الجزيرة.نت - 6/18/2026 5:49:31 PM - GMT (+3 )
تابعت الصين قمة مجموعة السبع في إيفيان بوصفها اختبارا جديدا لقدرة "النادي الغربي" على القيادة في ظل التطورات الأمنية والاقتصادية لنظام دولي متغير بسرعة فائقة.
ووجدت قراءات الصحف الصينية أن القمة كشفت أكثر مما أخفت، من انقسام داخلي عميق، إلى محاولة توحيد الصف عبر التصعيد لبكين، في وقت يشهد تراجعا نسبيا في مكانة الغرب وتقدما ملحوظا لقوى دول الجنوب.
أبرز ما يلفت الانتباه في القراءة الصينية هو التركيز على فشل القمة للعام الثاني على التوالي في إصدار بيان مشترك شامل، والاكتفاء بتسع وثائق مجزأة لكل ملف على حدة، كالجغرافيا السياسية والنمو الاقتصادي والصحة العامة.
وأوضحت وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) أن هذا الخيار لم يكن صدفة، بل هو قرار مسبق لتجنب تعرية الخلافات بين الولايات المتحدة وحلفائها، من خلال تقسيم الملفات بدل مواجهة الانقسام حولها في نص واحد.
ووصفت صحيفة الشعب -الناطقة بلسان حال الحزب الشيوعي الصيني– هذا الاجتماع بأنه مرشح لأن يكون "قمة الحد الأدنى من القواسم المشتركة"، حيث اجتمع القادة لكن القلوب لم تجتمع.
وحتى جدول الأعمال الذي اشتمل على قضايا مثل أوكرانيا والشرق الأوسط والتوازن الاقتصادي والذكاء الاصطناعي، رأى فيه الإعلام الصيني حزمة قضايا لا تمتلك مجموعة السبع رؤية موحدة حولها.
قيادة أمريكية مرتبكةمجموعة السبع لم تعد قادرة على تمثيل المشهد الجيوسياسي العالمي، لا سيما باستبعاد ملف المناخ من جدول الأعمال نزولا عند رغبة واشنطن
ورأت صحيفة تشاينا ديلي أن المشهد الأوضح على ارتباك القيادة الأمريكية كان التهديد الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بفرض رسوم 100% على بعض المنتجات الفرنسية إن لم تتراجع باريس عن ضريبة الخدمات الرقمية على شركات التكنولوجيا الأمريكية.
إعلان
وقد رد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالدعوة إلى حوار "حازم ومحترم"، محذرا من أن الحروب التجارية لا تفيد أحدا، بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها.
ونقلت الصحيفة عن مدير مركز العلاقات الصينية الأوروبية بجامعة فودان جيان غوين بوو أن "الرسوم عبر الأطلسي كانت تاريخيا في حدود 1 إلى 2% على معظم المنتجات الصناعية، لكن الأطر الجديدة قد ترفع رسوما على جزء كبير من الصادرات الأوروبية إلى نحو 15%، وهو ما يعتبره تغييرا يهدد بتشويه بنية التجارة العالمية كاملة وليس العلاقات الأمريكية الأوروبية فقط".
كما شملت الخلافات مسائل أعمق من التجارة، ما بين تهديد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى خطط سحب قوات أمريكية من أوروبا، مرورا بالخلاف على أسلوب التعامل مع روسيا وإيران، وهو ما يضعف قدرة الغرب على التصرف ككتلة منسجمة، وبالتالي يقلل من فعالية مجموعة السبع نفسها.
صياغة الغرب للأزمةوصفت التقارير الصينية اختيار فرنسا لموضوع "عدم توازن الاقتصاد العالمي" كعنوان مركزي بأنه لم يكن اختيارا عابرا، بل غطاءً لمحاولة تحويل الصين إلى "هدف خارجي" يرمم وحدة ممزقة من الداخل.
وذكّرت صحيفة الشعب بأن تقارير أوروبية سبقت القمة راهنت على جعل "انتقاد الصين" واحدا من محاور الإجماع القليلة، تحت عناوين تشمل "عدم التوازن التجاري" و"فرط الطاقة الإنتاجية" و"التحالف حول المعادن النادرة" و"تقليل المخاطر".
وردّت الصحيفة بأن التجارة الدولية اختيار متبادل، وأن شعار تقليل المخاطر أو تقليل الاعتماد ليس سوى تعبير جديد عن الحمائية التي تضر بمستهلكي تلك الدول وترفع كلفة الإنتاج وتضعف القدرة التنافسية طويلة الأمد للصناعات الغربية ذاتها.
ومن زاوية أوسع، رأت الصحيفة أن ما تسميه مجموعة السبع "اختلالا" هو في الواقع عملية "إعادة توازن" مستمرة منذ نصف قرن، مع تراجع التفوق النسبي للدول الصناعية التقليدية وصعود واسع للجنوب العالمي.
تآكل احتكار التمثيلوأشارت صحيفة الشعب إلى بيانات تفيد بأن مساهمة دول الجنوب العالمي في نمو الاقتصاد العالمي قفزت من أقل من 40% في ثمانينيات القرن الماضي إلى نحو 80% في السنوات الأخيرة.
