حين غادرت الكرة الشوارع.. كيف صنعت الأكاديميات جيلا جديدا من النجوم؟
الجزيرة.نت -

في حقبة ليست ببعيدة، كان الطريق إلى النجومية في عالم كرة القدم يبدأ في زقاق ضيق، أو مساحة ترابية تفصل بين حيين فقيرين، يركض فيها أطفال يتناقلون كرة مهترئة، ويستخدمون حجرتين لتحديد مساحة المرمى. كان الشارع وقتها المختبر الوحيد، والخصم رفيق اللعب، والمدرب هو "التجربة والخطأ".

في تلك البيئة، كان اللاعب يكتسب مهاراته بمرارة وتكرار، فكان عليه أن يبتكر حلولاً فورية لكل موقف، وأن يمتلك الجرأة ليتجاوز أقرانه في مساحات ضيقة، وإلا تعرض للإقصاء من "اللعبة".

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

كان الشارع مدرسة قاسية لكنها منصفة، فهي لا تعترف إلا بمن يمتلك الموهبة والقدرة على المواجهة.

أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة جذرياً. لاعب كرة القدم لم يعد "ابن الشارع"، بل أصبح طالباً في أكاديميات احترافية ومراكز أداء عالٍ، ومختبرات بيانات باتت ترسم له مساره قبل أن يخطو أولى خطواته في الملاعب الرسمية.

وبينما كانت الميادين المفتوحة تصنع فنانين يملكون "الدهشة"، أصبحت الأكاديميات اليوم تصنع "رياضيين" بمواصفات قياسية عالمية، ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان هذا التطور التكنولوجي قد أفاد اللعبة فعلاً، أم أنه سلبها شيئاً من روحها وعفويتها التي جعلتها الرياضة الأكثر شعبية في التاريخ.

بيليه ومارادونا في الميزان

طوال القرن العشرين، كانت كرة القدم اللاتينية والأوروبية تُصنع على الأرض. لاعبون بقيمة الأساطير دييغو مارادونا وبيليه ويوهان كرويف وزين الدين زيدان، لم يمروا عبر دورات تأهيلية مكثفة كما يحدث الآن، بل كانت نشأتهم في بيئات تفتقر للتنظيم، لكنها كانت تعج بـ "حرية الحركة". كان القاسم المشترك بين هؤلاء هو غياب "المدرب" في مراحل التكوين الأولى، وهو غياب لم يكن نقصاً، بقدر ما كان محفزاً للابتكار.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال جدلي: هل كان بيليه ومارادونا سيجدان مكاناً لهما في عالم اليوم المبني على القياسات البدنية الصارمة؟ الإجابة ليست بالبساطة التي نتخيلها.

مارادونا يسجل هدفه الأسطوري في مرمى إنجلترا في مونديال 1986 (رويترز)

مارادونا كان يمتلك ذكاءً فطرياً يتجاوز الحسابات التكتيكية، إلا أن كرة القدم المعاصرة تفرض سرعة وضغطاً بدنياً هائلاً. ربما كان بيليه سيتكيف بفضل بنيته، لكن مارادونا ربما كان سيجد صعوبة في التكيّف مع نمط "التمركز الصارم" الذي تفرضه الخوارزميات اليوم كونه كان يفضل الإمتاع على الامتثال للنظام.

إعلان

وعلى العكس من ذلك، إذا نقلنا نجوم اليوم إلى ملاعب الماضي بـ "خشونتها" وأرضياتها السيئة، فمن المحتمل ألا يصمد الكثير منهم، لأن موهبة اليوم تعودت على الملاعب المهيأة، والمنافسين الذين يلتزمون بقوانين حماية اللاعبين، وهو ما يطرح تساؤلاً حول "صلابة" اللاعب مقابل "رقي" الأداء.

ثورة الأكاديميات.. صناعة اللاعبين

مع نهاية السبعينيات، بدأت أندية مثل أياكس أمستردام الهولندي وبرشلونة الإسبانية بتبني سياسة اجتذاب الصغار وتربيتهم وفق فلسفة موحدة من خلال "مدارس كروية" بهدف تنمية قدراتهم وتأسيسهم بشكل صحيح للاستفادة منهم مستقبلاً في صفوف فرقها. ومع حلول الألفية الثالثة، تحوّلت هذه الفكرة إلى مؤسسات مستقلة تستقطب المئات، ليس فقط لتغذية فرقها، بل كاستثمار تجاري ضخم.

