7 ملايين مشجع و104 مباريات.. هل يواجه مونديال 2026 خطر العدوى؟
الجزيرة.نت -

يُتوقع أن يشهد كأس العالم 2026 تدفقا جماهيريا ضخما، إذ تشير أعداد التذاكر التي خصصها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" إلى حضور قد يصل إلى 7 ملايين مشجع، يتنقلون بين 16 مدينة في 3 دول هي الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، على مدار 39 يوما، خلال الفترة من 11 يونيو/حزيران إلى 19 يوليو/تموز، لمتابعة 104 مباريات بمشاركة 48 منتخبا.

لكن هذا الحدث الرياضي العالمي لا يقتصر على متعة مشاهدة كرة القدم ونجومها الكبار، إذ تفرض التجمعات البشرية الواسعة أسئلة صحية مهمة بشأن احتمالات انتقال العدوى وانتشار بعض الأمراض، خاصة مع كثافة السفر والتنقل والازدحام في المطارات والملاعب ووسائل النقل والفنادق.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

الجزيرة نت تحدثت مع الأستاذ الدكتور عبد الله سامي، الأستاذ المساعد بمركز أبحاث كلية الطب بجامعة عين شمس، حول أبرز المخاطر الصحية خلال كأس العالم وسبل الوقاية منها.

ملعب مكسيكو سيتي الذي شهد افتتاح المباراة الأولى في كأس العالم (فانتور)
متى تبدأ مخاطر انتقال العدوى بين جماهير كأس العالم؟

يؤكد علماء الأوبئة أن رحلة العدوى لا تبدأ عند بوابة الملعب، بل قبل ذلك بكثير. فمنذ اللحظة التي يغادر فيها المشجع مطار بلده، يدخل في سلسلة متواصلة من نقاط التماس التي يصفها الباحثون بأنها "شبكة مترابطة من فرص انتقال العدوى".

وتبدأ هذه النقاط من صالات المطارات المزدحمة، وطوابير الجوازات والجمارك، والمراحيض المشتركة، ثم تمتد إلى الطائرة، حيث يتشارك الركاب هواء محدودا لساعات طويلة.

وبعد الوصول، تتواصل المخاطر في وسائل النقل، والفنادق، والمصاعد، والمطاعم، والمساحات العامة، وصولا إلى الملاعب بما فيها من مدرجات وممرات ومناطق بيع الطعام ودورات مياه.

ما أخطر الأمراض التي قد تنتقل بين الجماهير؟

يمكن تقسيم الأمراض ذات الأولوية في التجمعات الجماهيرية الكبرى إلى ثلاث فئات رئيسية:

أولا: الأمراض التنفسية

تمثل الأمراض التنفسية، وفق تقارير منظمة الصحة العالمية ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، التهديد الأبرز في التجمعات الكبرى، لأنها تنتقل بسهولة مع الازدحام والتقارب بين الأشخاص.

إعلان

وتأتي الحصبة في صدارة المخاوف، باعتبارها من أشد الأمراض المعدية انتشارا. وبحسب بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، تجاوز عدد حالات الحصبة في الولايات المتحدة وحدها 2000 حالة حتى مطلع يونيو/حزيران 2026.

وتبرز كذلك الإنفلونزا الموسمية، التي شهد موسم 2025-2026 ارتفاعا قياسيا في معدلات الإصابة بها، بلغ مستويات لم تُسجل منذ 30 عاما. كما يبقى كوفيد-19 ضمن قائمة الأمراض المثيرة للانتباه، إذ لا يزال يتسبب سنويا في ما يتراوح بين 290 ألفا و450 ألف حالة دخول إلى المستشفيات في الولايات المتحدة وحدها.

وتشمل القائمة أيضا الفيروس المخلوي التنفسي، الذي يستهدف بشكل خاص الأطفال الصغار وكبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة، إلى جانب السعال الديكي والسل الرئوي النشط، ورغم أن معدلات انتشارهما أقل، فإن حضور مشجعين من دول ذات نسب إصابة أعلى قد يرفع درجة المخاطر.

ثانيا: الأمراض الهضمية

مع تزايد الإقبال على الأطعمة الجاهزة والمشروبات في الفعاليات الكبرى، تصبح الأمراض الهضمية تهديدا واقعيا، خصوصا إذا لم تكن معايير النظافة وسلامة الغذاء منضبطة.

ويأتي النوروفيروس ضمن أبرز المخاطر، لأنه سريع الانتشار في البيئات المغلقة والمزدحمة، وينتقل عبر الأيدي والأسطح الملوثة. كما يبرز التهاب الكبد الوبائي A، الذي ينتقل عبر الغذاء والمياه الملوثة، وقد تصل فترة حضانته إلى 50 يوما.

وتشمل المخاطر أيضا بكتيريا السالمونيلا والشيغيلا والإشريكية القولونية الممرضة، وغالبا ما ترتبط هذه العدوى بالأطعمة غير المطهية جيدا أو التي تعرضت للتلوث أثناء التحضير أو التخزين.

