الجزيرة.نت - 6/19/2026 10:50:00 AM - GMT (+3 )
مع انطلاق مباريات 8 منتخبات عربية في كأس العالم 2026، تعيش جماهير واسعة في العالم العربي ساعات من الترقب والحماس، فالمباريات لا تبدأ عند صافرة الحكم فقط، بل قبلها بساعات من الانتظار والقلق، ثم تتحول مع كل هجمة وفرصة وهدف إلى حالة عاطفية كاملة، ترتفع معها الأصوات ودقات القلوب.
هذه المشاعر، رغم ما تحمله من حب وانتماء وفرح وطني، قد لا تمر دائما بلا أثر صحي. فالمباراة التي تبدو للبعض لحظة ترفيه وتشجيع، قد تمثل عبئا نفسيا وبدنيا على آخرين، خصوصا أصحاب التاريخ المرضي مع القلب والشرايين، ومرضى ارتفاع ضغط الدم والسكري.
ولا يعني ذلك أن تشجيع كرة القدم خطر في ذاته، لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يتحول الانفعال إلى توتر شديد، أو عندما يرافق المشاهدة تدخين مفرط، أو أطعمة دسمة، أو منبهات كثيرة، أو تجاهل للأدوية ومواعيدها. هنا لا يعود الأمر مجرد حماس عابر، بل استجابة فسيولوجية قد تضع القلب تحت ضغط حقيقي.
يرتبط المشجع بفريقه أو منتخب بلاده بطريقة تتجاوز حدود الرياضة. فهو لا يشاهد 11 لاعبا فقط، بل يرى فيهم رمزا للهوية والانتماء والذاكرة الجماعية. لذلك تبدو الخسارة أحيانا كأنها هزيمة شخصية، ويبدو الفوز كأنه انتصار خاص لا يخص الملعب وحده.
هذا الارتباط بين التشجيع والهوية كان محور دراسة أجرتها جامعة ستراثكلايد في إسكتلندا خلال مباريات كأس العالم 2014، ونشرت نتائجها عام 2020، لفهم سبب اندفاع بعض مشجعي الرياضة بمشاعر قوية أثناء مشاهدة المباريات مباشرة، وعلاقة ذلك بمستويات هرمون الكورتيزول في اللعاب.
وأظهرت الدراسة أن تركيزات الكورتيزول، وهو أحد أبرز هرمونات التوتر، تتغير أثناء مشاهدة مباريات كرة القدم الحية، وأن هذه التغيرات ترتبط بدرجة اندماج المشجع مع فريقه. كما رصدت الدراسة تفاعلا بين نتيجة المباراة ومستويات الكورتيزول، إذ ارتبطت مشاهدة الخسارة بارتفاع ملحوظ في تركيز هذا الهرمون.
إعلان
وخلص الباحثون إلى أن اندماج الهوية الجماعية مع الاستجابة الجسدية للتوتر ينتج أنماطا نفسية وفسيولوجية خاصة خلال الأحداث الرياضية الضاغطة. وبمعنى أبسط، فإن المشجع المتعلق جدا بفريقه لا يعيش المباراة بعقله ومشاعره فقط، بل بجسده أيضا.
وفي الاتجاه نفسه، توصل باحثون في جامعة أكسفورد في يناير/كانون الثاني 2020 إلى وجود صلة علمية بين قوة الترابط الجماعي بين المشجعين وفريقهم وبين مستويات الكورتيزول أثناء مشاهدة كرة القدم، من دون وجود اختلافات واضحة في تركيزات الكورتيزول بين الرجال والنساء.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أن ارتفاع الكورتيزول لفترات طويلة أو تكراره مع الضغط النفسي قد يرتبط بآثار صحية متعددة، منها إضعاف جهاز المناعة، وزيادة قابلية الجسم للسعال ونزلات البرد والحساسية، إلى جانب زيادة الوزن وارتفاع ضغط الدم، وما قد يصاحب ذلك من ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب لدى الفئات الأكثر عرضة.