تقوم فكرة الأكاديميات اليوم على "إخضاع" الأطفال لبرامج منظمة؛ تحليل البيانات الحيوية، ضبط التغذية لبناء كتلة عضلية مثالية، واختبارات سرعة البديهة في بيئات افتراضية.

وعلى سبيل المثال معهد "كليرفونتين" الفرنسي؛ يتقدّم له سنوياً 1600 ناشئ، وبعد تصفيات واختبارات نفسية وطبية، يُقبل 23 لاعباً فقط من بينهم 3 حراس مرمى، وفقا لما نشره الاتحاد الفرنسي للعبة. هذا المعهد أفرز نجوماً مثل نيكولا أنيلكا وتييري هنري وكيليان مبابي وأوليفيه جيرو وغيرهم.

مبابي تخرج من معهد كلير فونتين (الفرنسية)

كذلك نموذج "لا ماسيا" الذي اقترحه يوهان كرويف عام 1979 لإنشاء نظام محاكاة لأكاديمية أياكس أمستردام، والذي أنتج جيلاً ذهبياً ضم ليونيل ميسي وتشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا.

لقد أثبتت هذه النماذج أن النظام يمكنه إنتاج لاعبين يملكون "ذكاءً جماعياً" يفوق ذكاء الخصم، لكن النجاح الكبير لهذه النماذج دفع العالم لتقليدها، حتى في البرازيل "مهد الكرة الإبداعية"، ما أدى إلى تعميم "النمط التكتيكي" على حساب "التميز الفردي".

ولعل أبلغ شاهد على هذه المعادلة ما كشفه تييري هنري عام 2015 خلال تحليله التكتيكي على شبكة "سكاي سبورتس"، حين روى أن المدرب الإسباني بيب غوارديولا وهو نفسه خريج "لا ماسيا" كان يقول للاعبيه في برشلونة حينما كان هنري لاعباً: "أنا أعلمكم أين تتمركزون، لكنني لا أستطيع تعليمكم السحر.. مهمتي أن أوصلكم إلى الثلث الأخير، أما مهمتكم أنتم فهي إنهاء الهجمة".

نموذج أسود الأطلس

وصل المنتخب المغربي إلى نصف نهائي مونديال 2022 كنموذج حي للدمج الناجح. لم تكن النتائج صدفة، بل كانت تجسيداً لـ "مأسسة الموهبة".

وعلى سبيل المثال، كان أشرف حكيمي نتاجاً لـ "لا فابريكا" في ريال مدريد، حيث تعلم الانضباط الدفاعي والهجوم الإستراتيجي، بينما صقل حكيم زياش ونصير مزراوي مهارات "الكرة الشاملة" في أكاديمية أياكس، التي تركز على القراءة التكتيكية للملعب.

أما سفيان أمرابط، فقد تخرج من نظام أكاديميات هولندا المتخصص في "تعدد الوظائف"، ما منحه القدرة على تغطية المساحات بدقة. حتى عز الدين أوناحي، الذي مثّل نجاح "أكاديمية محمد السادس" الوطنية، أثبت أن البرامج التي تحاكي المعايير الأوروبية قادرة على تحويل الموهبة الفطرية إلى طاقة تنافسية عالية. وقد وفر هذا التكوين للاعبين أدوات الاستشفاء السريع، والتنفيذ التكتيكي الصارم، والصلابة الذهنية التي مكنتهم من مجاراة إيقاعات المنتخبات الكبرى.

