الجزيرة.نت - 6/18/2026 10:43:19 AM - GMT (+3 )
لا تبدأ صحة الطفل من لحظة الولادة، بل قبل ذلك بكثير، من رحم أمه. فخلال أشهر الحمل، تتشكل ملامح مهمة من مستقبل الجنين الصحي، بدءا من نمو الدماغ والجهاز العصبي، مرورا بتكوين العظام والدم والمناعة، وصولا إلى احتمالات الإصابة ببعض الأمراض في مراحل لاحقة من العمر.
ولا يقتصر الأمر على التغذية وحدها، فصحة الأم الجسدية والنفسية والعاطفية والاجتماعية تُعد جزءا أساسيا من الرعاية التي يحتاجها الجنين. لذلك تصبح العناية بالأم مهمة تبدأ من مرحلة التخطيط للحمل، وتمتد طوال الحمل وحتى الولادة.
الجزيرة نت تحدثت مع الدكتور حسن جعفر، أستاذ أمراض النساء والتوليد واستشاري طب الجنين بكلية طب قصر العيني، عن علاقة تغذية الأم بصحة الجنين، وأهم العناصر التي يحتاجها الحمل الصحي، والمفاهيم الشائعة الخاطئة حول طعام الحامل.
غذاء الأم وصحة الجنين
يؤكد الدكتور حسن جعفر أن العلاقة بين تغذية الأم الحامل وصحة الجنين "وثيقة جدا"، لأن الجنين يعتمد بشكل كامل على أمه في الحصول على ما يحتاجه من فيتامينات ومعادن ومغذيات دقيقة.
ويقول إن الأم هي المصدر الوحيد لغذاء الجنين، ولذلك فإن سوء التغذية أو نقص بعض العناصر الأساسية قد ينعكس سلبا على نموه ووزنه وتطور أعضائه، كما قد يؤثر في نموه العقلي ومستقبله الصحي.
وبحسب جعفر، فإن العناية بتغذية الحامل لا تعني الإفراط في الطعام، بل تعني اختيار الغذاء المتوازن والغني بالعناصر التي يحتاجها الجنين في كل مرحلة من مراحل نموه.
حمض الفوليك.. عنصر صغير بتأثير كبيريوضح أستاذ أمراض النساء والتوليد أن هناك مجموعة من الفيتامينات والمعادن الضرورية لنمو الجنين بشكل سليم، يأتي في مقدمتها حمض الفوليك، أو فيتامين "بي 9″، الذي يؤدي دورا أساسيا في اكتمال نمو الجهاز العصبي للجنين والوقاية من بعض التشوهات المرتبطة به.
كما يشير إلى أهمية الحديد في تكوين الدم والوقاية من الأنيميا، والكالسيوم في بناء العظام والأسنان، والأوميغا 3 في دعم نمو خلايا المخ والعين، إضافة إلى اليود الضروري لوظائف الغدة الدرقية، والكولين والزنك اللذين يدخلان ضمن العناصر المهمة لنمو صحي ومتوازن.
إعلان
ويرى الدكتور جعفر أن عبارة "صحة الطفل تبدأ من رحم أمه" ليست مجرد تعبير مجازي، بل حقيقة طبية إلى حد كبير.
ومن أكثر المفاهيم انتشارا بين الحوامل، الاعتقاد بأن المرأة الحامل يجب أن "تأكل لاثنين". لكن الدكتور حسن جعفر يؤكد أن هذه المقولة غير دقيقة، موضحا أن الحامل لا تحتاج إلى مضاعفة كمية الطعام، بل إلى تحسين نوعيته.
ويقول إن الاحتياج الإضافي غالبا لا يتجاوز نحو 300 سعر حراري يوميا بدءا من الشهر الرابع، مع مراعاة وزن الأم قبل الحمل وحالتها الصحية.
أما الزيادة الموصى بها في الوزن خلال الحمل فتختلف من امرأة إلى أخرى، لكنها تدور غالبا بين 6 و16 كيلوغراما، بحسب الوزن السابق للحمل وتقدير الطبيب.
وينصح جعفر الحوامل بتجنب الأطعمة غير المطهية جيدا، والتقليل من النشويات والسكريات، والحد من الكافيين قدر الإمكان، وتجنب الأجبان غير المبسترة، وعدم الإفراط في تناول الكبدة، مع تقليل استهلاك بعض أنواع التونة بسبب احتمال احتوائها على نسب من الزئبق.
مناعة الجنين تبدأ من رحم أمهلا يتوقف أثر تغذية الأم عند نمو الجنين فقط، بل يمتد إلى جهازه المناعي. فبحسب الدكتور حسن جعفر، فإن كل ما يؤثر في صحة الأم ينعكس على جنينها، سواء بالإيجاب أو السلب.
