أسرار جديدة في حزام الكويكبات.. أقمار غريبة تتشكل عبر أجيال متعاقبة
الجزيرة.نت -

Published On 14/6/2026

منذ انطلاق مهمة "لوسي" (Lucy) الفلكية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عام 2021 لدراسة الكويكبات البدائية، يسعى العلماء إلى استكشاف الأجسام التي تحتفظ بسجل شبه كامل لبدايات النظام الشمسي.

وخلال تحليق المركبة بالقرب من الكويكب "دينكينيش" (Dinkinesh) عام 2023، اكتشفت قمرا صغيرا غير مألوف يدعى "سِلام" (Selam) يتميز بتركيب يشبه جسمين ملتحمين في كيان واحد.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وقد أثار هذا الاكتشاف اهتمام الباحثين لأنه لا ينسجم بسهولة مع التصورات التقليدية لتشكل أقمار الكويكبات، مما فتح الباب أمام إعادة النظر في الكيفية التي تتطور بها هذه الأنظمة الصغيرة عبر الزمن.

صورة تخيلية لاندماج قمرين بطيئي الحركة أثناء دورانهما حول كويكبهما الأم (ديلي غالاكسي)

وتشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) إلى أن بعض أقمار الكويكبات قد تكون نتاج سلسلة طويلة من الأحداث المتعاقبة، وليس نتيجة عملية تشكل واحدة فقط. فمع مرور ملايين السنين يمكن أن تتكون أقمار جديدة بينما تهاجر أقمار أقدم إلى مدارات أبعد، لتنشأ بينها تفاعلات واندماجات تعيد تشكيل النظام بأكمله.

وتوفر هذه النتائج تفسيرا محتملا للأشكال والمدارات غير المألوفة التي رصدتها البعثات الفضائية الحديثة، كما تعزز أهمية مهمة "لوسي" في كشف التاريخ الديناميكي الخفي للأجسام الصغيرة التي ساهمت في بناء النظام الشمسي كما نعرفه اليوم.

الكويكبات قد تنجب أقمارا عبر أجيال متعاقبة

استخدم الباحثون نماذج حاسوبية متقدمة لمحاكاة تطور الكويكبات الركامية، وهي أجسام تتكون من تجمعات صخرية مفككة نسبيا. وأظهرت النتائج أن الكويكب لا يمر بحدث واحد فقط من فقدان المواد، بل قد يشهد عدة عمليات قذف كتلي دوراني خلال ملايين السنين، وفي كل مرة تتكون مواد جديدة يمكن أن تتحول إلى أقمار جديدة.

ومع مرور الزمن قد تبتعد الأقمار الأقدم عن الكويكب الأم بفعل التأثيرات المدية أو التأثيرات الحرارية، لتصبح في مدارات أبعد. وعندما تتشكل أقمار جديدة لاحقا تبدأ بالتفاعل مع الأقمار القديمة، مما يفتح الباب أمام سلسلة معقدة من التصادمات والاندماجات.

بسبب وجود قمر يدور حول كويكب، تتأثر المخلفات حوله ليولد منها أقمار جديدة (نيتشر كوميونيكيشنز)

وقد اعتمد العلماء على محاكاة ديناميكية من نوع "محاكاة متعددة الأجسام" (N-body simulation) لدراسة هذه التفاعلات، وكشفت النماذج وجود ثلاثة أنماط رئيسية لتطور أنظمة الكويكبات الثنائية.

إعلان

ويُعد أكثر هذه الأنماط إثارة ما أطلق عليه الباحثون "نظام التفاعل"، حيث يتواجد قمر قديم في مدار متوسط المسافة بينما تتكون أقمار جديدة بالقرب من الكويكب، وفي هذه الحالة يمكن أن تحدث تصادمات منخفضة السرعة أو عمليات تفكك مدّي أو حتى تشتيت جاذبي.

ويرى الباحثون أن هذا السيناريو يفسر بصورة طبيعية تشكل القمر "سلام"، الذي يبدو وكأنه جسمان صغيران التحما ببطء حتى أصبحا جسما واحدا ذا فصين متصلين.

ظاهرة أوسع انتشارا مما كان متوقعا

لم تقتصر النتائج على نظام "دينكينيش" فقط، بل أشارت الدراسة إلى أن عددا من الكويكبات الأخرى قد يحمل تاريخا مشابها. ومن بين الأمثلة أنظمة الكويكبات الثلاثية: الكويكب "2001 إس إن-263" (2001 SN-263) و "بالام" (Balam)، التي قد تكون نتاج أجيال متعددة من الأقمار.

كما لفت الباحثون إلى وجود دلائل مشابهة لدى بعض الكويكبات النشطة مثل مذنب "بان ستارز 311 بي" (Pan-STARRS 311P) التي تقذف مواد من سطحها بصورة متكررة.

والأكثر إثارة أن الدراسة تشير إلى أن نحو 44% من أنظمة الكويكبات الثنائية المعروفة قد تحمل بصمات هذا التاريخ متعدد الأجيال، مما يعني أن الظاهرة ليست استثناء نادرا بل جزءا أساسيا من تطور كثير من الأجسام الصغيرة في النظام الشمسي.

يكشف هذا الاكتشاف أن الكويكبات ليست مجرد صخور جامدة تدور بصمت حول الشمس، بل عوالم ديناميكية تشهد تاريخا طويلا من الولادة والتغير والتفاعل، وكلما اقتربت مركباتنا الفضائية من هذه الأجسام الصغيرة، اكتشفنا أن الطبيعة أكثر إبداعا وتعقيدا مما تخيلناه.

إن فهم كيفية تشكل الأقمار والكويكبات لا يساعدنا فقط على معرفة ماضي النظام الشمسي، بل يذكرنا أيضا بأن العلم رحلة مستمرة لكشف القصص الخفية المكتوبة في أقدم أجرام الكون.



إقرأ المزيد