لم تقف الدراسات عند قياس التوتر الهرموني، بل حاولت أبحاث أخرى تتبع ما يحدث بعد المباريات الكبرى في أقسام الطوارئ. فقد درست المجلة الكرواتية للطب الرياضي، العلاقة بين مشاهدة مباريات كأس العالم 2018، التي شارك فيها المنتخب الكرواتي، وبين ارتفاع معدلات دخول المستشفيات بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.
واعتمدت الدراسة على فحص قاعدة بيانات المستشفى خلال أيام مباريات المنتخب الكرواتي، إضافة إلى اليومين التاليين لكل مباراة، ثم قارنت النتائج بالفترات الزمنية نفسها في عامي 2017 و2019. وشملت المراجعة 1093 حالة.
وأظهرت النتائج ارتفاع معدل الإصابة لدى النساء بمقدار 1.30 مرة خلال فترة التعرض لمشاهدة المباريات مقارنة بفترات عدم التعرض. وكانت اضطرابات نظم القلب والذبحة الصدرية من أكثر أمراض القلب والأوعية الدموية شيوعا في تلك الفترة.
وخلصت الدراسة إلى أن مشاهدة مباريات المنتخب الوطني والتشجيع المكثف قد يمثلان عامل خطر إضافيا للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، خصوصا لدى من يملكون عوامل خطورة سابقة.
هذا لا يعني أن كل مشجع مهدد بدخول المستشفى بعد المباراة، لكنه يشير إلى أن الأحداث الرياضية عالية التوتر قد تترك أثرا ملموسا على الفئات الأكثر هشاشة صحيا، خاصة إذا اجتمعت معها عوامل مثل المرض المزمن، أو الانفعال الشديد، أو العادات غير الصحية أثناء المشاهدة.
ماذا يحدث داخل القلب أثناء التشجيع؟عندما يتابع المشجع مباراة حاسمة، يتعامل الجسم مع التوتر كأنه حالة إنذار. فيبدأ الجهاز العصبي في تنشيط استجابات داخلية هدفها إعداد الجسم لمواجهة الضغط. لكن هذه الاستجابة، التي قد تكون طبيعية في حدودها المعتدلة، قد تصبح مرهقة عند بعض المرضى.
وفي دراسة قدمها قسم الصحة العامة والطب الوقائي بجامعة القاهرة، عن صحة الأوعية الدموية وإدارة المخاطر خلال استضافة كأس العالم 2022 في قطر، أشار الباحثون إلى أن مشاهدة مباراة كرة قدم مهمة قد تسبب ما يعرف بالإجهاد النفسي الحاد.
هذا الإجهاد يؤدي إلى فرط تنشيط محور الغدة النخامية والغدة الكظرية، وكذلك الجهاز العصبي الودي والغدة الكظرية النخاعية. ونتيجة لذلك، يرتفع معدل ضربات القلب، ويزداد ضغط الدم، وتزداد قوة انقباض عضلة القلب، وقد تظهر اضطرابات في نظم القلب.
إعلان
ومع زيادة حاجة عضلة القلب إلى الأكسجين، قد يحدث اختلال بين ما يحتاجه القلب وما يصل إليه فعليا من دم وأكسجين، خصوصا لدى المصابين بتصلب الشرايين أو الذبحة الصدرية أو أمراض القلب السابقة. وهنا يمكن أن تتحول لحظة انفعال قوية إلى ألم في الصدر أو خفقان شديد أو مضاعفات أخطر.
لا تأتي الخطورة من المباراة وحدها، بل من الطريقة التي يشاهد بها بعض المشجعين المباريات. فالسهر الطويل، والتدخين بكثرة، وتناول الوجبات الدسمة، والإفراط في المنبهات، وربما نسيان الأدوية أو تأخير الوجبات عند مرضى السكري، كلها عوامل تضيف عبئا جديدا على القلب والجسم.
ونشرت مجلة "ساينس دايركت" (ScienceDirect) العلمية في مارس/آذار 2021 دراسة تناولت علاقة تشجيع الفرق الرياضية بالفئات الأكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك الذبحة الصدرية، ومتلازمات الشريان التاجي الحادة، والموت القلبي المفاجئ.
