في شارع المتنبي.. دكان المليون قلم يحفظ هوية الخط العربي
الجزيرة.نت -

في زقاق متفرع من شارع المتنبي التاريخي باتجاه سوق السراي وسط بغداد، يلفت الانتباه دكان صغير تغطي جدرانه الأقلام المستخدمة المعلقة والمتراكمة بألوان وأشكال مختلفة. عند باب المحل، يتوقف الزوار لالتقاط الصور أو لتأمل المكان الذي يبدو أقرب إلى متحف شعبي منه إلى محل لبيع القرطاسية.

يجلس علي المندلاوي على أريكة قديمة تسع لشخصين داخل محل بالكاد يستطيع المرء الوقوف داخله، ليبدأ حديثه بحب عن رحلته التي انطلقت عام 1985 عندما كان يعمل ببسطة صغيرة في بغداد.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

يتحدث المندلاوي للجزيرة نت كيف أن علاقته بالقلم بدأت كمصدر رزق بسيط، لكنها تحولت مع السنوات إلى شغف ثم إلى جزء من هويته الشخصية، حتى بات كثير من رواد السوق يعرفونه بلقب "أبو المليون قلم"، ورغم أن العدد تجاوز المليون فإنه لا يريد إحصاء أقلامه، هو يطمح للمزيد وألا تتوقف لديه هذه العادة.

يتحسر المندلاوي على ما آلت إليه علاقة الأجيال الجديدة بالقلم (الجزيرة)

القلم ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو رسالة وحياة، وقلم الرصاص تحديداً يمثل الرابط الأول بين الإنسان والعالم

ويضيف أن القلم بالنسبة له ليس مجرد أداة للكتابة، بل "رسالة وحياة"، موضحاً أن قلم الرصاص تحديداً يمثل الرابط الأول بين الإنسان والعالم، لأنه الأداة التي يبدأ الطفل من خلالها التعلم والرسم واكتشاف الحياة، لافتاً إلى أن القلم رافق الإنسان بكل مراحله، من المدرسة إلى العمل، ومن خلاله صار الناس أطباء ومهندسين ومعلمين وكتاباً.

"كله بالحب"

وبينما يشير المندلاوي إلى رفوف مكتظة بأقلام قديمة ونادرة، يؤكد أن علاقته بالزبائن لم تقم على التجارة فقط، بل على المحبة والروابط الإنسانية التي صنعها داخل السوق. يقول إن كثيراً من الناس يأتون إلى هنا للحديث والجلوس أكثر من الشراء، لأن المكان بالنسبة لهم يحمل ذكريات.

وأثناء استرساله في الحديث، بدا عليه تحسر واضح على ما آلت إليه علاقة الأجيال الجديدة بالقلم، مشيراً إلى أن التكنولوجيا أثرت بشكل كبير في هذه العلاقة، بعدما انتقلت أغلب تفاصيل الحياة اليومية إلى الهواتف والأجهزة الذكية، فتراجعت الكتابة اليدوية لمصلحة الكتابة السريعة والجاهزة على الشاشات، ما انعكس على مهارة الخط وجودة التعبير المكتوب لدى الطلبة.

إعلان

ويشير إلى أن كثيراً من الطلبة اليوم باتت علاقتهم بالخط اليدوي ضعيفة نتيجة الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، الأمر الذي أفقد الكتابة شيئاً من حضورها ومهارتها، داعياً إلى إعادة إحياء دروس الخط والكتابة داخل المناهج الدراسية. ورغم ذلك، يؤكد أن القلم لم يفقد قيمته بالكامل، لأن الإنسان الحقيقي والخط الحقيقي لا يمكن أن تعوضهما البرامج الجاهزة.

أكثر من مليون قلم يحتفظ بها علي المندلاوي في دكانه الصغير في شارع المتنبي (الجزيرة)
القلم أداة تعبير الإنسان

في زاوية المحل وقفت أم رزان زوجة علي المندلاوي وتحدثت للجزيرة نت عن أثر هذا الشغف في تفاصيل حياتهم اليومية، مؤكدة أن المكان بالنسبة لها يتجاوز كونه محلاً، ليغدو مساحة تحمل قيمة معنوية وتراثية خاصة.

