الجزيرة.نت - 6/18/2026 4:12:37 PM - GMT (+3 )
تقرر أن تجرى الانتخابات البرلمانية في روسيا يوم 20 سبتمبر/أيلول المقبل، وسط منافسة حادة، يتوقع المراقبون أن تكون المعركة الرئيسية فيها بين الحزب الشيوعي وحزب روسيا الموحدة الحاكم.
واعتبر الكاتب سيرغي أكسيونوف -في مقال رأي على موقع "سفوبودنيا بريسا"- أن هذه ستكون المرة الأولى في تاريخ روسيا الحديث التي يكون فيها التوازن الحزبي الحقيقي واضحا للجمهور.
ولفت الكاتب إلى أن وسائل الإعلام لاحظت في مناطق مختلفة من البلاد هذا الأمر بشكل خاص، حيث فرض الشيوعيون من خلال حملة انتخابية مكثفة، منافسة شرسة على الحزب الحاكم.
وأورد الكاتب تعليقا لقناة متخصصة على تطبيق تيليغرام، أعربت فيه عن قلقها من أن "هذا الجهد الانتخابي غير المتناسب، إلى جانب سلبية مرشحي حزب روسيا الموحدة، ينذر بخطر كبير يتمثل في استقطاب الشيوعيين لعدد كبير من أصوات المحتجين في انتخابات مجلس الدوما المقبلة".
ومن هذه المناطق مقاطعة سفيردلوفسك في إقليم الأورال، حيث يؤكد الكاتب أنه لا يوجد سوى حزب روسيا الموحدة باعتباره "حزب السلطة"، في حين يمثل الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية "حزب الاحتجاج".
وأشار الكاتب إلى أن شعبية الحزب الشيوعي تتقدم هناك، مما يضغط على حزب روسيا الموحدة الذي يتراجع ويخسر أنصاره، وهو وضع لا يقتصر على الأورال، بل يمتد أيضا إلى المستوى الفيدرالي.
ويتابع الكاتب قائلا إن بقية الأحزاب يبدو وكأنها تركز على الحفاظ على وجودها في البرلمان وإطالة أمد وجودها السياسي فقط.
ويكمن الفرق بين المعارضة "الحمراء" وأحزاب الحلفاء التابعة للحزب الحاكم -حسب الكاتب- في الرؤية المستقبلية التي يقدمونها للبلاد، إذ تفتقر تلك الأحزاب عمليا إلى رؤية شاملة وموحدة، ويبدو أن هدفها هو مقايضة الموارد السياسية، كتبادل الأصوات مقابل خدمات تافهة لمسؤولي الحزب، على حد وصف الكاتب.
إعلان
ويقول أكسيونوف إن من يصفه "بعبقري السياسة العامة"، الزعيم الراحل للحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، فلاديمير جيرينوفسكي هو من أرسى هذا التقليد، إذ اشتهر "بتجواله في أروقة مجلس الدوما" سعيا للحصول على المكاسب المادية.
ويضيف الكاتب أن جيرينوفسكي رحل، لكن يبدو أن أسلوبه لا يزال يلقي بظلاله على حلفائه، إذ برز اسم الحزب الليبرالي الديمقراطي لأول مرة في انتخابات عام 1993، ولم يبدأ في استغلال نفوذه السياسي إلا بعد ذلك، ثم بدت حركة "الشعب الجديد" في البداية وكأنها هيكل تابع تم تجميعه من الصفر لإعادة إحياء "اتحاد القوى اليمينية".
أما حركة "روسيا العادلة"، فرغم كونها قوة يسارية رسميا، تدعم أحيانا مبادرات الحزب الشيوعي المؤيدة للشعب، فإنها تحمل صدمة نشأة مصطنعة، نابعة من موافقة رئيس الدولة وتأييده لها، لأن زعيمها من معارف الرئيس فلاديمير بوتين القدامى، ولذلك تساءل الكاتب هل يمكن اعتبارها معارضة حقيقية؟
ولا يستغرب أكسيونوف أن تطلق هذه القوى مبادرات غريبة، بل وعبثية في كثير من الأحيان، سعيا منها لجذب الانتباه، مثل حظر رشاشات الملح والسكر في المقاهي، وفرض معيار للشاورما، والتأمين الإلزامي على الدراجات النارية، وإلغاء الواجبات المدرسية، وما إلى ذلك.
أما الحزب الشيوعي، فيقدم للناخبين -حسب الكاتب- رؤية شاملة للمستقبل قائمة على اشتراكية مجددة، والأهم من ذلك، أنه لا يتردد في الحديث عنها، على عكس الأحزاب الأخرى التي تسعى فقط إلى تلطيف الواقع الرأسمالي القاسي، وتخفيف حدته وإزالة التهديدات التي تحدق بالمستفيدين من النظام الأوليغاركي.
برنامج شعبيوتقدم الرؤية الاشتراكية للمستقبل -حسب الكاتب- في الانتخابات على شكل "برنامج النصر"، الذي يروج له الحزب الشيوعي في كل مكان، والكلمة المفتاحية في البرنامج هي "العدالة".
ويوضح الكاتب أن البرنامج يرتكز على ثلاثة محاور، أولها من حيث الأهمية في الوقت الراهن، هو إنترنت غير خاضع للرقابة، وهو وعد يحق للحزب الشيوعي الروسي تقديمه دون غيره من الأحزاب، إذ كان الشيوعيون هم من صاغوا مشروع قانون ضمانات الدولة للحقوق الرقمية للمواطنين وقدموه إلى مجلس الدوما.
