بليز باسكال.. فيزيائي شغلته فلسفة الوجود وأسئلة الإيمان
الجزيرة.نت -

أحد أبرز العقول العلمية والفكرية الفرنسية في القرن السابع عشر. وُلد عام 1623 بمدينة كليرمون فيران، وتوفي شابا في باريس عن عمر ناهز 39 عاما.

جمع بليز باسكال بين علوم الرياضيات والفيزياء والفلسفة والأدب، وترك إرثا علميا وفكريا امتد أثره إلى ما بعد عصره بقرون.

أسهم في إرساء أسس نظرية الاحتمالات الحديثة، وصاغ ما عُرف لاحقا بمبدأ باسكال في الضغط، كما اشتهر بأفكاره الدينية والفلسفية التي رأت أن إدراك الله يتم بالقلب بقدر ما يتم بالعقل. ولم تقتصر تأثيراته على عصره، إذ امتدت أفكاره المتعلقة بالحدس والمعرفة إلى فلاسفة لاحقين، من بينهم جان جاك روسو وهنري برغسون، كما تركت بصمتها في تطور الفلسفة الوجودية.

المولد والنشأة

وُلد بليز باسكال يوم 19 يونيو/حزيران 1623 في مدينة كليرمون فيران الفرنسية. توفيت والدته وهو وأختاه ما يزالون صغارا، فتولى والده مسؤولية تربيتهم وتعليمهم.

نشأ باسكال في كنف أسرة ميسورة ومثقفة، وكان والده إتيان باسكال قاضيا في محكمة الضرائب، متقنا للغتين اللاتينية واليونانية، ومهتما بالرياضيات والفلسفة الطبيعية، كما عُرف بصرامته واعتزازه الكبير بأبنائه. أما شقيقته جاكلين فأظهرت موهبة أدبية مبكرة، قبل أن تصبح لاحقا راهبة في دير بورت رويال.

انتقل الأب بعائلته إلى باريس عام 1631 سعيا لتوفير تعليم أفضل لابنه الذي أظهر نبوغا استثنائيا في سن مبكرة، إلا أن طفولة باسكال لم تخلُ من المعاناة، فقد لازمته أمراض وآلام متكررة طوال حياته.

تروي إحدى القصص العائلية أنه أصيب في عامه الأول بمرض غامض تسبب في انتفاخ بطنه ونوبات متواصلة من البكاء والصراخ، حتى ظن المحيطون به أنه على وشك الموت.

باسكال اشتهر بأفكاره الدينية والفلسفية وترك بصمته في تطور الفلسفة الوجودية (غيتي)
الدراسة والتكوين

تولى إتيان باسكال تعليم أبنائه بنفسه بعد انتقال الأسرة إلى باريس، وسرعان ما برزت موهبة بليز في الرياضيات والهندسة. ففي الثانية عشرة من عمره أبدى اهتماما كبيرا بعلم الهندسة، وتمكن من استيعاب مبادئه وخصائصه بسرعة لافتة.

إعلان

وعلى الرغم من أن والده كان يفضّل تأجيل دراسة ابنه الرياضيات، فإنه أدرك موهبته الاستثنائية، وأهداه نسخة من كتاب "العناصر" للعالم الإغريقي إقليدس.

وببلوغه الرابعة عشرة من عمره، كان يشارك في لقاءات أسبوعية تضم نخبة علماء الرياضيات الفرنسيين، وهي المجموعة التي أصبحت لاحقا نواة الأكاديمية الفرنسية للعلوم.

وفي سنّ السادسة عشرة، بدأ تطوير أفكاره ونظرياته الخاصة، ونشر عام 1640 رسالة بعنوان "مقالة في القطوع المخروطية"، مستندا إلى أعمال عالم الرياضيات الفرنسي جيرار ديزارغ، وهو إنجاز أثار إعجاب الأوساط العلمية في ذلك الوقت.

التجربة الروحية

في أواخر عام 1639، انتقلت أسرة بليز باسكال إلى مدينة روان بعد تعيين والده جابيا للضرائب في المنطقة. وهناك أتاح عمل الأب لابنه فرصة الاطلاع على التعقيدات الحسابية التي كانت تفرضها الإدارة الضريبية، وهو ما سيقوده لاحقا إلى أحد أبرز اختراعاته.

وفي يناير/كانون الثاني 1646، تعرّض والد باسكال لحادث أدى إلى كسر في ساقه وإصابات في وركه، فاستعانت الأسرة بشقيقين متخصصين في معالجة الكسور للإقامة في المنزل والإشراف على علاجه.

وكان الشقيقان من أتباع الحركة الجانسينية (Jansenism) المرتبطة بدير بورت رويال، والمتأثرة بأفكار القديس أوغسطين التي شددت على نعمة الله والزهد والتقشف والتوبة.

