الجزيرة.نت - 6/15/2026 5:07:01 PM - GMT (+3 )
بعد مرور 10 سنوات على الاستفتاء الذي أخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، تتزايد في الصحافة البريطانية والأوساط السياسية والاقتصادية التساؤلات حول حصيلة البريكست، وما إذا كانت البلاد تقترب من إعادة النظر في ذلك القرار التاريخي.
وبينما كان مؤيدو الخروج يعدون باستعادة سيادة البلاد وتحقيق نمو اقتصادي أكبر والتحرر من القيود الأوروبية، تشير مقالات وتحليلات حديثة إلى أن التشكيك في جدوى البريكست تصاعد، ومعه دعوات تنادي إلى بناء علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي وربما العودة إليه مستقبلا.
ويرى فيليب رايكروفت، المسؤول البريطاني السابق وأحد كبار الموظفين الذين أشرفوا على ملفات البريكست داخل الحكومة البريطانية، أن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أظهرت أن المكاسب المتوقعة من البريكست جاءت أقل بكثير من الوعود التي رافقت الحملة المؤيدة للمغادرة.
ويدعو في مقال نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية، إلى فتح نقاش جاد حول إعادة انضمام المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، مؤكدا أنه كان من مؤيدي الخروج سابقا، لكنه بات اليوم يرى أن العودة إلى الاتحاد قد تكون في مصلحة البلاد.
< h2 id="مكاسب-محدودة">مكاسب محدودة
وبرأي الكاتب، فإن المكاسب من القرار كانت محدودة، فقد استعادت بريطانيا سيادتها القانونية وقدرتها على اتخاذ قراراتها بعيدا عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي، لكن هذه الحرية خفضت آفاق النمو الاقتصادي البريطاني.
كما تبين أن الكثير من أسباب ضعف النمو -والتي أكد مؤيدو البريكست ارتباطها بعضوية الاتحاد الأوروبي- كانت مرتبطة أساسا بسياسات داخلية بريطانية ، مثل التدريب والبنية التحتية والتخطيط ودعم الابتكار، طبقا للكاتب.
ويشدد رايكروفت على أن أنصار العودة ينبغي أن يتحلوا بالصبر، ويركزوا على تقييم نتائج القرار بعيدا عن الشعارات السياسية، وإعلام البريطانيين بذلك.
إعلان
ويقول الكاتب إن التحولات الجيوسياسية والأمنية التي شهدتها أوروبا منذ عام 2016 تفرض على بريطانيا إعادة التفكير في موقعها داخل القارة، معتبرا أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان من مصلحة المملكة المتحدة البقاء خارج إطار التعاون الأوروبي على المدى الطويل.
< h2 id="ماذا-تقول-البيانات؟">ماذا تقول البيانات؟
وتتوافق هذه القراءة مع ما عرضه ريتشارد بارتينغتون، كبير مراسلي الاقتصاد في صحيفة غارديان ، الذي يرى أن الحصيلة الاقتصادية للبريكست أصبحت أكثر وضوحا، إذ تشير معظم المؤشرات الاقتصادية إلى أن البلاد أصبحت أفقر مما كانت ستكون عليه لو بقيت داخل التكتل الأوروبي.
ومن أبرز المؤشرات التي يوردها المقال تراجع قيمة الجنيه الإسترليني. فبعد أن كان يقترب من 1.50 دولار و1.31 يورو في يونيو/حزيران 2016، يبلغ اليوم نحو 1.34 دولار و1.15 يورو فقط.
أما على صعيد النمو الاقتصادي، فيستعين الكاتب بدراسة أعدها الخبير الاقتصادي نيك بلوم من جامعة ستانفورد الأمريكية، خلصت إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد أصبح أقل بنسبة تتراوح بين 6% و8% مقارنة بالسيناريو الذي كانت ستبقى فيه بريطانيا عضوا في الاتحاد الأوروبي.
ويركز المقال أيضا على تراجع التجارة والاستثمار، إذ فرض بريكست قيودا حدودية وإجراءات بيروقراطية أبطأت نمو صادرات السلع، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا.
ويشير الكاتب إلى أن قيمة الصادرات البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2025، بلغت 41% من إجمالي الصادرات، بينما بلغت الواردات 49%.
كما يلفت الكاتب إلى أن حالة عدم اليقين السياسي التي أعقبت الاستفتاء أدت إلى تجميد خطط الشركات الاستثمارية لسنوات.
