الجزيرة.نت - 6/18/2026 9:52:08 AM - GMT (+3 )
غزة- في مخيمات النزوح في قطاع غزة، تُقاس صلة الرحم بالمتر والدقيقة واتساع الشادر، حيث تحتاج زيارة واحدة جسدًا قادرًا على الطريق، وجيبًا يحتمل صعوبة المواصلات، وخيمة تستوعب الضيف والصوت والحرج معا.
وبين صفوف الخيام المتقاربة، تبدو الحياة مكشوفة على بعضها، والخصوصية معدومة؛ فالمطبخ عند المدخل، والفرش على الرمل، والملابس على الحبال، وأحاديث خافتة تعبر القماش أسرع من أصحابها.
هكذا يتبدل معنى الزيارة الاجتماعية في غزة، فالجلسة التي كانت تمتد حول فنجان قهوة وحديث عائلي مطمئن، صارت قرارًا ثقيلًا يبدأ من سؤال الطريق وينتهي عند ضيق المكان.
مسنة تؤجل رؤية أبنائها لأن قدميها تخذلانها قبل الوصول، وأب عجوز يجمع زيارة أمه وبناته في رحلة واحدة، ونازحة تختصر كلامها داخل خيمة يسمعها الجيران، وموظف يربط لقاء أهله بيوم دوامه توفيرًا لخروج جديد تحت الشمس وبين الطرق الوعرة.
ويتتبع التقرير الزيارة بوصفها رحلة اجتماعية كاملة من قرار الخروج، إلى نقطة النقل، إلى عتبة الخيمة، ثم العودة بجسد منهك ووقت مستنزف. فالخيمة التي آوت الأجساد ضغطت التفاصيل الخاصة، والمخيم الذي جمع الناس في مساحة واحدة ضيّق عليهم الراحة والخصوصية والقدرة على اللقاء.
وبين الطريق الطويل واللقاء القصير، تصير الزيارة محاولة يومية للحفاظ على دفء العائلة في مكان يستهلك هذا الدفء ببطء.
وعند مدخل خيمة إيمان أبو الليل، يظهر المطبخ قبل مجلس الضيوف، وأواني الطبخ قريبة من الفرش الممدود على الرمل، والملابس معلّقة فوق الرؤوس، وحافة الشادر تفصل المكان عن الخيام المجاورة بخفة تجعل الصوت العابر جزءا من حياة الآخرين.
تجلس إيمان مع جارتها في مساحة واحدة تصلح للجلوس والطبخ والنوم واستقبال الزائرين، بينما تتحول كل حركة داخل الخيمة إلى تفصيل مكشوف، يبدأ شعورها معه بالاختناق؛ فهذا الانكشاف اليومي غيّر معنى الزيارة بالنسبة لها.
وقبل بدء حرب الإبادة، كان بيتها القديم يدعم معنى الاستضافة ويهيّئ الرضا لكل زائر، وكانت الزيارة تمنحها مساحة للراحة والحديث والفضفضة. أما في الخيمة، فتشرح إيمان للجزيرة نت أن الزيارة فقدت راحتها القديمة، وتقول: "يجلس الضيف الآن وسط تفاصيل عائلتي اليومية مثل: الطبخ، والفراش، والملابس، والأطفال، وأصوات الجيران".
إعلان
وتضيف أن أي تحرك لهم داخل الخيمة مرصود، وأن أي حديث قد ينتقل بسرعة بين الناس، ما جعلها تختصر كلامها وتكتم ما يضايقها: "فالخيام هنا متلاصقة، ولا حدود واضحة بين العائلات، وحتى الزيارة فقدت جزءا من معناها، لأن أحدا لا يجد مكانا يتحدث فيه براحته".
وهذا الانكشاف اليومي قلّص زياراتها كثيرًا، حتى إلى أهلها صارت الرحلة ثقيلة؛ فالمسافة بعيدة، ووسائل النقل مرهقة، والطرق وعرة، والجلوس عندهم يحتاج مكانًا يتسع للجميع، تتابع إيمان بينما يملأها الشوق والحنين لهم: "نفسي أشوف (أرى) أمي وشقيقاتي، وأقعد وأنام عندهم مثل زمان، بس فش وسع (لا يوجد متسع) لنا جميعا عندهم".
وتتحول الزيارة لديها في المخيم من عادة اجتماعية دافئة إلى أسئلة صعبة: أين نجلس؟ من يسمعنا؟ كيف نصل؟ وكم نحتمل من الطريق والضيق؟
المرض ثمن لزيارة واحدةلكن عبد القادر أبو عودة (75 عامًا) لم يستسلم للشوق الذي دفعه إلى طريق الجنوب، حيث تقيم أمه وبناته الخمس بين خان يونس ودير البلح.
وانطلق مشيًا لساعات طويلة حتى بلغ نقطة نقل الركاب العامة، ثم صعد إلى عربة رباعية العجلات تجر خلفها مقطورة ضيقة بكراسٍ حديدية، وشوادر مهترئة تحيط بالمقطورة، وأجساد متلاصقة فوق مقاعد قاسية، وعجلات واهنة تمضي بمن يحملون حاجات مؤجلة وزيارات ثقيلة.
