ما وراء الخوارزمية.. كيف تكسب غرف الأخبار جمهور الشباب؟
الجزيرة.نت -

Published On 18/6/2026

في وقت تتسابق فيه المؤسسات الإعلامية خلف تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، بحثا عن وصفة سريعة لاستعادة جمهور الشباب، يطرح تقرير حديث نشره موقع الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار "وان-إفرا" (WAN-IFRA) مقاربة مختلفة؛ فالمشكلة ليست في أن الشباب لا يهتمون بالأخبار، بل في أن كثيرا من غرف الأخبار لا تفهم كيف يريدون تلقيها، ولا ما القيمة التي ينتظرونها من الصحافة.

التقرير، الذي أعدته الباحثتان ألكسندرا بورشاردت (Alexandra Borchardt) ويانا كوخ (Jana Koch)، استند إلى مشروع بحثي بتكليف من مجموعة "فينر تسايتونغ" (Wiener Zeitung) الإعلامية النمساوية، شمل 58 مقابلة معمقة مع شباب وقادة إعلاميين في النمسا، إضافة إلى أكثر من 12 خبيرا دوليا، كما قورنت نتائجه بأبحاث حديثة لمعهد رويترز ومشروع "نكست جين نيوز" (Next Gen News).

بعض الشباب يثقون بالعلامات الإعلامية أكثر من الشخصيات الفردية (مولدة بالذكاء الاصطناعي/الجزيرة)

وتبدأ الدراسة بتفكيك افتراضات شائعة داخل أروقة صناعة الإعلام، من بينها أن الشباب لا يستهلكون إلا الفيديوهات القصيرة، ولا يثقون إلا بصناع المحتوى، ولا يرغبون في الدفع مقابل الأخبار، ولا يهتمون بالسياسة.

غير أن النتائج تكشف صورة أكثر تعقيدا؛ فبعض الشباب يثقون بالعلامات الإعلامية أكثر من الشخصيات الفردية، ويتابعون الأخبار بجدية، بل يملكون قدرة عالية على التركيز عندما يجدون محتوى يهمهم، حتى لو كان نصيا.

تؤكد الباحثتان أن الحديث عن "الجمهور الشاب" بوصفه كتلة واحدة خطأ تحريري وتسويقي، فالعادات والتوقعات تختلف بين الأجيال وداخل الجيل الواحد.

وهنا لم تعد معادلة "مقاس واحد يناسب الجميع" صالحة، وعلى المؤسسات الإعلامية أن تحدد أي مجتمع تريد خدمته، وعلى أي منصة، وبأي لغة ورموز.

يرى التقرير أن الشباب يعيشون وسط فائض هائل من المحتوى ولذلك لا يبحثون عن مزيد من الأخبار فقط (شترستوك)

وتشير المقابلات إلى أن الشباب مهتمون بالسياسة والاقتصاد والشؤون الدولية، لكنهم لا ينجذبون إلى المعالجات التقليدية الثقيلة أو الوعظية. بل هم يريدون زاوية قريبة من حياتهم، وسردا يشرح ولا يتعالى.

إعلان

لذلك، لا يكفي تحويل كل مادة إلى فيديو قصير، أو تغليف كل خبر بالكوميديا، فالبودكاست الطويل، والفيديو الوثائقي، والرسائل العاجلة، والألعاب، ومنشورات المنصات، كلها صيغ مختلفة تخدم احتياجات مختلفة.

ويرى التقرير أن الشباب يعيشون وسط فائض هائل من المحتوى، ولذلك لا يبحثون عن مزيد من الأخبار فقط، بل عن قيمة مضافة: شرح، سياق، حلول، منظور جديد، أو تجربة صحفية تشعرهم بأن المادة تمس واقعهم.

وينقل التقرير عن ماركو كروزه، المدير الإداري لمبادرة الشباب في "إيبن ميديا" (Ippen Media) وهي واحدة من أكبر الشبكات الإعلامية المخصصة للصحافة المحلية والإقليمية في ألمانيا، قوله إن الشاب لا يريد أن يسمع طوال اليوم عن مشكلات الحاضر، بل يريد أن يعرف كيف يبدو مستقبله وما الحلول الممكنة.