وتشير التقديرات إلى أن حجم الاستثمار أصبح أقل بنحو 18% مما كان سيكون عليه في حال البقاء داخل الاتحاد، بينما تراجعت الإنتاجية بما يصل إلى 4%، فيما أصبحت مستويات التوظيف أقل بنحو 3% إلى 4% من السيناريو البديل.
وعلى مستوى سوق العمل، يوضح التقرير أن الأجور الحقيقية شهدت سنوات طويلة من الجمود، في حين أصبحت معدلات التوظيف أقل بنسبة تتراوح بين 3% و4% مقارنة بالسيناريو البديل. كما تجاوز عدد الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريبا مليون شخص، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013.
< h2 id="ماذا-تقول-استطلاعات-الراي؟">ماذا تقول استطلاعات الرأي؟
وفي مقال بعنوان "عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مسألة وقت لا أكثر"، يؤكد خبير الشؤون الاقتصادية الأوروبية في صحيفة فايننشال تايمز مارتن ساندبو، أن عودة بريطانيا للاتحاد الأوروبي حتمية، نظرا لفشل الانفصال اقتصاديا وسياسيا، وتزايد الرفض الشعبي له، وغياب أي بدائل عملية مقبولة خارج التكتل.
إعلان
ويستشهد ساندبو باستطلاعات الرأي التي تظهر أن الناخبين البريطانيين يعتقدون بنسبة 57% مقابل 30% أن مغادرة الاتحاد الأوروبي كانت قرارا خاطئا، بينما تؤيد أغلبية واضحة إقامة علاقة أوثق مع أوروبا، بل إن 56% يؤيدون إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ويرى الكاتب أن التوقع الذي طرحه بعد استفتاء البريكست عام 2016 بدأ يتحقق تدريجيا، إذ كان قد حذر آنذاك من أن بريطانيا ستفقد مقعدها على طاولة صنع القرار الأوروبي، لكنها ستظل خاضعة لتأثير القرارات الأوروبية، وتوقع أن يدفع ذلك البلاد في نهاية المطاف إلى التفكير في العودة إلى الاتحاد الأوروبي.
ويشير بداية لدعم نظريته إلى أن بريطانيا لم تنل "السيادة الكاملة" كما زعم دعاة الانفصال، بل أصبحت "تحت رحمة قوانين الاتحاد الأوروبي" دون أن يكون لها صوت في صياغتها.
والدليل -برأيه- هو أن الحكومة البريطانية تبنت تشريعات تطابق القوانين الأوروبية في مجالات عدة مثل التجارة والأمن والعقوبات ضد روسيا.
ويذكر المقال أيضا محاولة الحكومة البريطانية مؤخرا عرض فكرة الدخول في "سوق أوروبية مشتركة للسلع فقط"، وهو نفس المقترح الذي قدمته رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي قبل 8 سنوات، وقوبل الطلب بالرفض من قبل بروكسل مجددا.
هذا التكرار يثبت -حسب الكاتب- أن الجغرافيا والاقتصاد يفرضان على أي حكومة بريطانية الاستنتاج ذاته، وهو حتمية التقارب من أوروبا.
استنتاجاتويخلص الكاتب إلى أن مستقبل العلاقات البريطانية الأوروبية ينحصر في مسارين: إما استمرار الوضع الحالي مع بعض التقارب المحدود، أو العودة الكاملة إلى الاتحاد الأوروبي.
وبالنظر إلى تزايد السخط الشعبي من نتائج البريكست، فإنه يعتقد أن خيار إعادة الانضمام قد يصبح في النهاية المسار الأكثر جاذبية سياسيا واقتصاديا لبريطانيا.
وتشير هذه القراءات الثلاث مجتمعة إلى أن البريكست لم يؤد إلى الانهيار الاقتصادي الفوري الذي توقعه بعض معارضيه، لكنه أيضا لم يحقق الوعود الاقتصادية والسياسية التي أكدها مؤيدوه.
وبينما تتزايد المؤشرات على تراجع التأييد الشعبي للخروج وارتفاع الرغبة في التقارب مع أوروبا، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت بريطانيا ستكتفي بإعادة بناء شراكة أقوى مع الاتحاد الأوروبي، أم أن السنوات المقبلة ستشهد بداية مسار سياسي طويل نحو العودة الكاملة إلى التكتل الذي غادرته قبل عقد من الزمن.
إقرأ المزيد


