هل تثق في خطة غذائية يكتبها لك روبوت؟.. ما لا يعرفه الذكاء الاصطناعي عن جسدك
الجزيرة.نت -

في السابق كان الحصول على خطة غذائية يتطلب زيارة أخصائي تغذية، والجلوس لشرح العادات اليومية والتاريخ المرضي وأهداف فقدان الوزن أو تحسين الصحة. اليوم وفي جداول مزدحمة بالعمل والمواعيد ومحاولات الالتزام بالرياضة، بات الذكاء الاصطناعي قادرا خلال ثوان على اقتراح برامج غذائية كاملة وحساب السعرات الحرارية وتقديم بدائل للوجبات، بل ومتابعة التقدم اليومي للمستخدم.

تبدو هذه الروبوتات كأنها "أخصائي تغذية في الهاتف"، تقدم حلولا سريعة وفي المتناول لمشكلات معقدة أحيانا، وتمحو تدريجيا الخط الفاصل بين النصائح العامة والاستشارة الغذائية العلاجية. ومع تزايد الاعتماد على هذه الأدوات الرقمية، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن الوثوق بالنصائح الغذائية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي أم أن صحتنا ما زالت بحاجة إلى العين البشرية والخبرة المهنية؟

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
طبيب لم يُعتمد بعد

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على تقديم نصائح غذائية أولية جيدة، لكنه يجد صعوبة كبيرة في مراعاة التاريخ المرضي وأسلوب الحياة والاحتياجات الفردية. الذكاء الاصطناعي أداة قوية بالفعل، لكنها لا تعوض خبرة أخصائي التغذية الذي يمتلك القدرة على الفحص السريري وفهم السياق البشري.

في النهاية لا يعطي أخصائي التغذية توصيات عامة فحسب، بل يحلل عدة عوامل قبل أن يقترح نظاما معينا: التاريخ المرضي والأدوية ونمط العمل والحركة والنوم ودرجة التوتر وعادات الأكل وما إذا كان الشخص يدخن أم لا، أما الذكاء الاصطناعي فلا يقيم حالتك الشخصية بهذا العمق.

إذا طلبت من روبوت أن يضع لك خطة لفقدان 3 كيلوغرامات في الأسبوع، فسيتعامل مع الطلب كما هو ويقترح نظاما يحقق الهدف. ورغم أن فقدان الوزن الصحي يتراوح عادة بين 0.5 و1 كيلوغرام أسبوعيا، فإنه كثيرا ما يكتفي بالتنبيه إلى ذلك في سطر جانبي أو ملاحظة في نهاية المحادثة. أما الطبيب وأخصائي التغذية فلديهما مسؤولية أخلاقية ودرجة من التعاطف تجعل طريقة تعاملهما مع الطلب مختلفة تماما.

في الأغلب لن يحل الذكاء الاصطناعي محل أخصائي التغذية، لكنه سيغير طبيعة عمله (شترستوك)

تشير دراسة نشرتها مجلة "نيوترينتس" عام 2024 إلى أن الذكاء الاصطناعي قدم إرشادات غذائية "جيدة إلى حد ما" لبعض المصابين بالأمراض غير السارية، لكن دقتها تراوحت بين 55 و73% في حالات مثل مرض الكبد الدهني. أما حين طُلب من الروبوت تقديم إرشادات لأشخاص يعانون أكثر من مرض واحد -مثل السكري ومرض الكلى معا- ظهرت نصائح متناقضة وغير مناسبة.

إعلان

مع ذلك، يتطور الذكاء الاصطناعي بسرعة ليصبح مصدرا مهما للمعلومات الغذائية العامة. دراسة أخرى نشرتها مجلة "جورنال أوف نيوتريشن آند ميتابوليزم" عام 2023 تشير إلى أن أداء بعض النماذج يعادل الأداء البشري عندما يتعلق الأمر بالنصائح العامة، خاصة لمن لا يستطيعون تحمل تكلفة زيارة أخصائي تغذية لعلاج السمنة مثلا، إضافة إلى أن الحصول على إجابة فورية في أي وقت يظل ميزة يتفوق بها الذكاء الاصطناعي على البشر.

في الأغلب لن يحل الذكاء الاصطناعي محل أخصائي التغذية، لكنه سيغير طبيعة عمله: يتولى الإجابة عن الأسئلة الروتينية والشائعة، بينما يحرر وقت المتخصصين للتعامل مع الحالات المعقدة، ويدفع في الوقت نفسه نحو تمكين المستخدمين وزيادة مشاركتهم في العناية بصحتهم.

أخطاء ليست هيّنة أبدا

بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز ، طلب شاب في الثلاثينيات من روبوت ذكاء اصطناعي مساعدته في وضع نظام غذائي لفقدان الوزن، فاقترح عليه حمية الكيتو التي تعتمد على دهون عالية وكربوهيدرات قليلة. بعد أسابيع من اتباع الحمية، تذكر الشاب أن طبيبه نصحه سابقا بالحد من البروتينات الحيوانية بسبب إصابته بحصوات الكلى. عندما أدخل هذه المعلومة في المحادثة طلب منه الروبوت التوقف فورا عن حمية الكيتو، لكن ذلك حدث بعد أن كان الضرر المحتمل قد بدأ.

