من يوتيوب إلى هوليود.. كيف حول "هوس" أمنية واحدة إلى كابوس بـ280 مليون دولار؟
الجزيرة.نت -

كيف يمكن لفيلم رعب مستقل لا تتجاوز ميزانيته مليون دولار أن يتحول إلى ظاهرة عالمية بعد أن تخطت إيراداته 280 مليون دولار؟

هذا السؤال وحده كان كافيا لدفع كثيرين إلى مشاهدة فيلم "هوس" (Obsession)، الذي انتقل به المخرج الشاب كاري باركر من عالم صناعة المحتوى الرقمي إلى واجهة السينما الأمريكية. وبمشاركة مايكل جونستون وإندي نافاريت في دوري البطولة، حقق الفيلم نجاحا تجاريا استثنائيا، وكرس نفسه كأحد أكثر أفلام الرعب مشاهدة في عام 2026.

أخطر الوحوش هي الأمنيات التي تتحقق

منذ نشر قصة "مخلب القرد" للكاتب وليم ويمارك جاكوبس في مطلع القرن العشرين، لم يتوقف الأدب والسينما عن العودة إلى الفكرة نفسها: ماذا لو تحققت أمنياتنا حرفيا؟ وماذا لو كان الخطر الحقيقي لا يكمن في قوى خارقة، بل في رغباتنا نحن؟

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

يعيد "هوس" إحياء هذه الفكرة الكلاسيكية بلغة تناسب عصر تطبيقات المواعدة، والعلاقات المعقدة بين أبناء الجيل زد، والقلق العاطفي المعاصر.

يبدأ الفيلم بالشاب بير (مايكل جونستون) الذي يحمل مشاعر تجاه صديقته وزميلته في العمل نيكي (إندي نافاريت)، لكنه يعجز عن التعبير عنها مباشرة. وحين يعثر على لعبة سحرية تسمى "صفصافة الأمنية الواحدة" (One Wish Willow)، تمنح صاحبها أمنية واحدة، يقرر استخدامها لتحقيق حلم يبدو بسيطا: أن تحبه نيكي أكثر من أي شخص آخر في العالم.

تتحقق الأمنية فعلا، لكن كما في حكايات "احذر مما تتمنى"، يتحول الحب إلى هوس خانق، وارتباط عاطفي متملك يتجاوز الحدود الطبيعية بين البشر. وكلما حاول بير التراجع وإصلاح ما فعله، اتضح أن الكارثة منذ البداية كانت في الرغبة نفسها وراء هذه الأمنية.

ما يضيفه "هوس" إلى الفكرة الكلاسيكية هو نقله الرعب من المجال المادي إلى النفسي والعاطفي. فالفيلم لا يتوقف عند عواقب الأمنية السحرية، بل يطرح أسئلة حول حرية الاختيار، والاستحقاق العاطفي، والحد الفاصل بين الحب والامتلاك، ويوظف علاقة بير ونيكي لتفكيك الثقافة الرومانسية المعاصرة.

من الضحية الحقيقية؟

إحدى أكثر نقاط الفيلم إثارة للنقاش هي تردده في حسم سؤال بسيط: من الضحية الحقيقية؟

إعلان

ظاهريا تبدو نيكي الطرف الأكثر تعرضا للأذى، إذ تفقد حريتها وقدرتها على الاختيار بعدما تصبح موضوعا لأمنية بير. لكن الفيلم لا يعرض معاناتها وحدها، بل يمنح مساحة واسعة لبير نفسه: الشاب الذي يدفعه الخوف من الرفض إلى تجنب الاعتراف بمشاعره منذ البداية، حتى عندما تسأله نيكي مباشرة عما يشعر به.

بهذا يوسع "هوس" نطاق الرعب من الحكاية الخارقة إلى بنية علاقات الحب ذاتها، وإلى الرغبة في ضمانات مسبقة بدلا من خوض المخاطرة الطبيعية في أي علاقة إنسانية، حيث الاعتراف بالمشاعر يتضمن دائما احتمالية عدم مبادلتها.

يدين الفيلم بوضوح فكرة "الاستحقاق العاطفي" والاعتقاد بأن الحب حق يمكن انتزاعه، لكنه في الوقت نفسه يمنح بير قدرا ملحوظا من التعاطف مقارنة بنيكي، لأن الأحداث تُروى في معظمها من منظوره هو.

