الجزيرة.نت - 6/16/2026 9:13:45 PM - GMT (+3 )
Published On 16/6/2026
في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم للحد من الانبعاثات الكربونية وتعزيز مصادر الطاقة النظيفة، تتشكل في شمال أفريقيا ملامح خريطة طاقية جديدة تقودها مصر والمغرب، اللتان أصبحتا خلال سنوات قليلة مركز الثقل الرئيسي لطاقة الرياح في القارة السمراء.
فبحسب مسح أجرته وحدة أبحاث الطاقة، ومقرها واشنطن، ارتفعت القدرة المركبة لطاقة الرياح في أفريقيا إلى 11.49 غيغاواط خلال عام 2025، مقارنة بـ9.58 غيغاواط في العام السابق، بزيادة تقارب 20%.
لكن اللافت أن الجزء الأكبر من هذا النمو جاء من دولتين عربيتين تمكنتا من فرض حضورهما في قطاع بات يوصف بأنه أحد أعمدة الاقتصاد الأخضر العالمي.
في هذا الصدد قال كريم الجندي، المدير التنفيذي لمعهد الكربون، وهو مركز بحثي مستقل متخصص في قضايا الطاقة والمناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن عام 2025 شهد تحولا مهما في ترتيب الدول الأفريقية العاملة في قطاع الرياح، بعدما تجاوزت مصر حاجز 3 غيغاواطات من القدرة المركبة، متقدمة على المغرب الذي تبلغ قدرته الإنتاجية نحو 2.6 غيغاواط.
ويعود هذا التقدم إلى التوسع السريع في منطقة خليج السويس، حسب تصريح الجندي للجزيرة نت، حيث إن سرعة الرياح هناك تتجاوز 10 أمتار في الثانية، وهو ما يجعل إنتاج الكهرباء أكثر جدوى اقتصادية مقارنة بالعديد من المناطق الأخرى.
وتابع المدير التنفيذي لمعهد الكربون، أن مصر عززت مكانتها بافتتاح محطة البحر الأحمر لطاقة الرياح بقدرة 650 ميغاواطا، التي أصبحت أكبر مزرعة رياح في أفريقيا والشرق الأوسط، مضيفا أن حضور التمويل الدولي مع مطورين من دول الخليج كان سببا لتسارع الوتيرة.
حضور مغربي قوي
ورغم تقدم مصر من حيث القدرة المركبة، فإن المغرب لا يزال يحتفظ بمؤشر أكثر أهمية في نظر خبراء الطاقة، وهو نسبة مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء.
إعلان
فقد تجاوزت هذه النسبة 46% من إجمالي الكهرباء المنتجة في المملكة، وهي من أعلى النسب في أفريقيا والعالم العربي، ما يعكس نجاحا في دمج الطاقة النظيفة داخل المنظومة الكهربائية الوطنية.
ويقول كريم إن التجربة المغربية تختلف عن غيرها لأنها قامت على رؤية مؤسساتية طويلة الأمد، لا على مشروعات منفصلة، وأكد أن المغرب لم يركز فقط على زيادة القدرة الإنتاجية، بل عمل على تطوير منظومة صناعية وتنظيمية متكاملة تشمل التخطيط والتمويل والبنية التحتية والتصنيع المحلي، ما جعل طاقة الرياح ثاني أكبر مصدر للكهرباء في البلاد.
لفت الخبير ذاته إلى أن أحد أبرز الاختبارات التي كشفت نضج التجربة المغربية جاء في أبريل/نيسان 2025 عندما شهدت شبه الجزيرة الأيبيرية انقطاعا واسعا للكهرباء.
في تلك اللحظة، تمكن المغرب من ضخ نحو 900 ميغاواط إلى الشبكة الإسبانية عبر خطوط الربط الكهربائي بين البلدين، وبرهنت عمليا على جدية دورها كجسر طاقي بين ضفتي المتوسط.
هل يكفي بناء مزارع الرياح لتحقيق التحول الطاقي؟ورغم التوسع المتسارع في بناء المحطات، فإن التحدي الأكبر، كما يقول كريم، في قدرة الشبكة على تحمل هذه الأحمال الجديدة، ولهذا تتجه مصر إلى توسيع شبكات الجهد العالي وإدخال أنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات، للحد من هدر إنتاج الرياح والشمس، في حين يواصل المغرب تطوير شبكات الربط الداخلي والخارجي لاستيعاب كميات أكبر من الكهرباء المتجددة.
ويرى كريم أن الموارد الطبيعية والطموحات السياسية متوافرة لدى البلدين، لكن النجاح المستقبلي سيعتمد على عامل آخر أكثر حسما، وهو القدرة على التنفيذ.
ويقول إن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء الشبكات الكهربائية، وتأمين عقود شراء طويلة الأجل، وتحويل مذكرات التفاهم المعلنة إلى مشروعات ممولة وقابلة للتنفيذ.
ويضيف: "إذا كانت أفريقيا مقبلة على ثورة في الطاقة النظيفة، فإن مصر والمغرب مرشحتان لقيادتها، لكن شرط الحفاظ على هذا التفوق ليس الموارد ولا الطموح، بل الانضباط في التنفيذ. فالقاطرة موجودة، إلا أن السكك الحديدية ليست جاهزة بالكامل بعد".
إقرأ المزيد


