مظاهرات المطالبة بـ"العدالة الانتقالية" تتصدر المشهد السوري.. والحكومة: نلاحق المجرمين وندعو للهدوء
الجزيرة.نت -

بينما ينصب أهالي مدينة دير الزور شرقي سوريا خيمة اعتصام -لليوم السادس على التوالي- للمطالبة بمحاسبة "متورطين في انتهاكات بحق السوريين"، تستمر المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في محافظة إدلب ومناطق سورية أخرى، رفضاً كما يقول المحتجون "لإعادة تعويم شخصيات كانت محسوبة على النظام المخلوع"، وتسريع تطبيق العدالة الانتقالية، في وقت تشدد فيه الحكومة السورية على مواصلة العمل بهذا المسار عبر القوانين والمؤسسات القضائية بلا "انتقام أو ثأر".

اعتصام الكرامة في دير الزور

ومنذ يوم الأربعاء 10 يونيو/حزيران الجاري، أقام أهالي مدينة دير الزور خيمة اعتصام للمطالبة بتسريع تطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة كل من تورط بانتهاكات بحق السوريين.

وجاء الحراك الشعبي في دير الزور على خلفية عودة شخصيات كانت مقربة على نظام الأسد المخلوع إلى المدينة، ما أثار سخط الأهالي وذوي الضحايا، وفق ما أفادت مصادر محلية لمنصة "سوريا الآن".

ماذا يريد المعتصمون؟

سيدة مشاركة في الاعتصام قالت لمراسل "سوريا الآن": "خرجنا من أجل دماء أولادنا، الذين حرموا من شبابهم بينما الشبيحة يصولون ويجولون في المدينة"، مضيفة أنها تدعم الحكومة لكنها لا تقبل بوجود "شبيحة بيننا".

وقال أحد المحتجين: "لا يمكن أن نقبل الشبيحة والفلول مهما كانت الأسباب والمسوغات، نحن لا نطالب بهمجية وإنما تحت إطار الدولة ومحاكم وعدالة".

وأضاف آخر: "مطالبنا ألا يعود الشبيحة إلى البلد، كما تهجرنا يهجرون. وجودهم ضمن سوريا لا مشكلة فيه، لكن لا نريد أن نلتقي في بلد واحد. نحن نذكّر حكومتنا بعدم إعادة التعويم، وهذه الحكومة من نتاج الثورة وهذه مطالب الثورة".

إدلب: رفض تعويم المرتبطين بنظام الأسد

لم تبق دير الزور وحدها في هذا الحراك المتصاعد في كثير من المناطق السورية، إذ امتدت الاحتجاجات إلى محافظة إدلب وريفها. ففي مدينتي سراقب ومعرة مصرين، خرجت مظاهرات تطالب بالعدالة الانتقالية ومحاسبة من اعتبروهم "فلول نظام الأسد".

وفي كفرنبل وجسر الشغور، رفض محتجون تعويم أي شخص ارتبط بالنظام المخلوع عسكريا أو مدنيا، مؤكدين أن عودة هؤلاء إلى المدن دون محاسبة تمثل "إهانة لدماء الضحايا".

إعلان

كما شهدت مدينة كفرتخاريم وبلدة أورم الجوز ومدينة معرة النعمان وبلدة كفرعويد بريف إدلب احتجاجات للمطالبة بمحاسبة وطرد الموالين السابقين للنظام والمتورطين بارتكاب انتهاكات.

الاحتجاجات تمتد لحلب وريف دمشق

وشهدت أحياء السكري والشعار والشيخ سعيد وصلاح الدين والأنصاري في مدينة حلب، مظاهرات ليلية خلال اليومين الماضيين، طالبت بطرد من وصفوا بـ"الشبيحة". فيما شهدت تل رفعت بريف المحافظة توترات عقب ظهور شعارات موالية للنظام المخلوع على جدران مساجد ومدارس.