وخلال السير على شارع الرشيد، الذي يعد شريان الحياة لقطاع غزة ويصل شماله بجنوبه، توقفت الرحلة بعد أن سقط عجل المركبة من مكانه، واضطر السائق إلى قطع 25 مترًا حتى وصل إلى ورشة لتصليحه. وهناك تمدد الانتظار فوق تعب الركاب، حيث إن كل شخص في العربة يحمل موعدًا أو مصلحة أو زيارة، والجميع عالقون عند عجل معطوب ووسيلة نقل تفرض شروطها على الطريق.
وصل ليلا إلى أمه بحال منهك، ثم تابع خلال اليومين التاليين زيارة بناته الخمس، واختار المبيت في الجنوب حتى يجمع أشواقه كلها في خروج واحد. وهنا، فقدت الزيارة إيقاعها العائلي القديم، وصارت خطة مضغوطة، تُرتّب فيها الوجوه حسب قدرة الجسد على الحركة، وتُختصر الجلسات خشية طريق العودة.
ويقول أبو عودة للجزيرة نت إن أثر الرحلة يبقى في جسده أسابيع، وإن التعب الذي يلحق به بعدها يزيد آلامه شهرًا كاملًا، ثم يضيف أنه سيجعل الهاتف صلته اليومية بأمه وبناته حتى تتيسر الطرق، وردد بالدعاء مبتهلا إلى الله: "الله يفرج الحال"
والواقع يضغط زمن اللقاء، ويحوّل صلة الرحم إلى محاولة شاقة لحفظ تواصل العائلة وسط مسافة طويلة ومواصلات مرهقة حتى أصبحت صورة الزيارة الاجتماعية في غزة اليوم شوقا كبيرا، وطريقا أثقل، ولقاء عائليا صار يحتاج قدرة جسدية وصبرا طويلا وترتيبا يفوق طاقة كبار السن.
ومنذ شهور طويلة، حالت الظروف الصعبة دون زيارة راضية أبو عودة لأبنائها وأحفادها، وبقي الشوق حاضرا في صوتها، غير أن وجع القدمين والظهر، وتعقيد المواصلات، وضيق الحال، جعلوا تلك الزيارة رحلة ثقيلة على جسدها وجيبها، حتى زواج ابن أخيها مرّ بعيدًا عنها، بعدما اعتذرت بسبب آلام الظهر وعجزها عن احتمال الطريق.
إعلان
التقت الجزيرة نت الحاجة أبو عودة وهي تمشي على وهن، وتمسك بيد زوجها مستندة عليه، وتسير ببطء كأن كل خطوة تحتاج قرارا منفصلا. فخروجها هذه المرة جاء للعلاج، فيما بقيت زيارة الأبناء والأحفاد رغبة مؤجلة، تقول: "ذهبت إلى المستشفى للعلاج وازداد تعبي ذهابًا وإيابًا".
وانتظرت راضية نحو ساعة بحثًا عن وسيلة نقل تقلّها، ثم قطعت المسافة مشيًا لساعة ونصف أخرى، وفي العودة، استعاد الطريق قسوته: انتظار طويل، ومركبات محدودة، وجسد يعود أثقل مما خرج.
رحلة علاج واحدة كشفت لها حجم ما تحتاجه الزيارة العائلية اليوم: صحة، ومال، ووسيلة نقل، ووقت طويل، وقدرة على تحمّل طريق صار يسبق اللقاء ويبتلع جزءًا من معناه. وتضيف "نحن كبار السن في غزة لدينا الشوق، لكن أقدامنا لم تعد تساعدنا. أولادنا وأحفادنا قريبين من القلب والذاكرة، لكن الطريق صار بعيدا ومتعبا، والزيارة التي كانت شيئا طبيعيا صارت تحتاج حسابا لألم الجسد وطول المسافة".
أما الدكتور في الجامعة الإسلامية، ماهر عوض، فيحمل حقيبته فوق كتفه ويمشي تحت أشعة الشمس، وبين خيام النزوح والمباني المتضررة، في طريق صار جزءًا ثابتًا من يومه المهني والاجتماعي معًا، أصبح يرتّب أيام عمله المتفرقة، ويجمع مهامه في أسبوع واحد قدر الإمكان، ويضغط مواعيده ومحاضراته وتنقلاته، لأن الخروج من مكان إقامته المؤقتة إلى العمل يحتاج رحلة مرهقة تبدأ قبل الوصول بزمن طويل.
بالنسبة لعوض، صارت الحركة اليومية عبئًا كاملًا، يشمل الطريق الترابي، والحر، وطول الانتظار، وتبدل وسائل النقل، كلها عوامل تعيد تشكيل يوم الموظف النازح، ويقف أحيانًا على طرف الطريق بانتظار مركبة تقلّه، حاملًا حقيبته في مشهد يختصر معنى الوظيفة اليوم في غزة بين عمل مؤجل، ووقت مهدور، وجهد جسدي يسبق أي مهمة مهنية.
وهذا الإرهاق انعكس مباشرة على حياته الاجتماعية، يقول وهو متجه للقاء صديقه الذي أجّله عدة أسابيع واضعا حقيبته على رأسه من شدة الحر: "أربط لقاءاتي العائلية بأيام عملي، فأحاول أن أزور عائلتي أو أصدقائي خلال طريق الذهاب أو العودة، لأن تخصيص يوم مستقل للزيارة صار عبئًا إضافيًا علي".
وبين هذه الأعباء، يحاول الغزيون إبقاء صلة الرحم حيّة؛ بمكالمة حين يطول الطريق، ولقاء خاطف حين تضيق الخيمة، وزيارة واحدة تُجمع فيها أشواق أشهر طويلة.
إقرأ المزيد


