموافقة" قلب الهيمنة عند تشومسكي؛ وخلاصته أنه في الديمقراطيات لا يمكن للحكومات السيطرة بالقوة، لذا يتوجب عليها "تصميم" موافقة الجمهور، أو على الأقل صناعة "لامبالاة مطلعة" تجعل الشعوب تقبل سياسات لا تصب في مصلحتها.

وهنا لا يقتصر دور الإعلام على توجيه الانتباه لقضايا معينة، بل يمتد لإبعاد الأنظار عن قضايا أخرى، وهو ما يُعرف بـ "إستراتيجية الإلهاء".

اللغوي والناشط السياسي الأمريكي نعوم تشومسكي (الفرنسية)

وفي حين ركز غرامشي وسعيد على البعد الثقافي والمعرفي، نجد تشومسكي أكثر تركيزا على الهيمنة الجيوسياسية والاقتصادية للدول القوية (خاصة الولايات المتحدة الأمريكية)، ودورها في فرض إرادتها على العالم عبر الحروب والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين.

مثال توضيحي: خلال أزمة غزو العراق عام 2003، ركزت وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية بشكل مكثف على سردية "أسلحة الدمار الشامل" وربط النظام العراقي بتنظيم القاعدة، متجاهلة تماما التحذيرات المعارضة. هذه التغطية الممنهجة التي جرت "هندستها" عبر المصادر الرسمية هيأت الرأي العام لقبول الحرب، وهي نموذج كلاسيكي لـ"هندسة الموافقة".

وتتلخص آليات الهيمنة عند تشومسكي في: تحكّم النخب الاقتصادية في وسائل الإعلام، استخدام البروباغندا لتصميم آراء الجمهور، وإخفاء الحقائق لتمرير مصالح النخب.

تقاطعات وفوارق: كيف تتكامل رؤى الفلاسفة الثلاثة؟

أولا: نقاط الالتقاء
نقد الهيمنة الناعمة: يركز الثلاثة على الهيمنة غير المباشرة التي تسيطر على العقول والثقافة، لا على القوة المادية الفجة فحسب.

مسؤولية المثقف: يشتركون في التأكيد على دور المثقفين، إما في تعزيز أدوات الهيمنة أو في قيادة جبهات المقاومة ضدها.

تفكيك بنى السلطة: تقديم نقد جذري للمنظومات القائمة، سواء أكانت اقتصادية، سياسية، أم معرفية.

طبيعية الأيديولوجيا: يرون أن الهيمنة تنجح عندما تحول الأفكار المصنوعة إلى حقائق "طبيعية" ومسلّم بها في وعي الشعوب.

ثانيا: نقاط الاختلاف (توزيع المناهج والمجالات)
مجال التركيز الأساسي: يرى غرامشي أن الهيمنة تمثل صراع الطبقات داخل المجتمعات الرأسمالية، بينما يوسعها إدوارد سعيد لتكون هيمنة ثقافية ومعرفية متبادلة بين الشرق والغرب، في حين يحصرها تشومسكي في دور الإعلام والبروباغندا داخل الديمقراطيات الليبرالية.

المنهجية الفكرية المتبعة: يعتمد غرامشي في تفكيكه على تحليل ماركسي بنيوي مجدد، ويتجه سعيد نحو تحليل تفكيكي للخطاب المعرفي (ما بعد الاستعماري)، بينما يوظف تشومسكي تحليلا نقديا تجريبيا مبنيا على رصد الماكينة الإعلامية والسياسات الجيوسياسية.

الحلول والبدائل المقترحة: ينادي غرامشي بخوض ثورة ثقافية طويلة الأمد عبر "حرب المواقع"، ويسعى سعيد لتقويض الخطاب الاستعماري من الداخل وإعادة كتابة التاريخ من منظور الضحايا، بينما يرى تشومسكي أن الحل يكمن في فضح آليات الدعاية المستمرة لتوعية الجماهير بالحقائق.

يقدم غرامشي وسعيد وتشومسكي تحليلات كاملة ومتكاملة لأشكال السيطرة؛ فبينما يفكك غرامشي الهيمنة الطبقية داخليا، يوسع سعيد التحليل ليشمل العلاقات بين الأمم، ويكمل تشومسكي الصورة بتحليل الماكينة الإعلامية الحديثة. أعمال الثلاثة تشكل بطريقة أو بأخرى نقدا شاملا للهيمنة المعاصرة بجميع أشكالها، وتثري الفهم لتعقيداتها الكامنة وتكشف كيف تعمل آليات السيطرة عبر مستويات متعددة ومتداخلة.

إعلان

ولعل الرابط الأعمق بين هذا الثلاثي هو كشفهم أن أخطر أنواع الهيمنة هو ذلك الذي لا يُرى؛ الهيمنة التي تخترق الوعي وتجعل الإنسان يعتقد أن الخيارات المفروضة عليه هي خياراته الحرة، أو أن الصور النمطية هي حقائق طبيعية، أو أن الأخبار المبتسرة هي الحقيقة الكاملة.


كاتب وفنان تشكيلي سوري



إقرأ المزيد