وتوضح أن القلم في نظر العائلة ليس مجرد أداة للكتابة، بل وسيلة تتسع للتعبير عن المشاعر والأفكار والرسم والخيال، وكأنه امتداد لما لا تستطيع الكلمات قوله مباشرة، فهو يحكي ما في داخل الإنسان، ويعبر من خلاله عن نفسه بالكلمات والرسم.

وتلفت إلى أن شغف زوجها بالأقلام انتقل لها، فهم يحتفظون بأعداد أكبر مما هو موجود في المحل داخل منزلهم، فيما تميل ابنتاهما رزان وإيلان إلى الرسم والفنون، متأثرتين بهذا عالم الذي نشأن فيه بين الحبر والورق والخيال.

المكان يستحق دخول التراث الإنساني

أحد زوار المكان كان الدبلوماسي عبد الكريم البصري دخل متأملاً الجدران المليئة بالأقلام القديمة، قبل أن يصف المكان بأنه "نقطة ارتكاز ثقافية" في بغداد.

يقول البصري للجزيرة نت إن محل المندلاوي لا يمثل مجرد مساحة لبيع الأقلام، بل متحفاً حياً يوثق جانباً من ذاكرة المدينة الثقافية، معتبراً أن المكان يستحق أن يكون ضمن خطط التوثيق الخاصة بمنظمة اليونسكو.

التكنولوجيا رغم تطورها لا تستطيع تعويض الإحساس المرتبط بالقلم والكتابة على الورق، فشغل اليد لا يمكن أن تعوضه البرامج

ويضيف أن قيمة المكان تكمن أيضاً في الأجواء الإنسانية التي يصنعها، فالمكان يجمع خطاطين ورسامين وشعراء وطلبة وحتى زواراً عاديين يبهرهم ما يشاهدونه، إذ يخرج زواره مبتسمين وهم يحملون شعوراً مختلفاً، بعيداً عن الماديات، لأن لكل قلم هنا حكاية.

وأشار البصري في حديثه إلى التغيرات التي طرأت على شارع المتنبي وسوق السراي مع التطور التكنولوجي وتراجع بعض الحرف التقليدية، إلا أن أماكن كهذه ما تزال تحافظ على جزء من ذاكرة بغداد الثقافية.

بدأت رحلة القلم في العراق منذ الحضارة السومرية، حين دون الإنسان أولى علامات الكتابة على الألواح الطينية (الجزيرة)
التكنولوجيا مقابل شغل اليد

في الزقاق نفسه، وقف الخطاط كمال المندلاوي ممسكاً بقصبة بردي مغموسة بالحبر الأسود، بينما كان يخط شعار قناة الجزيرة على ورقة بيضاء، في مشهد بدا كأنه محاولة لإثبات حضور القلم أمام هيمنة الشاشات.

يقول كمال للجزيرة نت إن التكنولوجيا رغم تطورها الكبير لا تستطيع تعويض الإحساس المرتبط بالقلم والكتابة على الورق، ويضيف أن الخط العربي انطلق أساساً من أدوات الخط اليدوي، قبل أن تنتقل أشكاله إلى التصميم الرقمي والبرامج الحديثة. ويرى أن الإقبال على الخطاطين تراجع بشكل واضح مع انتشار الطباعة والتكنولوجيا، معتبراً أن شغل اليد لا يمكن أن تعوضه البرامج.

إعلان

تمتد رحلة القلم في العراق منذ الحضارة السومرية، حين دون الإنسان أولى علامات الكتابة على الألواح الطينية مستخدماً القصب الذي شكل بداية التحول من الذاكرة الشفوية إلى التدوين المكتوب، فكانت تلك اللحظة الشرارة الأولى لفكرة القلم بوصفه أداة لحفظ المعرفة وتوثيق الحياة.

ومن تلك البدايات الأولى، لا تزال بعض المساحات الصغيرة في بغداد تحافظ على صلة حية بذلك الإرث، ومن بينها محل "علي المندلاوي" الذي أعاد التذكير بأن الأداة التي بدأت بقصب على طين سومري، ما تزال حاضرة اليوم بأشكال مختلفة، رغم كل ما أحدثته التكنولوجيا من تغير في طرق التواصل البشري.



إقرأ المزيد