الخلل هنا بسيط في ظاهره لكنه جوهري: الذكاء الاصطناعي لم يسأله منذ البداية عن تاريخه المرضي، فهو لا يعرف ما لا يُكتب له صراحة، ولا يستطيع إجراء تقييم سريري كما يفعل الطبيب.

في دراسة أخرى نشرتها مجلة "فرونتيرز إن نيوتريشن" ، طُلب من عدة نماذج ذكاء اصطناعي وضع أنظمة غذائية لمجموعة افتراضية من المراهقين الذين يعانون من السمنة. أعدت الروبوتات قوائم طعام تحتوي في المتوسط على 700 سعرة حرارية أقل مما وضعه أخصائيو التغذية للمجموعة نفسها. هذا الفارق الكبير يعني أنه لو اتبع هؤلاء المراهقون تلك الأنظمة على المدى الطويل، فقد يتعرضون لخطر اضطرابات الأكل وسوء التغذية بدلا من فقدان الوزن بشكل صحي.

الذكاء الاصطناعي لا يضع المعرفة الطبية في سياق إنساني واجتماعي معقد (غيتي)
ما الذي يخطئ فيه الذكاء الاصطناعي غذائيا؟

يمكن تلخيص أبرز مشكلات الخطط الغذائية التي يضعها الذكاء الاصطناعي في النقاط الآتية:

  • لا يتعرف جيدا على الحالات التي تعاني من سوء تغذية، وقد يقدم نصائح تزيد المشكلة سوءا.
  • لا يفحص حساسية الطعام أو أنماط اضطرابات الأكل، ولا يقرأ لغة الجسد أو يلتقط إشارات الخطر كما يفعل الطبيب في العيادة.
  • قد يوصي بكميات عالية من البروتين لشخص مصاب بمرض الكلى أو مشاكل في الكبد، بما يسبب مخاطر صحية حقيقية.
  • لا يضع المعرفة الطبية في سياق إنساني واجتماعي معقد، بل يعتمد على أنماط لغوية وتخمينات مستخلصة من البيانات التي تدرب عليها.
  • يميل أحيانا إلى وضع أنظمة صارمة بلا داع، أو ذات سعرات منخفضة جدا، خاصة لمن يطلبون نتائج "سريعة".
  • ينتج أحيانا معلومات تبدو دقيقة لكنها مخترعة أو غير موثقة، فيما يعرف بـ "هلوسة" الذكاء الاصطناعي (Hallucinate).

هذه الأخطاء لا تعني أن كل ما يقوله الذكاء الاصطناعي خاطئ، لكنها تذكرنا بأنه ليس طبيبا شخصيا ولا أخصائي تغذية معتمدا، بل أداة يجب استخدامها بحذر.

ينصح الخبراء باستخدام الذكاء الاصطناعي ضمن حدود واضحة مثل طلب تفسير مبسط للملصقات الغذائية (أسوشيتد برس)
كيف تستخدمه في التغذية بذكاء؟

في أيام المحاضرات المزدحمة أو بعد يوم طويل في العمل وقبل الذهاب إلى النادي، قد يكون روبوت الذكاء الاصطناعي الخيار الأقرب للحصول على فكرة سريعة عن "وجبة مثالية" أو بديل صحي لطبق مفضل.

إعلان

مقال نشره موقع "ديلي أورانج" يشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي في مجال التغذية تتطور بسرعة، لكن قدراتها لا تزال متفاوتة. فهي قادرة على شرح مبادئ النظام الغذائي المتوازن، لكنها ليست مجهزة للتعامل مع الأمراض المعقدة أو الحالات الحساسة.

بصورة عامة، ينصح الخبراء باستخدام الذكاء الاصطناعي في التغذية ضمن حدود واضحة، من بينها:

  • طلب تفسير مبسط للملصقات الغذائية على الأطعمة.
  • الحصول على أفكار متنوعة للوجبات الصحية، أو اقتراح بدائل أقل في السعرات لوجبات معتادة.
  • استكشاف خيارات جديدة للطعام، وفهم الفروق بين البدائل مثل أنواع الدهون أو مصادر البروتين.
  • استخدامه كنقطة بداية للمعلومة لا كنقطة نهاية؛ أي سؤال الروبوت عن المصادر، ثم التحقق من أنها جهات علمية موثوقة.
  • عدم الاعتماد عليه في وصف مكملات غذائية أو جرعاتها، أو في وضع خطط علاجية لحالات مرضية معقدة.
  • تجربة طرح الأسئلة نفسها على أكثر من روبوت أو أداة؛ اختلاف الإجابات إشارة إلى أن هناك ما يستحق البحث والتحقق، وأن الاعتماد على إجابة واحدة فقط قد يكون مضللا.

يبقى الذكاء الاصطناعي، في أفضل الأحوال، "مساعدا غذائيا رقميا" يقدم معلومات عامة وأفكارا أولية، لا بديلا عن أخصائي تغذية يرى المريض ويسأله ويفهم تاريخه الصحي وحياته اليومية قبل أن يكتب له نظاما غذائيا قد يؤثر في صحته لسنوات.



إقرأ المزيد