ورأت أن مجموعة السبع -من هذا المنظور- لم تعد قادرة على تمثيل المشهد الجيوسياسي العالمي، خصوصا في ظل استبعاد ملف المناخ من جدول الأعمال نزولا عند رغبة واشنطن.
وقد نقلت صحيفة تشاينا ديلي عن تقارير غربية باعتبارها شاهدا من داخل البيت، ووصفت المجموعة بأنها "متقادمة دون أدنى شك" ولا تعكس واقع الاقتصاد العالمي، على الرغم من عدم ظهور بديل عملي حتى الآن.
بهذا المعنى، فإن استمرار انعقاد هذه القمم لم يعد بحكم الرتابة والجمود تعبيرا عن قدرة فعلية على ضبط النظام الدولي أو قيادة جدول أعماله.
الصين مركز الاتهامالأكاديمي دا جي قانغ:
طوكيو تستغل منصة مجموعة السبع للحصول على "تفويض غربي" لعملية إعادة تسلحها
وتناولت التقارير الصحفية الصينية مسألة "التقليل من الاعتماد" على الصين بوصفها تفكيكا عمليا وقسريا لنظام توزيع العمل العالمي، من دون توفير بدائل واقعية للطلب على السلع الرخيصة والتقنية الوسيطة التي يعتمد عليها جزء كبير من الصناعة الغربية.
إعلان
ويُقرأ خطاب مجموعة السبع بالنسبة لصانعي الرأي في بكين على أنه "هروب إلى الأمام"، وبدلا من معالجة أزمات الإنتاجية والاستثمار والديون في الغرب، يتم إنتاج سرديات عن "تهديد صيني" لتبرير سياسات حمائية جديدة وتحويل الرأي العام بعيدا عن جذور الأزمة الداخلية.
اليابان تستغل المجموعةجانب آخر حظي بمساحة واسعة في التحليل الصيني وهو الدور الياباني، ففي مقال بصحيفة هوان تشيو حذّر الأكاديمي دا جي قانغ من أن طوكيو تستغل منصة مجموعة السبع للحصول على "تفويض غربي" لعملية إعادة تسلحها.
وأشار الأكاديمي إلى محاولة رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي تقديم نفسها في الإعلام الغربي على أنها "السيدة الحديدية" الجديدة، ملوحة بمشاريع تخزين مشترك للمعادن النادرة ضمن إطار المجموعة بذريعة مواجهة "الإكراه الاقتصادي".
ويرى قانغ -وهو باحث في معهد شمال شرق آسيا لأكاديمية العلوم الاجتماعية- أن طوكيو تسعى لتقديم نفسها كنقطة ارتكاز لإستراتيجية الغرب في المحيطين الهندي والهادئ، وربط أوروبا بالولايات المتحدة عسكريا عبر تعاون دفاعي وصناعي واستخباراتي أوسع.
ولكن أخطر ما في ذلك -حسب قانغ- هو أن هذا المسار يقوض تدريجيا القيود "الدفاعية البحتة" لدستور اليابان السلمي، ويضع الأسس لتدخل عسكري مستقبلي في الشؤون الإقليمية كجزء من "سردية أمنية جماعية" لمجموعة السبع.
سباق تسلح وانقسام اقتصاديدعوة دول للمشاركة في جلسات محددة إجراء شكلي لم يغير جوهر القمة التي ظلت تدور حول كيفية إدارة التناقضات داخل الغرب نفسه
ونبهت الصحيفة إلى أن تعميق التشابك بين اليابان وباقي دول المجموعة سيرفع من احتمالات المغامرة في ملفات شديدة الحساسية مثل تايوان، ويدفع نحو تكريس وجود عسكري أوروبي مستدام في منطقة آسيا والهادئ، مما يقلص من هوامش التسوية في شمال شرق آسيا ويغذي سباق تسلح إقليمي.
أما من ناحية اقتصادية، فانتقدت الصحيفة الدعوات اليابانية لتشكيل تحالفات احتياطية حصرية للمعادن النادرة والمواد الخام الحيوية بقيادة مجموعة السبع، باعتبارها محاولة لدفع رؤوس الأموال بعيدا عن الاقتصاد الحقيقي، الأمر الذي يهدد تعافي الاقتصاد العالمي ويضرب آليات التعاون التجاري متعدد الأطراف.
ورغم محاولة باريس توسيع التمثيل عبر دعوة دول كالهند والبرازيل وكينيا وكوريا الجنوبية للمشاركة في جلسات محددة، فقد خلصت تقارير الصحافة الصينية إلى أن "فتح الأبواب" شكليا لم يغير جوهر القمة التي ظلت تدور حول كيفية إدارة التناقضات داخل الغرب، وليس بين الغرب والعالم.
في ضوء هذه الصورة، ترى القراءات الصينية للقمة أن مجموعة السبع لم تعد منصة لتنسيق شؤون الغرب مع باقي دول العالم، بل آلية لتوليف التناقضات الغربية، والإبقاء على الصين والجنوب العالمي في موقع المتهم وليس الشريك، وهو ما تعتقد بكين أنه وصفة معدة لمزيد من التوتر، تتناقض مع ضرورات الإدارة المسؤولة لتحولات النظام الدولي.
إقرأ المزيد