تأثر باسكال وأفراد أسرته بهذه الأفكار، وبدأ يقرأ مؤلفات أوغسطين واللاهوتيين الجانسينيين بشغف، ثم أخذ يدعو أسرته إلى اعتناق هذه الرؤية الدينية. ووصفت شقيقته غلبيرت هذه المرحلة بأنها "التحول الفكري الأول" في حياته، تمييزا لها عن التحول الروحي الأعمق الذي سيشهده عام 1654.

كتاب "الأفكار" لبليز باسكال (الجزيرة)
في عالم الاختراعات

ورغم هذا الانشغال الديني، لم يتراجع اهتمامه بالعلوم الطبيعية. ففي أثناء إقامته في روان، شرع عام 1642 في تصميم آلة حاسبة ميكانيكية لمساعدة والده في إنجاز الحسابات الضريبية، وبعد سنوات من التطوير توصل إلى آلة "باسكالين" التي تعدّ أول آلة حاسبة ميكانيكية عملية وفعالة في التاريخ.

واجه باسكال تحديات تقنية كبيرة بسبب النظام النقدي الفرنسي آنذاك، مما جعل العمليات الحسابية أكثر تعقيدا من الأنظمة العشرية الحديثة.

ومع ذلك نجح في تصميم آلة تعتمد على 8 أقراص متحركة مترابطة، قادرة على تنفيذ عمليتي الجمع والطرح آليا، في حين كانت عمليتا الضرب والقسمة تنجزان عبر تكرار عمليات الجمع والطرح.

وحصل عام 1649 على امتياز ملكي لتصنيع الآلة وتسويقها، غير أن مبيعاتها بقيت محدودة، فتوقف إنتاجها بعد نحو 10 سنوات. ولا تزال تسعة نماذج أصلية منها محفوظة حتى اليوم، شاهدة على قدراته الهندسية إلى جانب موهبته الرياضية.

وفي تلك المرحلة حاول أيضا تصميم آلة حركة دائمة، ويُنسب إليه تطوير فكرة عجلة الروليت بوصفها إحدى النتائج الجانبية لهذه التجارب.

الطرق إلى مبدأ باسكال

بعد عودته إلى باريس عام 1647، استأنف باسكال أبحاثه الفيزيائية، مركزا على مسألتي الفراغ والضغط الجوي اللتين كانتا محل جدل واسع بين العلماء في ذلك العصر.

واعتمد في أبحاثه على أعمال العالم الإيطالي غاليليو غاليلي والعالم إيفانجليستا توريتشيلي، مبتكر البارومتر الزئبقي، وأجرى سلسلة من التجارب لاختبار فرضية مفادها أن ضغط الهواء يتناقص كلما ارتفعنا عن سطح الأرض.

إعلان

وكانت أشهر هذه التجارب تلك التي أُجريت على جبل بوي دو دوم قرب كليرمون فيران، حيث قورنت قراءات الضغط الجوي بين سفح الجبل وقمته. وأظهرت النتائج انخفاض الضغط مع زيادة الارتفاع، مقدمة دليلا قويا على وجود الغلاف الجوي وعلى حقيقة الفراغ.

وأسهمت هذه الأبحاث في تمهيد الطريق لدراسات الموائع والهيدروستاتيكا، كما قادته إلى صياغة ما عُرف لاحقا باسم "مبدأ باسكال" القائم على انتقال الضغط في السائل المحصور بالتساوي في جميع الاتجاهات. واستنادا إلى هذا المبدأ ابتكر المكبس الهيدروليكي والحقنة الطبية، ورسخ مكانته بوصفه أحد أبرز العلماء التجريبيين في القرن السابع عشر.

إلى جانب أبحاثه الفيزيائية، واصل باسكال تطوير أفكاره الرياضية. وبعد وفاة والده عام 1651 تولى إدارة ممتلكات الأسرة، ثم تفرغ بصورة أكبر لأعماله العلمية، فأنشأ "المثلث الحسابي" المعروف اليوم باسم مثلث باسكال، وأسهم بالتعاون مع بيير دي فيرما في وضع الأسس الأولى لنظرية الاحتمالات.

وفي عام 1653 نشر كتابه "رسالة في توازن السوائل" الذي أسهم في تطوير علم الموائع.

كتاب "الرسائل الإقليمية" لبليز باسكال (الجزيرة)
أبرز مؤلفاته وأعماله

شهد عام 1654 نقطة تحول حاسمة في حياته بعدما نجا من حادث عربة كاد يودي بحياته. وأعقب ذلك خاض تجربة روحية عميقة عُرفت باسم "ليلة النار"، دفعته إلى تكريس جانب كبير من حياته للفلسفة والدفاع عن معتقداته الدينية. فانضم إلى دير بورت رويال، ووجه اهتمامه نحو الكتابة الدينية والفكرية.