حكيم زياش وأشرف حكيمي كلاهما من خريجي أكاديميات كرة القدم (جيتي)
مونديال 2026.. عصر اللاعب المهندس

في مونديال 2026، نحن أمام جيل جديد من "اللاعبين المهندسين" مثل لامين جمال وجمال موسيالا. هؤلاء يتميزون بـ "جاهزية تكتيكية فورية"؛ فهم لا يحتاجون وقتاً للتأقلم، لأنهم تدربوا على مفاهيم اللعبة منذ الصغر. لكن هذا الانضباط جعل اللعبة تشبه "الشطرنج الرقمي". لم نعد نرى تلك المساحات الواسعة التي كان يستغلها اللاعبون الموهوبون قديماً، لأن المدافعين اليوم هم أيضاً خريجو أكاديميات، يعرفون كيف يغلقون الزوايا ويحجّمون الخطورة بذكاء هندسي لا يترك مجالاً للعفوية.

إعلان

هذا التحوّل غيّر "شكل" البطولة؛ فقد تحوّل كأس العالم من مهرجان للمواهب الاستثنائية التي تقلب الموازين بلمسة، إلى مبارزة بين "مصانع كروية". المنتخبات التي نشاهدها اليوم تتحرك ككتلة صماء، وتعتمد على أنظمة ضغط وتمرير موحدة، مما جعل البطولة أقل عرضة للمفاجآت الفردية، وأكثر اعتماداً على التفوق الجماعي.

الارتجال مقابل البرمجة

المفارقة هنا هي أن إنتاج لاعبين بمواصفات قياسية، يغتال ببطء "المبدع الذي يجرؤ على كسر القواعد". لاعب الشارع كان يمتلك ميزة "الارتجال"، ما يجعله غير قابل للتوقع. في المقابل، لاعب الأكاديمية "مبرمج" على التحرك في مسارات محددة.

لقد تحول لاعب كرة القدم من "فنان" يبهر الجماهير بأهدافه ومهاراته الفردية، إلى "موظف" داخل الملعب ينفذ أدواراً محددة. حينما كان يخطئ لاعب الشارع قديماً، كان عليه أن يبتكر ليتجنب الهزيمة، أما اليوم، إذا أخطأ اللاعب، فإنه ينتظر تصحيحاً في "تقرير أداء" وجلسة تحليل فيديو.

هذا الانتقال قتل "التمرد" الكروي. فالأنظمة التدريبية اليوم ترى في المهارات الجامحة "خطأ تكتيكياً" يجب الحد منه فوراً. الأندية تبحث عن "اللاعب الموثوق" الذي لا يخطئ في تمركزه، حتى لو كان ذلك على حساب اللمسة السحرية التي كانت تكسر جمود المباريات.

الأسطورة بيليه أبهر العالم بمهارات وأهداف أغنت ارث اللعبة (رويترز)

في عام 2022، سُئل فتحي جمال مدير أكاديمية محمد السادس المغربية، من الصحافيين بعد الإنجاز المغربي في مونديال قطر عن سر نجاح جيل "أسود الأطلس"، فأجاب ببساطة: "علّمناهم كيف يلعبون، لكنهم هم من قرروا أن يفوزوا"، ليكرر ما قاله عقب نجاحه بقيادة منتخب تحت 20 عاماً عام 2005 للمركز الرابع في مونديال هولندا للشباب، جملة تبدو عادية، لكنها تحمل اعترافاً ضمنياً بأن النظام مهما بلغ من دقة، يظل عاجزاً عن زرع الإرادة.

هذا بالضبط ما تعجز عنه الخوارزميات. تستطيع أن تحسب زاوية التمرير، وتقيس معدل ضربات القلب، وترسم خريطة تمركز دقيقة لكل لاعب على أرض الملعب. لكنها لا تستطيع أن تفسّر لماذا قرر مارادونا في ربع نهائي مونديال 1986 أن يمر على خمسة لاعبين من إنجلترا بدلاً من أن يمررها، ولا كيف خطر ببال بيليه أن يطير في الهواء ليسدد مقصيته الشهيرة ضد بلجيكا عام 1965.

وبينما تتسابق الأندية الكبرى على بناء أكاديميات أكثر تطوراً وأعلى تكلفة، يبقى هناك طفل في مكان ما … في زقاق بمراكش، أو ملعب ترابي في القاهرة، أو حارة ضيقة في بوينس آيريس أو ساو باولو، يركل كرته بعرض الحائط، لا يعرف شيئاً عن الخوارزميات، ولا يهتم بها ولا أحد يستطيع أن يجزم بأنه لن يكون نجماً قادماً.



إقرأ المزيد