الجزيرة.نت - 6/12/2026 8:39:16 PM - GMT (+3 )
قبل أن يصبح الحمام جزءا مألوفا من المشهد الحضري الحديث، ويرتبط في أذهان كثيرين بالتقاط بقايا الطعام في الشوارع وحاويات النفايات، كان هذا الطائر يحظى بمكانة وأهمية أكبر لدى الإنسان مما توحي به صورته المعاصرة.
وتكشف دراسة جديدة نُشرت مؤخرا في دورية أنتيكويتي (Antiquity)، أن العلاقة بين البشر والحمام بدأت في وقت أبكر بكثير مما كان يُعتقد سابقا، فقد أظهرت تحليلات لعظام عُثر عليها في موقع أثري بقبرص أن هذه الطيور كانت على الأرجح مستأنسة أو في طريقها إلى الاستئناس بحلول عام 1400 قبل الميلاد تقريبا.
وتشير النتائج إلى أن الأدلة المباشرة على استئناس الحمام الشائع، المعروف أيضا باسم الحمام الصخري، تعود إلى فترة أقدم بنحو 1000 عام مما كان معروفا من قبل، ما يسلط الضوء على عمق العلاقة التي جمعت هذه الطيور بالبشر عبر التاريخ، ويتحدى الصورة الشائعة التي تنظر إلى الحمام باعتباره مجرد طائر انتهازي يعيش في المدن الحديثة.
تاريخ غامض لطائر مألوف
يعد الحمام الصخري من أكثر الطيور ارتباطا بالبشر عبر التاريخ. فقد استُخدم -حتى وقت ليس ببعيد نسبيا- لنقل الرسائل لمسافات طويلة، ومصدرا للحوم والأسمدة، ورباه الناس كحيوان أليف، واستفادوا من فضلاته بوصفها سمادا زراعيا.
ويشير الباحثون إلى أنه هذا الطائر كان على الأرجح من أوائل الطيور التي دخلت المجال المعيشي للإنسان. كما اكتسب مكانة رمزية في العديد من الحضارات والثقافات والأديان، وظهر في النصوص الدينية والأساطير القديمة بوصفه رمزا للآلهة أو السلام أو الخصوبة.
وتقول عالمة الآثار الحيوية في جامعة غرونينغن الهولندية أندرسون كارتر: "فكرة الارتباط العميق بين الإنسان والحمام ليست جديدة تماما، فثمة رسومات ونقوش للحمام تعود إلى نحو 4500 قبل الميلاد في كل من مصر والعراق، إلا أنه لا يمكن الجزم من خلال هذه التصويرات وحدها ما إذا كانت الطيور المدونة فيها مستأنسة أم لا".
إعلان
وتضيف الباحثة الرئيسية في الدراسة، في حديثها للجزيرة نت، أنه "على نحو أقدم من ذلك، كان البشر وإنسان نياندرتال يستغلون الحمام بوصفه مصدرا غذائيا متاحا. وتوجد أدلة أثرية تشير إلى أن إنسان نياندرتال والإنسان العاقل المبكر ربما استغلوا هذه الطيور كمصدر للغذاء، وتركوا بقايا عظامها في كهوف جبل طارق قبل نحو 67 ألف عام".
ورغم هذا التاريخ الطويل من التعايش بين البشر والحمام، لا يزال توقيت ومكان وكيفية بداية عملية الاستئناس من القضايا غير المحسومة علميا.
وتعتقد كارتر أن "الحمام سلك ما يُعرف بالمسار التعايشي نحو التدجين، أي أنه بدأ على الأرجح بالتردد على المستوطنات البشرية للاستفادة من مصادر الغذاء وفرص التعشيش التي وفرتها المباني البشرية، قبل أن يبدأ الإنسان لاحقا في تربيته بشكل مقصود".
وتشير إلى أن "التدجين الأولي للحمام حدث في منطقة البحر المتوسط وغرب آسيا وبلاد الشام، وهو ما كانت قد أشارت إليه دراسات سابقة اعتمدت على تحليل الحمض النووي للحمام، لكن الدراسة الحالية ترجع تاريخ التدجين إلى ما قبل التقديرات السابقة بنحو 1000 عام".
وحتى وقت قريب، كان الدليل المباشر الوحيد على وجود حمام مستأنس يأتي من موقع نيا هيلوس الذي يعود إلى العصر الهلنستي في اليونان، حيث عُثر على تجمع عظمي للحمام وأبراج حمام قبل نحو 2300 عام، لكن هذه ليست أدلة قاطعة.
في مدينة هالا سلطان تكه الساحلية، الواقعة في قلب النطاق الأصلي لانتشار الحمام في شرق البحر المتوسط، والتي ازدهرت بين عامي 1650 و1150 قبل الميلاد، خلال العصر البرونزي المتأخر، في جنوب شرق قبرص، عُثر على ما يُقدر بنحو 55 فردا من الحمام الصخري، وهو عدد يفوق بكثير ما سُجل في المواقع الأثرية الأقدم.
واعتمدت كارتر وفريقها على تقنيات علم آثار الحيوان (زوو-أركيولوجي) لمعرفة ما إذا كانت هذه الطيور برية بالكامل أم خاضعة لإدارة بشرية أو واقعة في منطقة وسطى بين الحالتين. كما استخدموا تحليل النظائر المستقرة لدراسة طبيعة الغذاء الذي كانت تتناوله.