وبينما يؤكد كاري باركر وأبطال الفيلم في مقابلاتهم الصحفية أن العمل يقف إلى جانب نيكي بوصفها الضحية الأساسية، فإن هذه النية لا تظهر بالدرجة نفسها على الشاشة؛ إذ يبدو الفيلم مهتما باستكشاف مأزق بير والكوميديا والرعب الناتجين عنه، بقدر اهتمامه -وربما أكثر- بما تتعرض له نيكي. وهو ما يجعل الحدود بين الجاني والضحية ضبابية قليلا.

من يوتيوب إلى هوليود.. قوة الرعب منخفض التكلفة

يعد "هوس" من أقوى مفاجآت العام بسبب الأرقام التي حققها مقابل ميزانيته التي تقل عن مليون دولار، في معادلة تعيد إلى الأذهان تجارب شهيرة مثل "نشاط خارق" (Paranormal Activity) عام 2007، و"مشروع الساحرة بلير" (The Blair Witch Project) عام 1999، اللذين تحولا بدورهما من مشاريع صغيرة إلى ظواهر جماهيرية.

هذا النجاح يعيد التذكير بحقيقة تتكرر في السنوات الأخيرة: بينما تنفق الاستوديوهات الكبرى مئات الملايين على سلاسل أفلام ضخمة، ما زالت بعض أكبر المفاجآت التجارية تأتي من أفكار أصلية منخفضة التكلفة. والرعب تحديدا هو النوع السينمائي الأكثر قدرة على تحقيق هذه المعادلة، لأنه يعتمد في الأساس على الفكرة والتوتر النفسي أكثر من اعتماده على المؤثرات البصرية والنجوم والميزانيات الهائلة، لذلك يبقى الرعب واحدا من آخر الملاذات المتاحة للأفكار الجديدة في هوليود.

يرتبط هذا الجانب أيضا بمسار صانع الفيلم نفسه؛ فالمخرج كاري باركر لم يأت من دراسة سينمائية تقليدية أو من داخل منظومة الاستوديوهات، بل من عالم صناعة المحتوى على يوتيوب. وعلى غرار عدد متزايد من صناع المحتوى الذين يحاولون الانتقال إلى السينما، استفاد باركر من سنوات التجريب المباشر وفهم الجمهور وبناء مجتمع من المتابعين حول أعماله، لكن نجاح "هوس" يشير إلى قدرته على تجاوز صورة "يوتيوبر في السينما" وتطوير لغة سينمائية أكثر نضجا.

بهذا يمثل الفيلم جزءا من تحول أوسع في طرق اكتشاف المواهب، حيث تؤدي المنصات الرقمية دورا متزايد الأهمية في تقديم جيل جديد من المخرجين بعيدا عن المسارات التقليدية.

من الوحوش إلى "الرجل اللطيف".. وجه جديد للرعب

يقدم "هوس" مفتاحا لفهم سبب بقاء الرعب أحد أكثر الأنواع السينمائية قدرة على عبور الحدود والثقافات. فالرعب يعيش لأنه يتغذى على مشاعر إنسانية بدائية ومستقرة، في مقدمتها الخوف: الخوف من فقدان السيطرة، ومن الآخر، ومن الرغبات التي تنقلب على أصحابها.

إعلان

أهمية الفيلم أنه لا يقدم هذا الخوف في صورة كائن خارق للطبيعة، بل يعثر عليه داخل شخصية مألوفة للغاية، ويضع في مركز الحكاية صورة "الرجل اللطيف" الذي يبدو مهذبا وودودا، لكنه يحمل داخله شعورا خفيا بالاستحقاق العاطفي، وكأن لطفه يمنحه حقا خاصا في حب الطرف الآخر، دون أن يواجه احتمال الرفض.

بير في "هوس" ليس شريرا بالمعنى التقليدي، بل شاب خائف وغير واثق من نفسه، يكشف الفيلم تدريجيا كيف يمكن لهذا الخوف أن يتحول إلى هوس، ثم إلى عبء يُلقى بالكامل على البطلة بعد إصابتها باللعنة. هكذا يرصد العمل نموذج "الرجل اللطيف" بوصفه أيقونة رعب معاصرة: وجها مبتسما يخفي خلفه رغبة عميقة في الامتلاك، وأمنية واحدة كانت كافية لتحويل الحب إلى كابوس.



إقرأ المزيد