وأوضحت الدراسة أن الإجهاد النفسي المرتبط بمشاهدة المباريات قد يصبح أكثر خطورة عندما يتزامن مع عوامل مساعدة، مثل الإفراط في شرب الكحول، وتناول الوجبات الدسمة، والتدخين بكثرة، وهي عادات قد تزداد خلال الأحداث الرياضية الكبرى.
وكشفت الدراسة أن المشاعر القوية والضغط النفسي يرتبطان باحتشاء عضلة القلب، واضطرابات نظم القلب المصحوبة بأعراض، والموت القلبي المفاجئ، خصوصا بين المشاهدين الذين لديهم تاريخ سابق معروف لأمراض الشريان التاجي.
كما أشارت إلى أن التغيرات الديناميكية الدموية العابرة، واختلال وظائف بطانة الأوعية الدموية، والتحفيز المفرط للجهاز العصبي الودي، قد تؤثر في توازن الدم داخل القلب، وتخلق بيئة أكثر قابلية للتخثر واضطراب النظم القلبي.
فئات أكثر حساسيةيقول الدكتور محمود عبد القادر، المتخصص في أمراض القلب والأوعية الدموية، إن حالات التوتر والانفعال الشديد تزداد لدى بعض المشجعين، خاصة المتعصبين منهم. ويضيف أن الملاحظة السريرية البسيطة لدى أطباء القلب تظهر أن قياس ضغط الدم أثناء التشجيع قد يكون في أعلى مستوياته، خصوصا لدى مرضى القلب وارتفاع ضغط الدم والسكري.
ويوضح عبد القادر في حديثه للجزيرة نت، أن التوتر والانفعال الحاد أثناء المباريات يؤديان إلى إفراز كميات كبيرة من هرمونات التوتر، مثل الأدرينالين والنورأدرينالين، وهو ما يسبب زيادة معدل ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وازدياد حاجة عضلة القلب إلى الأكسجين.
وفي بعض المرضى، قد يؤدي ذلك إلى ظهور آلام في الصدر أو اضطرابات في ضربات القلب، وقد يزيد خطر حدوث الجلطات القلبية أو السكتات الدماغية لدى الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات.
أما بالنسبة لمرضى السكري، فيشير عبد القادر إلى أن التوتر النفسي الشديد قد يرفع مستويات السكر في الدم نتيجة إفراز هرمونات التوتر. كما أن الانشغال بالمباراة قد يؤدي إلى اضطراب مواعيد تناول الأدوية أو نسيانها، أو اختلال مواعيد الوجبات، ما يزيد احتمالات حدوث مشكلات صحية أثناء أو بعد المشاهدة.
لا يحتاج المشجع إلى التخلي عن حماسه أو الامتناع عن متابعة فريقه، لكنه يحتاج إلى قدر من الوعي، خاصة إذا كان يعاني مرضا مزمنا أو لديه تاريخ مرضي في القلب أو الضغط أو السكري.
وينصح الدكتور محمود عبد القادر المشجعين، خصوصا المرضى منهم، بتقليل أو وقف تناول المنبهات مثل الشاي والقهوة أثناء المباريات وبعدها، حتى لا تكون عاملا مساعدا في زيادة ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم.
كما ينبه إلى ضرورة التوقف عن المشاهدة وطلب المساعدة الطبية فورا عند ظهور أعراض مثل ألم الصدر، أو ضيق التنفس، أو الدوخة الشديدة، أو الخفقان غير المعتاد.
إعلان
ومن المهم أيضا أن يلتزم مرضى القلب والضغط والسكري بأدويتهم في مواعيدها، وأن يتجنبوا الوجبات الثقيلة والمالحة والدسمة أثناء المباريات، وأن يحاولوا أخذ فترات قصيرة من الهدوء والتنفس العميق إذا شعروا بأن التوتر خرج عن السيطرة.
إقرأ المزيد


