الجزيرة.نت - 6/18/2026 12:26:31 PM - GMT (+3 )
حين اكتشف الفلكي الإنجليزي إدموند هالي أن مذنبا لامعا يعود إلى جوار الشمس كل نحو 76 عاما، لم يكن يدرك أن اسمه سيصبح مرادفا لأشهر مذنب في التاريخ.
فمنذ أن تنبأ بعودته عام 1758، تحول مذنب هالي (Halley’s Comet) إلى حدث ينتظره البشر جيلا بعد جيل، وكأن كل ظهور له موعد بين السماء والذاكرة الإنسانية.
وفي ربيع عام 1910 عاش العالم واحدة من أعظم موجات الحماس الفلكي، فقد ظهر مذنب هالي ساطعا بذيل طويل امتد عبر السماء، حتى أصبح حديث الصحف والناس في المدن والقرى.
وتُظهر هذه الصفحة النادرة من مجلة "العلوم الأمريكية" (Scientific American) الصادرة في 16 أبريل/نيسان 1910 كيف كان المذنب يزين سماء الفجر فوق الأفق الشرقي، مرسوما بين كوكبات الدلو والجدي والفرس الأعظم، وكيف كان يزداد لمعانا تدريجيا حتى أصبح مرئيا بسهولة للعين المجردة، ولهذا بقيت صور ظهوره ورسومه جزءا من الذاكرة البصرية لتاريخ الفلك الشعبي والعلمي معا.
كانت تلك هي الصورة التي علقت في خيال هواة الفلك لعقود طويلة. صور ورسوم تحكي عن مذنب هائل يشق السماء بذيل مضيء، حتى إن بعض الناس آنذاك خافوا من مروره، بينما وقف آخرون يتأملونه بإعجاب.
ولأن التصوير الفلكي كان لا يزال في بداياته، أصبحت الرسوم والمطبوعات الصحفية وثائق ثمينة تنقل للأجيال كيف بدا هذا الزائر السماوي العظيم.
عودة طال انتظارها وخيبة غير متوقعةبعد 76 عاما عاد مذنب هالي مجددا عام 1986 وسط اهتمام عالمي واسع، خصوصا مع انطلاق عصر استكشاف الفضاء وإرسال عدة مركبات فضائية لدراسته عن قرب. فقد تمكن المسبار الأوروبي "جيوتو" (Giotto) من تصوير نواة المذنب للمرة الأولى في التاريخ.
كان كثير من هواة الفلك الذين سمعوا قصص عام 1910 أو شاهدوا صورها ينتظرون تلك العودة بفارغ الصبر. بعضهم أمضى سنوات يقرأ عن المذنب ويحلم بأن يراه كما رآه الأجداد.
غير أن المشهد لم يكن مبهرا كما توقع كثير من الهواة، إذ ظهر المذنب خافتا نسبيا بسبب ظروف هندسية وفلكية مختلفة عن ظهور عام 1910. وتحولت سنوات الانتظار الطويلة لدى كثيرين إلى شيء من خيبة الأمل، بعدما اكتشفوا أن أشهر مذنب في التاريخ لا يشبه دائما الصور الأسطورية التي ارتبطت باسمه.
هالي في الذاكرة العربيةفي العالم العربي كانت تجربة هالي أكثر خصوصية، ففي ثمانينيات القرن الماضي لم تكن ثقافة الرصد الفلكي منتشرة كما هي اليوم، ولم تكن الخرائط السماوية والتطبيقات الرقمية متاحة لعامة الهواة.
إعلان
ومع ذلك كان اسم مذنب هالي حاضرا بقوة في كتب العلوم المدرسية، حيث تعرّف إليه كثير من التلاميذ بوصفه أشهر مذنب دوري في التاريخ، وترقبوا عودته المنتظرة عام 1986 بشغف كبير، بل حلم بعضهم بأن يكون من المحظوظين الذين سيشهدون هذا المشهد الكوني النادر بأعينهم.
لكن عدد من تمكنوا فعلا من رؤيته ظل محدودا للغاية، فبعض المهتمين كتبوا عنه وروجوا لظهوره، ومنهم الفلكي الأردني الراحل الدكتور عبد الرحيم بدر، بينما أمضى آخرون ليالي طويلة بحثا عنه في السماء دون نجاح.
بل إن بعض الهواة اشتروا تلسكوبات خصيصا لاستقباله، غير أن خفوته وصعوبة تحديد موقعه جعلا تجربته مختلفة كثيرا عن الصورة المبهرة التي رسمتها كتب الطفولة والمجلات العلمية في أذهانهم.
موعد جديد مع ضيف لا ينتظر أحدالم يكن هالي في عام 1910 مذنبا فحسب، بل ذكرى ورثتها الأجيال. فالذين رأوه متوهجا فوق مدن العالم مطلع القرن العشرين لم يكونوا في الغالب موجودين عندما عاد عام 1986، لكن حكاياتهم وصورهم ورسومهم بقيت حية.
وهكذا انتقل الشوق إلى المذنب من جيل لموعده الأول إلى جيل انتظر موعده الثاني، وسيورث جيل اليوم الحكاية بدوره إلى من سيترقبون عودته المقبلة عام 2061. ففي النهاية، لا يقيس هالي الزمن بحركة السماء فقط، بل أيضا بذاكرة البشر التي تمتد من ظهور إلى ظهور.
إقرأ المزيد