وفي هذه المرحلة ألّف عددا من أبرز أعماله الدينية والفكرية في القرن السابع عشر، من أشهرها كتاب "الرسائل الإقليمية" (Les Provinciales) الذي انتقد فيه بعض ممارسات اليسوعيين ودافع عن أفكار الجانسينية، وتميز بأسلوبه الأدبي الحاد وتأثيره الواسع في الفكر الفرنسي.

كما شرع في إعداد مؤلف بعنوان "الدفاع عن الدين المسيحي" (Apologie de la religion chrétienne)، أراد من خلاله تقديم دفاع فلسفي عن المسيحية مستندا إلى تأملاته في المعجزات والأدلة الدينية، إلا أن المشروع ظل غير مكتمل بسبب وفاته، وجُمعت ملاحظاته وشذراته التي كتبها بين عامي 1657 و1658 ونُشرت لاحقا تحت عنوان "الأفكار" (Pensées) الذي يعد من أبرز أعمال الفكر المسيحي الحديث.

وفي هذا الكتاب يصور باسكال الإنسان، في غياب النعمة الإلهية، بوصفه كائنا يجمع بين العظمة والبؤس، عاجزا عن بلوغ الحقيقة والخير الأسمى رغم تطلعه إليهما. ويرى أن الدين قادر على تفسير هذا التناقض الإنساني، في حين تعجز الفلسفة والحياة الدنيوية عن ذلك.

ومن أشهر الأفكار الواردة في الكتاب ما عُرف لاحقا باسم "رهان باسكال" (Pascal’s Wager)، إذ يجادل بأن الإيمان بالله هو الخيار الأكثر عقلانية؛ لأن المؤمن لا يخسر شيئا إذا تبين عدم وجود الله، بينما يكسب الحياة الأبدية إذا ثبت وجوده.

وشدد باسكال على أن معرفة الله لا تتحقق إلا من خلال السيد المسيح، معتبرا أن الإنسان المحدود لا يستطيع إدراك اللامحدود إلا إذا بادر الله إلى الكشف عن ذاته للبشر. كما تناول تفسير النبوءات والرموز الواردة في الكتاب المقدس وفق المنهج الأوغسطيني، واستعرض النصوص الحاخامية، ودور النبي موسى، وصورة الكنيسة الأولى، والأدلة التي اعتبرها "مؤيدة لألوهية المسيح".

ولم يكن هدفه من هذا العمل مجرد إقناع الآخرين باعتناق المسيحية، بل السعي إلى بناء حياة روحية عميقة؛ لذلك نظر إلى "الأفكار" بوصفه عملا في الروحانية أكثر من كونه مناظرة فكرية. واعتمد في مخاطبة المثقفين والمتشككين على أفكار عدد من المفكرين الذين كانوا يحظون بتقديرهم.

ورغم وفاته المبكرة عام 1662، ترك باسكال إرثا علميا وفلسفيا استثنائيا، جمع فيه بين الرياضي المبدع والعالم التجريبي والمفكر الديني، ليظل أحد أبرز رموز الفكر الأوروبي في القرن السابع عشر.

الوفاة

عاد بليز باسكال في سنواته الأخيرة إلى بعض اهتماماته العلمية، فشارك في إعداد كتاب هندسي لصالح جماعة دير بورت رويال، كما شُجّع على نشر أبحاثه المتعلقة بالمنحنيات السيكلويدية التي كانت تحظى باهتمام واسع بين كبار الرياضيين في عصره.

إعلان

إلا أن حالته الصحية بدأت تتدهور بصورة متسارعة منذ عام 1659، فقد عانى من الحمى وآلام المعدة والصداع ونوبات الإغماء والتشنجات، مما دفعه إلى تقليص نشاطه العلمي تدريجيا. وفي تلك الفترة ازداد ميله إلى الزهد والتقشف، فتخلى عن كثير من مظاهر الراحة، وأدخل أسرة فقيرة إلى منزله لتقيم معه، وكرّس جزءا كبيرا من وقته وأمواله لمساعدة المحتاجين.

ورغم اشتداد المرض عليه، أسهم عام 1662 في إنشاء نظام عربات للنقل الجماعي داخل باريس، يعده بعض المؤرخين أول نظام نقل عام منتظم في المدينة. كما واصل -بقدر محدود- مشاركته في الجدل الديني المرتبط بالحركة الجانسينية، قبل أن يبتعد عن تلك الخلافات مع محافظته على علاقاته بأصدقائه في بورت رويال.

وفي يوم 19 أغسطس/آب 1662 توفي باسكال في باريس عن عمر ناهز 39 عاما، ورجّحت المصادر التاريخية أن وفاته نتجت عن التهاب سحائي سرطاني مرتبط بقرحة خبيثة في المعدة، كما أظهر التشريح الذي أجري بعد وفاته إصابته بسرطان المعدة وأمراض أخرى في الكبد والدماغ، وهو ما يفسر جانبا من المتاعب الصحية التي لازمته طوال حياته.



إقرأ المزيد