ثالثا: الأمراض المنقولة بالحشرات

مع إقامة البطولة في يونيو/حزيران ويوليو/تموز، تزداد أهمية الأمراض المنقولة بالحشرات، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة ونشاط البعوض في فصل الصيف.

ومن أبرز هذه الأمراض فيروس غرب النيل، المتوطن في مناطق عدة داخل الولايات المتحدة، ويزداد نشاطه عادة خلال أشهر الصيف. كما تظهر مخاوف من حمى الضنك وشيكونغونيا، خاصة مع قدوم ملايين المسافرين من مناطق تنتشر فيها هذه الفيروسات، ما قد يحول البعوض المحلي إلى ناقل للعدوى.

ويضاف إلى ذلك فيروس زيكا، إذ لا تزال تجربة أولمبياد البرازيل 2016 حاضرة في الذاكرة الصحية العالمية، بما يرفع درجة اليقظة تجاه أي تجمع دولي واسع في أجواء حارة.

مع المخاوف العالمية من فيروسي هانتا وإيبولا، هل ترتفع درجة الخطورة في المونديال؟

شهدت الأسابيع السابقة للبطولة موجة من القلق بشأن فيروسي إيبولا وهانتا، لكن الخبراء يضعون هذه المخاوف في إطارها العلمي الصحيح.

ففيروس إيبولا لا ينتقل عبر الهواء، ولا بمجرد الجلوس في المدرجات أو الوجود في مكان مزدحم، بل يحتاج إلى احتكاك مباشر بسوائل جسدية لشخص مصاب تظهر عليه أعراض واضحة. لذلك، فإن احتمال حدوث تفش واسع لإيبولا خلال البطولة يبقى منخفضا جدا، لأنه لا ينتقل بالطرق التنفسية المعتادة.

أما فيروس هانتا، فيرتبط أساسا بملامسة فضلات وإفرازات القوارض، ولذلك لا يُعد خطرا أساسيا في بيئات الملاعب والتجمعات الجماهيرية المنظمة.

تفرض التجمعات البشرية الواسعة أسئلة صحية مهمة بشأن احتمالات انتقال العدوى وانتشار بعض الأمراض (الفرنسية)
هل تزيد إقامة البطولة في يونيو/حزيران ويوليو/تموز مخاطر الأمراض والعدوى؟

إقامة البطولة في أجواء صيفية حارة ترفع مستوى الانتباه الصحي، ليس فقط بسبب العدوى، بل بسبب المخاطر المرتبطة بالحرارة. ووفقا لما حذرت منه الدكتورة كاتيلين جيتيلينا، خبيرة الأوبئة والمستشارة السابقة في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، قد يكون الإجهاد الحراري "الخطر الأكثر موثوقية" خلال البطولة.

إعلان

ولا تقتصر مخاطر الحرارة على الإجهاد الحراري وضربة الشمس، بل تشمل الجفاف، الذي قد يضعف المناعة ويزيد قابلية الجسم للإصابة بالعدوى، إلى جانب سرعة تلف الأطعمة، مما يرفع احتمالات التسمم الغذائي.

كما تسهم الأجواء الحارة في زيادة نشاط البعوض وغيره من ناقلات الأمراض، وقد تؤدي إلى تفاقم الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.

وللوقاية، يُنصح بالإكثار من شرب الماء، وارتداء ملابس واسعة وفاتحة اللون، وتجنب التعرض المباشر للشمس خاصة بين الساعة 11 صباحا و3 مساء، مع استخدام واقي الشمس قدر الإمكان.

هل هناك جماهير أكثر عرضة للمخاطر الصحية؟

نعم. فمخاطر التجمعات الجماهيرية لا تتساوى بين الجميع، إذ توجد فئات تحتاج إلى استعدادات إضافية وحذر أكبر ورعاية أسرع عند الحاجة.

ويأتي أصحاب الأمراض المزمنة في مقدمة هذه الفئات، مثل مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. فهؤلاء يواجهون تحديا مزدوجا؛ المرض الأساسي من جهة، وبيئة البطولة المزدحمة بما فيها من حرارة ومجهود وإجهاد نفسي من جهة أخرى.

ويُنصح هؤلاء باستشارة الطبيب قبل السفر بأسبوعين على الأقل، وتجهيز كمية احتياطية من الأدوية تكفي لأسبوع إضافي، مع قياس السكر بانتظام لمرضى السكري، وتجنب المجهود الشديد والحرارة القصوى والإفراط في الملح بالنسبة لمرضى القلب والضغط.

كما يحتاج مرضى الأورام إلى حذر خاص، لأنهم أكثر هشاشة في مواجهة العدوى بسبب ضعف المناعة الناتج عن المرض أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي. وينبغي لهم التشاور المسبق مع الطبيب المعالج بشأن جدوى الحضور، ويفضل أن يتابعوا المباريات في أماكن أقل ازدحاما أو عبر الشاشات الكبيرة، مع الالتزام بالكمامة وتجنب مناطق التكدس.

أما النساء الحوامل، فلهن وضع خاص، لأن المخاطر الصحية قد تمس الأم والجنين معا. لذلك، تُنصح الحوامل، خاصة في الأشهر الأولى، بتجنب حضور المباريات وسط الحشود الكبيرة، والاكتفاء بمتابعة البطولة من أماكن أكثر أمانا وراحة.