وبحسب كارتر، أظهرت النتائج أدلة قوية على وجود تدخل بشري مباشر، فقد تبين أن هذه الطيور كانت تتغذى على النظام الغذائي نفسه تقريبا الذي اعتمده سكان قبرص آنذاك، بما في ذلك استهلاك الحبوب والبذور، وربما مصادر غذائية ذات أصل حيواني.
ويقدم هذا التشابه الغذائي أحد أوضح الأدلة حتى الآن على وجود علاقة أكثر تعقيدا وتنظيما بين الطرفين، تتجاوز مجرد الصيد أو الاستفادة العرضية من الطيور البرية.
كما كشفت التحليلات أن الطيور كانت تعتمد على نطاق غذائي ضيق ومتشابه بشكل لافت، ما يشير إلى أن البشر كانوا يوفرون الطعام لها بصورة مباشرة، أو أنها كانت تعيش بالقرب منهم بدرجة كبيرة تسمح لها بالاعتماد على بقايا الطعام الناتجة عن أنشطتهم اليومية.
ومن بين الاكتشافات المهمة أيضا العثور على عظام لفراخ حمام صغيرة لم تكن قد بلغت مرحلة النضج الكامل، ما يدل على أن الطيور كانت تعيش وتتزاوج داخل الموقع نفسه. ويبدو هذا الاستنتاج منطقيا، فالحمام الصخري يفضل بطبيعته التعشيش في المنحدرات الصخرية والشقوق المرتفعة.
إعلان
وترى كارتر أن "العمارة الحضرية القائمة على المباني الحجرية ذات الجدران العمودية وفرت بيئة تشبه موائل التعشيش الطبيعية للحمام، ما سمح له بالاستقرار والتكاثر داخل المدن".
وتضيف الباحثة أنه "مع مرور الوقت اكتسب الحمام أهمية ثقافية ودينية في العديد من المجتمعات والطقوس، الأمر الذي دفع البشر إلى الاحتفاظ به وإدارته بصورة أكثر فاعلية، ما عزز ارتباطه بالمجتمع البشري".
أكثر من مجرد مصدر للغذاء
لم تتوقف الأدلة عند حدود التغذية والتكاثر، فقد عثر الباحثون على عظام حمام تحمل آثار احتراق واضحة.
والأهم من ذلك أن هذه العظام وُجدت مدفونة -يُعتقد أنها بقايا ولائم بشرية- داخل أماكن مخصصة للطقوس والشعائر.
ويرجح الباحثون أن هذا النمط يشير إلى احتمال التخلص من المخلفات بعد استهلاك الطيور، أو ربما أُحرقت كجزء من القرابين أو الممارسات الشعائرية.
وفي كلتا الحالتين، فإن طريقة دفن العظام وموقع العثور عليها داخل حفر مغطاة ضمن مساحة طقسية تشير إلى أن الأمر كان مقصودا ومنظما، وليس نتيجة تخلص عشوائي من النفايات.
إعادة النظر في صورة الحمام الحديثةتعتقد كارتر أن "قصة الحمام تمثل نموذجا جيدا لفهم تاريخ الأنواع الأخرى المتكيفة مع البيئات البشرية. فقصته لا تختلف كثيرا عن قصة الجرذان أو الفئران أو العديد من الأنواع الأخرى، فقد انجذبت إلى الغذاء والمأوى اللذين وفرهما البشر، ثم رافقتهم في انتشارهم حول العالم".
لكن الفارق -كما تقول- أن الحمام كان يتمتع في الماضي بسمعة أفضل بكثير، وهو ما يجعل قصته أكثر مأساوية بعض الشيء. فعلى خلاف بعض الأنواع المشابهة، جرى تشجيع اعتماده على البشر بصورة مقصودة من خلال التربية والإدارة البشرية، قبل أن يُنظر إليه لاحقا باعتباره نوعا مزعجا وغير مرغوب فيه.
وتمثل هذه النتائج تحولا مهما في طبيعة العلاقة المبكرة بين الإنسان والحمام، وتكمن أهميتها في أنها تغير الإطار الزمني المعروف لاستئناس هذا الطائر، إذ تدفع تاريخ هذه العلاقة الوثيقة إلى فترة أسبق مما كان معروفا سابقا.
وتسلط الدراسة الضوء أيضا على حقيقة مهمة في علم تطور العلاقة بين الإنسان والحيوان، وهي أن الاستئناس لا يحدث فجأة أو بقرار واحد، بل يمثل عملية طويلة ومعقدة تتكيف خلالها الأنواع تدريجيًا مع البيئات البشرية عبر أجيال متعاقبة.
ويشير هذا الاكتشاف إلى أن الحمام قد يكون في الواقع أحد أقدم رفقاء البشر، وشاهدا حيا على تاريخ طويل من التفاعل المشترك بين الإنسان والكائنات التي شاركته المساحات المعيشية وبناء الحضارة، ما يفسر استمرار وجوده بالقرب من الناس حتى اليوم.
وتأمل كارتر في النهاية أن تسهم هذه النتائج في تغيير الطريقة التي نتعامل بها مع الحمام والأنواع الأخرى، وكذلك إعادة النظر إلى هذا الطائر، ليس باعتباره مجرد آفة حضرية ومصدر إزعاج في المدن الحديثة وطائرا انتهازيا يعيش على بقايا الطعام في الشوارع، بل كجزء دائم ومؤثر من الحياة اليومية.
إقرأ المزيد