البودكاست الطويل والفيديو الوثائقي والألعاب ومنشورات المنصات كلها صيغ مختلفة تخدم احتياجات مختلفة (بيكسلز)

ومن هنا، توصي الدراسة بأن تفعل المؤسسات الإعلامية أشياء أقل ولكن بصورة أفضل، خصوصا في عصر الذكاء الاصطناعي الذي يضع صحافة النسخ واللصق أمام اختبار وجودي، فالرهان لم يعد على كثافة الإنتاج، بل على جودة المنتج وفرادته وقدرته على تفسير العالم.

وتحذر الدراسة من فخ ملاحقة لغة الشباب أو تقليد أساليب المؤثرين، فالصحافة، بحسب التقرير، لديها ما تقدمه مثل الاستقلالية والتحقق والدقة والقدرة على بناء سرد قائم على الوقائع. لذلك، فإن محاولة الظهور بمظهر "اللطيف" أو "الرائج" قد تأتي بنتائج عكسية إذا افتقدت الأصالة.

وينقل التقرير عن بيير كولييه، قائد برنامج "تبادل صناع الأخبار" في الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار، قوله: "لا تحاولوا أن تبدوا رائعين، لأن هذا ليس دوركم"، فالجمهور يأتي إلى العلامات الإعلامية تحديدا؛ بحثا عما لا يجده في أماكن أخرى وأهمها الثقة والمهنية والشرح المسؤول.

ويناقش التقرير أيضا صعود صناع المحتوى، ويشير إلى أن الثقة بالأفراد لا تعني نهاية العلامات الإعلامية، ففي النمسا وألمانيا، أظهرت الدراسة أن كثيرا من الشباب ما زالوا يثقون بالمؤسسات الإعلامية الكبرى، لكنهم في الوقت نفسه ينجذبون إلى وجوه تملك خبرة واضحة وأسلوبا أصيلا.

تدعو الدراسة غرف الأخبار إلى جعل التنوع مرئيا لا كشعار بل كممارسة تحريرية

لذلك، تقترح الدراسة أن تبني المؤسسات الإعلامية علامات شخصية داخل إطارها، من دون الارتهان الكامل لفرد واحد؛ فالوجوه تمنح المؤسسة قربا وحيوية، لكنها يجب أن تظل جزءا من الثقة الأشمل بالعلامة، وهذا مهم أكثر في زمن المحتوى المولد آليا، حيث أصبح الشباب أكثر حساسية تجاه ما هو حقيقي وما هو مصطنع.

وتدعو الدراسة غرف الأخبار إلى جعل التنوع مرئيا، لا كشعار بل كممارسة تحريرية، فالشباب يريدون رؤية خلفيات وتجارب وقصص حياة مختلفة في الإعلام، كما أنهم يتحسسون من نبرة التعالي واللغة المعقدة والسخرية الفوقية التي اعتاد بعض الصحفيين اعتبارها دليلا على الجودة.

وترى الدراسة أنه لا يكفي أن تتحدث المؤسسات عن الشباب؛ بل عليها أن تتحدث معهم وأن تمنحهم مساحة للمشاركة، كما أن بناء العلاقة لا يحدث عبر المحتوى الرقمي وحده، بل عبر الحضور في المدارس والجامعات والنوادي والفعاليات، فالورش والجولات والمهرجانات قد تصنع قربا لا تحققه مشاهدة عابرة لعشر ثوان.

ترى الدراسة ضرورة وجود قيادة صحفية تسمح بالتجريب وتمنح الصحفيين الشباب موقعا حقيقيا في القرار (شترستوك)

وتخلص الدراسة إلى أن نماذج الاشتراك التقليدية لا تكفي لجذب الشباب، فهم قد يدفعون مقابل الأخبار، لكن فقط عندما يشعرون بقيمة ملموسة كتجربة، هوية، انتماء، أو خدمة مصممة فعلا لهم، أما الاكتفاء باشتراك طلابي مخفض فليس ابتكارا.

إعلان

وفي النهاية، ترى الباحثتان أن صناعة الإعلام لا تخسر جمهور الشباب بسبب نقص الأفكار، بل بسبب نقص الشجاعة؛ والمطلوب قيادة تسمح بالتجريب، وتقبل الفشل، وتمنح الصحفيين الشباب موقعا حقيقيا في القرار، وتنقل الموارد من الصيغ المتراجعة إلى المساحات النامية، فالمعركة ليست مع الخوارزمية وحدها، بل مع عقلية إعلامية قديمة لم تعد تفهم الجيل الذي تحاول الوصول إليه.



إقرأ المزيد