مع كثافة السفر والازدحام في المطارات والملاعب ووسائل النقل والفنادق تزداد فرص انتقال الأمراض المعدية (الأوروبية)
هل لا تزال الكمامة مفيدة في كأس العالم 2026؟

الإجابة العلمية الواضحة: نعم، لكن في سياقات محددة. فالكمامة لا تزال توفر طبقة إضافية من الحماية في الأماكن المغلقة وشديدة الازدحام، مثل الطائرات، والأنفاق، والمترو، والمطارات وقت الذروة، ووسائل النقل العامة، والصالات المغلقة ومراكز التسوق.

وتزداد أهمية الكمامة لدى أصحاب الأمراض المزمنة وضعاف المناعة والحوامل والأطفال. أما في الأماكن المفتوحة والمدرجات الخارجية جيدة التهوية، فإن فائدتها تقل نسبيا، رغم أن ارتداءها لا يسبب ضررا لمن يفضلون مزيدا من الحماية.

هل توجد تطعيمات يُنصح بها قبل السفر لحضور البطولة؟

تمثل التطعيمات الركيزة الأساسية للوقاية من الأمراض المعدية، وقد أوصت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بضرورة أن يتأكد المسافرون لحضور كأس العالم من استكمال التطعيمات الأساسية.

وتشمل هذه التطعيمات لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، ولقاح الإنفلونزا الموسمية، ولقاح كوفيد-19، ولقاح السعال الديكي والدفتيريا والكزاز، ولقاح التهاب الكبد A وB.

كما أطلقت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية حملة توعية تحت شعار "بالصحة نفوز جميعا"، للتذكير بالإجراءات الوقائية قبل أحداث كأس العالم وأثناء البطولة.

ما أهم الإجراءات الصحية قبل السفر إلى الدول المستضيفة؟

ينبغي للمشجع أن يبدأ الاستعداد الصحي قبل السفر، لا عند الوصول. ومن أهم الخطوات زيارة الطبيب لمراجعة الحالة الصحية وتحديث التطعيمات اللازمة، خاصة لأصحاب الأمراض المزمنة أو من يتناولون أدوية منتظمة.

إعلان

كما يُنصح بالحصول على تأمين صحي يغطي الطوارئ والنقل الطبي، والبحث مسبقا عن أقرب المستشفيات ومراكز الرعاية الطارئة في المدن التي سيزورها المشجع.

ومن الأفضل تجهيز حقيبة أدوية أساسية تضم خافضا للحرارة، ومضادا للإسهال، وأدوية للحساسية، وضمادات، ومعقما لليدين، مع التأكد من صلاحية وثيقة التأمين الصحي في الدول الثلاث المستضيفة، ومراجعة التوصيات الصحية الخاصة بالسفر على موقعي المنظمتين المذكورتين.

يُنصح بتجنب الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض مرضية واضحة، والتواصل مع أقرب مسؤول طبي (رويترز)
ما الإجراءات الوقائية خلال حضور المباريات؟

أثناء البطولة، التي تستمر 39 يوما، يحتاج المشجع إلى الالتزام بسلوكيات بسيطة لكنها فعالة في تقليل احتمالات العدوى.

أبرز هذه الإجراءات غسل اليدين بانتظام بالماء والصابون لمدة لا تقل عن 20 ثانية، خاصة قبل تناول الطعام وبعد استخدام دورات المياه. وعند غياب الماء والصابون، يُنصح باستخدام معقم كحولي لا تقل نسبة الكحول فيه عن 60%.

كما يجب تجنب مشاركة الأكواب وأدوات الطعام والشراب مع الآخرين، وتناول الطعام من مصادر موثوقة، والابتعاد عن الأطعمة غير المطهية جيدا، وشرب المياه المعبأة أو المعقمة، وتجنب الثلج مجهول المصدر.

وينبغي أيضا تجنب الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض مرضية واضحة، والتواصل مع أقرب مسؤول طبي في الملعب عند ظهور أعراض مقلقة مثل ارتفاع الحرارة، أو صعوبة التنفس، أو الإسهال الشديد، أو الدوار والإجهاد الحراري.

ماذا يفعل المشجع بعد العودة إلى بلده؟

بعد العودة من البطولة، يُنصح بمراقبة الحالة الصحية لمدة أسبوعين على الأقل، لأن بعض الأمراض قد لا تظهر أعراضها مباشرة خلال السفر أو أثناء حضور المباريات.

وفي حال ظهور أي أعراض مرضية، يجب مراجعة الطبيب فورًا وإخباره بتاريخ السفر والدول والمدن التي تمت زيارتها. كما ينبغي تجنب مخالطة الفئات الهشة مثل كبار السن والمرضى والأطفال الصغار إذا ظهرت أعراض عدوى.

وفي حال تأكيد الإصابة بمرض معدٍ، يجب الالتزام بالعزل المنزلي واتباع تعليمات الجهات الصحية، حماية للأسرة والمجتمع.



إقرأ المزيد