أما المحور الثاني والأهم فهو الضمان الاجتماعي، الذي يتطلب تحولا جذريا في آلية عمل قطاعي الرعاية الصحية والتعليم، من مجرد تقديم أو بيع "الخدمات" إلى تنمية بشرية هادفة.
أظهرت دراسة أجرتها الأكاديمية الروسية للعلوم أن 44% من الروس يرغبون في العيش في ظل الاشتراكية، في حين لا تتجاوز نسبة من يرغبون في العيش في ظل الرأسمالية 14%
كما أن بناء مدن جديدة سيساهم في خلق فرص عمل، فضلا عن أن إلغاء إصلاح نظام التقاعد سيضمن شيخوخة كريمة، وسيساعد في تحسين التركيبة السكانية.
أما الركيزة الثالثة، المصممة لتوفير التمويل للبرامج الاجتماعية، فهي إعادة هيكلة الاقتصاد وفقا للمبادئ الاشتراكية، بما في ذلك تأميم الصناعات الإستراتيجية وإنشاء قطاع عام قوي، وإصلاح النظام الضريبي مع مصادرة الفوائض من الأثرياء، وإنشاء قطاع مالي قائم على خدمة الاقتصاد، لا خدمة المصرفيين.
إعلان
كما أن الحزب الشيوعي يؤكد على التنمية السلمية للبلاد، ويقول إن الجيش القوي ضروري، وهو مُكرّس في "برنامج النصر" كبند أساسي، لكن يجب وضع خطة علنية لإنهاء الحرب مع أوكرانيا.
انعطاف نحو اليساريرى الكاتب أن للشيوعيين الحق الأخلاقي في مناقشة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، لأن لديهم أكثر من 100 قتيل على الجبهات و150 قافلة مساعدات إنسانية إلى دونباس منذ عام 2014، مما يضفي مصداقية على كلام الحزب.
وذكر الكاتب بأن النازية الألمانية هُزمت بقيادة البلاشفة، وأن لينين حوّل أوكرانيا إلى منطقة "حمراء" في ستة أشهر فقط، مؤكدا أن مزاج الناس لا يتغير فحسب، بل تحوّل بالفعل، وبات الانعطاف نحو اليسار أمرا لا مفر منه.
وأشار الكاتب إلى أن دراسة أجرتها الأكاديمية الروسية للعلوم أظهرت أن 44% من الروس يرغبون في العيش في ظل الاشتراكية، في حين لا تتجاوز نسبة من يرغبون في العيش في ظل الرأسمالية 14%.
ونبه أكسيونوف إلى أن وزارة التنمية الرقمية تُدبّر "فوضى رقمية" أخرى ستؤثر سلبا على الجميع ماليا وسترتفع أسعار خدمات الاتصالات بنسبة تصل إلى 50%، في حين أن الحزب الوحيد الذي أعلن صراحة عن معارضته لهذا التوجه هو الحزب الشيوعي، من بين الأحزاب الخمسة المدرجة في ورقة الاقتراع، لذا سيحصد حتما أغلبية الأصوات، لكن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنع حدوث مثل هذه النتيجة هو التلاعب.
ووفقا للكاتب، فإن التكتيكات التي يستخدمها المسؤولون بين الانتخابات، كالتشهير الإعلامي، وأثناء الحملة الانتخابية، كالتمويل غير المتكافئ، وتقييد وصول وسائل الإعلام إلى الناخبين، والأحزاب المشككة، وأثناء عملية التصويت وفرز الأصوات، هي خطة ماكرة ابتكرت خلال الجائحة وأصبحت تقليدا.
ويتابع الكاتب قائلا "نحن مواطنون. ومهما بلغت براعة التلاعبات، فمن غير المرجح أن تزعزع الأساس الجوهري وهو المشاعر الحقيقية للشعب. عندما يشعر الناس بتدهور أوضاعهم المعيشية، ويرون بوادر أزمة اقتصادية واضحة، ويعانون من انقطاع الإنترنت، بتحريض من كبار مسؤولي حزب روسيا الموحدة، سيصوتون وفقا لذلك. سيتضرر الحزب الحاكم وحاشيته، الذين فشلوا في توضيح مسارهم المعارض المزعوم".
على الأرجح، ستؤدي جميع هذه الأحزاب، إلى جانب حزب روسيا الموحدة، إلى تشتيت أصوات الناخبين المترددين، أما المواطنون النشطون، الذين ينتقدون الحكومة بموضوعية، فسيفضلون دعم "حزب الاحتجاج": الحزب الشيوعي.
وبالفعل -كما يقول الكاتب- بدأت تظهر بوادر تحول في موازين القوى حسب بيانات مستقلة، إذ انخفضت نسبة تأييد حزب روسيا الموحدة بين الناخبين الذين حسموا أمرهم بمقدار 6 نقاط مئوية، وارتفع تأييد الحزب الشيوعي بزيادة قدرها 3.3 نقاط مئوية.
ومع تبقي ثلاثة أشهر على الانتخابات، يرى الكاتب أن معالم التشكيل الحزبي في مجلس الدوما بدأت تتضح بشكل متزايد، مشيرا إلى أن الانقسام بين اليمين واليسار سيستمر في السنوات القادمة، ممثلا بحزب روسيا الموحدة وأحزابه التابعة من جهة، والحزب الشيوعي من جهة أخرى.
إقرأ المزيد


