من أثواب الملوك إلى هياكل الطائرات.. "الحرير الخارق" يمهد لثورة تقنية
الجزيرة.نت -

Published On 17/6/2026

عندما نسمع كلمة "حرير"، يتبادر إلى الذهن فورا ذلك القماش الناعم المستخدم في الملابس الفاخرة، لكن ما لا يعرفه كثيرون أن الحرير يعد أيضا واحدا من أكثر المواد الطبيعية تعقيدا على المستوى الجزيئي، لدرجة دفعت العلماء اليوم إلى تحويله إلى مادة متقدمة قد تدخل مستقبلا في شبكات الجيل السادس والطائرات والأجهزة الطبية.

الدراسة الحديثة التي نشرت بدورية "نيتشر سستينابيليتي" (Nature Sustainability)، وقادها باحثون من جامعات إمبريال كوليدج لندن، وميشيغان وتافتس بأمريكا، لم تعتمد على تصنيع مادة كيميائية جديدة بالكامل، بل على إعادة تشكيل الحرير الطبيعي نفسه بطريقة مختلفة تحافظ على خصائصه الفريدة وتمنحه وظائف إضافية.

الباحثون أثناء قياس امتصاص مادة مشتقة من الحرير للضوء (جامعة ميشيغان)
لماذا اختيار الحرير؟

اختار العلماء الحرير لأن تركيبته الطبيعية استثنائية مقارنة بمعظم المواد الحيوية الأخرى، فعلى المستوى المجهري، يتكون من مناطق بلورية مرتبة جدا تمنحه القوة، ومناطق غير منتظمة تمنحه المرونة؛ وهذا الدمج بين "النظام" و"العشوائية"، هو سر قدرة خيط حرير رقيق للغاية على تحمل أوزان كبيرة دون أن ينكسر بسهولة.

وسعت محاولات سابقة لتحويل الحرير إلى مواد صلبة بالاعتماد على إذابة الحرير بالكامل في مذيبات كيميائية، ثم تجفيفه وتحويله إلى مسحوق، قبل إعادة ضغطه وتشكيله.

ورغم نجاح هذه الطريقة جزئيا، إلا أنها كانت تدمر جزءا مهما من البنية البلورية الطبيعية المسؤولة عن قوة الحرير، لذلك تسعى الفكرة الجديدة إلى الحفاظ على بنية الحرير الأصلية، وبدلا من تدمير خيوط الحرير ثم إعادة بنائها، حاول الباحثون الاحتفاظ بالبنية الطبيعية قدر الإمكان.

ولتحقيق ذلك، بدأت العملية بخطوة بسيطة نسبيا، وهي غلي خيوط الحرير لإزالة مادة طبيعية تعرف باسم "السيريسين"، وهي البروتين الذي يربط الألياف معا داخل شرانق دودة القز، وبعد إزالة هذه المادة، أصبحت الألياف جاهزة للمرحلة الأهم وهي "الحرارة والضغط الهائلان".

إعلان

وخلال تلك المرحلة، قام العلماء بتسخين الحرير إلى درجات حرارة تراوحت بين 125 و215 درجة مئوية تقريبا، ثم تعريضه لضغط شديد للغاية وصل إلى آلاف الضغوط الجوية، وفي هذه المرحلة تحدث ثلاثة تحولات مهمة جدا: أولها "تبخر الماء"، فالحرير الطبيعي يحتوي على كميات صغيرة من الماء داخل بنيته المجهرية، وعند التسخين يتبخر هذا الماء تدريجيا، والتحول الثاني هو "اندماج المناطق العشوائية"، فالمناطق غير المنتظمة داخل الألياف تبدأ في الالتحام ببعضها، فتتحول الخيوط المنفصلة إلى صفيحة متماسكة تشبه البلاستيك.

أما التحول الثالث فهو "الحفاظ على المناطق البلورية"، وهنا يكمن سر الإنجاز الحقيقي، فعلى الرغم من الحرارة والضغط، نجح العلماء في الحفاظ على البنية البلورية الدقيقة داخل الحرير، وهي المسؤولة عن القوة الميكانيكية والمرونة والخصائص الضوئية المميزة، وبذلك حصلوا على مادة صلبة لكنها مرنة، خفيفة لكنها قوية، بالإضافة إلى أنها شفافة وقادرة على التحكم في موجات الضوء.

وضعت ألياف الحرير في مكبس حراري  (جامعة ميشيغان)
لماذا تبدو المادة مثل البلاستيك؟

ويقول الباحثون في بيان رسمي نشره الموقع الرسمي لجامعة ميشيغان، إن مادتهم الجديدة تبدو مثل البلاستيك الصناعي في الشكل، لكن لها مزايا صناعية وبيئية تفوقه بكثير.

ويشرح الباحثون أنه "بعد الضغط والتسخين، تختفي البنية الخيطية التقليدية للحرير، ويتحول إلى صفائح ناعمة وشفافة تشبه البلاستيك الصناعي، لكن الفارق الأساسي أن المادة الجديدة مشتقة من مصدر طبيعي وقابلة للتحلل ولا تعتمد على الوقود الأحفوري مثل البلاستيك التقليدي".

ويضيفون أن مادتهم قادرة على التحكم في الضوء، لأنه أثناء إعادة ترتيب البنية الداخلية للحرير حافظت الألياف على شكلها الملتف والمنظم على المستوى النانوي، وهذا التنظيم الدقيق يسمح للمادة بالتفاعل مع موجات "التيراهيرتز"، وهي موجات ضوئية فائقة التردد يُتوقع أن تكون أساس تقنيات الاتصالات المستقبلية.

والأهم أن المادة تستطيع تدوير اتجاه اهتزاز الضوء أو ما يُعرف بـ"استقطاب الضوء"، وهي خاصية مهمة جدا في زيادة سعة نقل البيانات وتحسين كفاءة شبكات الجيل السادس وتطوير أجهزة استشعار ضوئية متقدمة.

أفضل من البلاستيك الحيوي

وعن المقارنة بين المادة الجديدة وأنواع البلاستيك الحيوي التقليدي، يوضح الباحثون أن معظم أنواع "البلاستيك الحيوي" الحالية أقل قوة من البلاستيك الصناعي وتحتاج إضافات كيميائية كثيرة، فضلا عن صعوبة إعادة تدويرها.

أما المادة الجديدة فتجمع بين القوة العالية وخفة الوزن والاستدامة والخصائص الضوئية المتقدمة، بل إن اختبارات الاختراق أظهرت أن مقاومتها تقترب من المواد المدعمة بألياف الكربون المستخدمة في هياكل الطائرات والسيارات والتطبيقات العسكرية.

ويعمل الباحثون حاليا على تصنيع المادة بأحجام أكبر، وإنتاج أشكال هندسية معقدة ودمجها في أجهزة إلكترونية ومستشعرات، وتقييم جدواها التجارية والبيئية.



إقرأ المزيد