ويؤكد أن حصول الأم على غذاء متوازن غني بالمعادن والفيتامينات والأوميغا 3 يساعد في دعم مناعة الجنين، ويهيئه لبداية صحية أفضل بعد الولادة.
ويشير جعفر كذلك إلى أهمية بعض التطعيمات التي تُنصح بها الحامل خلال فترة الحمل لحماية الرضيع بعد الولادة، ومن بينها تطعيم الفيروس المخلوي التنفسي في الشهر الثامن، الذي يساعد على تقليل خطر إصابة المولود بالتهابات تنفسية قد تكون شديدة في الشهور الأولى من عمره.
كيف تُبرمج صحة الجنين قبل الولادة؟
يرى استشاري طب الجنين أن نمط حياة الأم خلال الحمل قد يترك أثرا طويل المدى على صحة الطفل. فزيادة الوزن بشكل مفرط، والإفراط في تناول السكريات، وسوء التغذية، كلها عوامل قد تزيد احتمالات تعرض الطفل لاحقا لمشكلات صحية مثل السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
ويوضح أن بعض الاستعدادات المرضية، مثل الحساسية أو السكري، قد تنتقل أو تتأثر بعوامل وراثية وبيئية، لكن نمط تغذية الأم ورعايتها الصحية خلال الحمل يمكن أن يزيد المخاطر أو يقللها.
كما يشير إلى أن بعض الدراسات ربطت بين الولادة القيصرية وارتفاع احتمالات إصابة الأطفال بحساسية الصدر مقارنة بمن يولدون طبيعيا، مع التأكيد أن قرار نوع الولادة يجب أن يخضع دائما للتقييم الطبي وحالة الأم والجنين.
نصائح غذائية للحاملالتوازن في الطعام أهم من كميته، فالحامل لا تحتاج إلى الإفراط في الأكل بقدر ما تحتاج إلى تنويع مصادر الغذاء والحصول على العناصر الأساسية التي يحتاجها جسمها وجنينها.
وينصح بالانتظام في تناول ثلاث وجبات رئيسية يوميا، إلى جانب وجبتين أو ثلاث وجبات خفيفة صحية، مع الحرص على شرب الماء بكميات كافية تتراوح غالبا بين 8 و10 أكواب يوميا، ما لم يوص الطبيب بغير ذلك.
ويُعد حمض الفوليك من أهم العناصر التي تحتاجها الحامل، لدوره في حماية الجهاز العصبي للجنين من بعض التشوهات. كما يجب الاهتمام بالأطعمة الغنية بالحديد للوقاية من الأنيميا وتحسين وصول الأكسجين إلى الجنين.
إعلان
وتحتاج الحامل كذلك إلى مصادر جيدة للكالسيوم، مثل الحليب ومشتقاته والسمسم والسردين، لدعم بناء عظام وأسنان الجنين، إلى جانب البروتين الموجود في اللحوم والدواجن والبيض والبقوليات، لأنه عنصر أساسي في نمو أنسجة الجنين.
أما الأوميغا 3، فيُعد مهما لدعم نمو المخ والجهاز العصبي، ويمكن الحصول عليه من الأسماك مثل السلمون والسردين، إضافة إلى الجوز. كما ينبغي الاهتمام بفيتامين "دي" لدوره في تعزيز امتصاص الكالسيوم ودعم المناعة، سواء من خلال التعرض الآمن لأشعة الشمس أو عبر بعض الأطعمة والمكملات بعد استشارة الطبيب.
وتبقى الخضروات الطازجة والفواكه والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان، بكميات متوازنة، من أهم عناصر الغذاء اليومي للحامل. كما يمكن ممارسة نشاط بدني خفيف، بشرط أن يكون ذلك بناء على نصيحة الطبيب وحسب حالة الحمل.
تمثل الأم خط الدفاع الصحي الأول عن جنينها. فالغذاء المتوازن، والمتابعة الطبية المنتظمة، وتجنب العادات الغذائية الخاطئة، والالتزام بالمكملات والتطعيمات التي يحددها الطبيب، كلها عناصر لا تحمي الحمل فقط، بل قد تسهم في رسم مستقبل صحي أفضل للطفل.
فما يحدث داخل الرحم لا ينتهي أثره عند الولادة، بل قد يرافق الطفل في مراحل لاحقة من حياته. ولهذا فإن رعاية الأم ليست رفاهية، بل استثمار مباشر في صحة الجيل القادم.
إقرأ المزيد