وفي ريف دمشق، انتشرت في مدينتي قارة والنبك، قصاصات ورقية تضمنت رسائل تحذيرية للمتورطين بانتهاكات في زمن النظام المخلوع، كما انسحب المشهد على مناطق متعددة بمناطق أخرى.

الداخلية السورية تدعو لـ"ضبط النفس"

وفي بيان صادر اليوم الاثنين، علقت وزارة الداخلية السورية على الأحداث في محافظة إدلب، وأكدت تفهمها "لمشاعر الغضب والألم"، لكنها شددت على أن "تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات مسؤولية تتولاها الدولة عبر مؤسساتها المختصة"، مشيرة إلى أنها "لن تتهاون أبداً بحق أي شخص يثبت تورطه في سفك الدماء".

ودعت الوزارة المحتجين الغاضبين إلى "التحلي بضبط النفس وعدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون"، قائلة إن حقوق الضحايا لن تضيع، وأن الأجهزة المعنية تتابع هذه الملفات بجدية.

"المحاسبة ركن في بناء الدولة"

ولاحقاً لبيان الداخلية السورية، عقد المتحدث باسمها نور الدين البابا مؤتمراً صحفياً -عصر اليوم الاثنين- في دمشق، شدد فيه على أن "المحاسبة ليست مطلباً شعبياً فحسب، بل هي التزام رسمي للدولة السورية الجديدة، وركن أساسي في مشروع بناء دولة القانون والمؤسسات".

وكشف المتحدث باسم الداخلية السورية خلال المؤتمر، أن إدارة مكافحة الإرهاب لديها 5 آلاف و989 موقوفاً، موزعين على عدة رتب عسكرية من عناصر النظام المخلوع.

وأضاف أن "الدولة السورية لم تتهاون منذ التحرير في ملاحقة المتورطين بالجرائم والانتهاكات"، مؤكداً رفض حكومته "أن تتحول المطالبة بالمحاسبة إلى ممارسات انتقامية، أو مسارات غير قانونية، أو اتهامات جماعية لا تستند إلى أدلة".

"حق مشروع ولا انتقام جماعي"

من جانبها، أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية اليوم، أن "حق الضحايا وذويهم في المطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة حق مشروع لا يمكن تجاوزه"، مشددة  في تصريح نشرته عبر معرفاتها الرسمية، على أن مسار العدالة الانتقالية يقوم على "مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة وفق الأصول القانونية".

كما شددت الهيئة على أن العدالة الانتقالية تستند إلى المسؤولية الفردية "ولا تقوم على مبدأ الانتقام والثأرية"، مؤكدة أن "العقاب الجماعي يتعارض مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان ويقود إلى إنتاج مظالم جديدة بدلاً من معالجتها".

تحذيرات من "فجوة ثقة"

بدوره، دعا الحقوقي والصحفي السوري عمر إدلبي إلى الوقوف عند مؤشرات الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في عدة محافظات سورية، وما تخللها من حوادث أمنية، مشيراً إلى أنها تفرز "فجوة في الثقة" بين المواطنين -وبالأخص ذوي الضحايا- وبين الحكومة والمؤسسات المعنية بمسار العدالة الانتقالية، وعلى رأسها وزارة العدل ووزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.

إعلان

وقال إدلبي، في تصريح لـ"سوريا الآن"، إن "الاحتجاجات ذات الطابع السلمي مطلوبة في ظل بطء مسار العدالة الانتقالية، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها"، محذراً في الوقت نفسه من أن الاحتجاجات التي تتخللها "تجاوزات على مؤسسات الدولة والقانون" قد تؤدي إلى مخاطر كبيرة "لو شاعت ثقافة أخذ الحق باليد أو عدالة الشارع"، واصفاً إياها بأنها "عدالة انتقامية وثأرية" تهدد السلم الأهلي وثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

"إحاطات دورية وإشراك ذوي الضحايا"

وشدد إدلبي على أن "الحكومة ومؤسساتها مطالبة بخطوات جدية لاحتواء هذا الغضب والشعور بالإحباط من ذوي الضحايا"، مقترحاً عدة إجراءات لردم فجوة الثقة، أبرزها:

  • تقديم إحاطات دورية تبرز الخطوات المنجزة على صعيد توقيف الجناة وتحويلهم للقضاء، وخطوات كشف الحقيقة.
  • إشراك المنظمات المعنية بذوي الضحايا في الخطوات التي أنجزتها الحكومة والتي تنوي العمل عليها، والاستماع لملاحظاتهم.
  • تقديم صورة واضحة عن المعيقات التي تقف دون إطلاق برامج جبر الضرر.
"العزل السياسي" لامتصاص الغضب

ودعا الحقوقي السوري إلى تطبيق "قانون العزل السياسي بشكل جدي، لمنع المشتبه بهم أو من أيدوا النظام المخلوع وجاهروا بذلك من المساهمة في تأجيج مشاعر الناس" عبر مشاركتهم في الفعاليات العامة أو توليهم مسؤوليات جديدة في الدولة الجديدة، معتبراً أن هذه "خطوات مهمة لامتصاص غضب السوريين".

وأضاف إدلبي أن من المهم تعاون الدولة مع المؤسسات الدولية المعنية بمسارات العدالة الانتقالية، لتجهيز برامج جبر الضرر التي تكفل لذوي الضحايا التعويضات وإعادة الاعتبار وتخليد الذكرى "بما يليق بتضحيات الشعب السوري ويمتص الكثير من الغضب الذي تختزنه الصدور بسبب بطء العدالة والمحاكمات".

من جهته، يرى قتيبة القطيط، وهو حقوقي سوري، أن "الحراك السلمي المتمثل بالمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات هو حق مشروع ووسيلة مهمة للتعبير عن مطالب الضحايا وأسرهم، وللتأكيد على أن ملف العدالة لا يمكن تأجيله أو تجاوزه".

واعتبر في تصريح لـ"سوريا الآن"، أن هذا "الحراك يسهم في إبقاء قضية المساءلة والإنصاف حية في الوعي العام، ويشكل عامل ضغط مشروع على المؤسسات المعنية للإسراع في اتخاذ خطوات جدية نحو العدالة الانتقالية".

لكنه حذر في الوقت نفسه، من "مخاطر الفوضى أو وقوع انتهاكات جديدة إذا غابت الضوابط القانونية والمؤسساتية. لذلك من الضروري أن يبقى الحراك ملتزماً بالسلمية وسيادة القانون، وأن يركز على المطالب الحقوقية الجامعة".

"رؤية وطنية تحظى بثقة المجتمع"

وحدد القطيط أسباب ما اعتبره "اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المعنية بالعدالة الانتقالية"، قائلاً إن "القصور الأساسي في بطء الإجراءات المتعلقة بكشف الحقيقة والمساءلة، وغياب رؤية وطنية واضحة ومعلنة للعدالة الانتقالية تحظى بثقة مختلف مكونات المجتمع. كما أن ضعف التواصل مع الضحايا وأسرهم، وعدم إشراكهم بصورة كافية في رسم السياسات المتعلقة بالعدالة والمصالحة، والشعور بالظلم، ساهم في اتساع فجوة الثقة".

وأضاف: "لا يزال هناك مجال لاحتواء حالة الاحتقان الحالية، لكن ذلك يتطلب خطوات عملية سريعة وليست مجرد وعود. وأهم هذه الخطوات: إعلان خطة زمنية واضحة للعدالة الانتقالية، وتعزيز استقلالية المؤسسات المعنية، وفتح قنوات حوار حقيقية مع ممثلي الضحايا ومنظمات المجتمع المدني، بما يعيد الثقة ويؤكد جدية الدولة في معالجة هذا الملف".



إقرأ المزيد