المراكب الراسية قسرا.. كيف غيرت الحرب حياة الصيادين في ميناء صيدا؟
الجزيرة.نت -

صيدا- على أرصفة ميناء صيدا في جنوب لبنان، تبدو مئات مراكب الصيد وكأنها تنتظر موعدا مؤجلا مع البحر؛ الشِباك معلقة على جوانب القوارب، والمحركات التي اعتادت أن تدوي مع ساعات الفجر الأولى التزمت الصمت.

وهنا، حيث ارتبطت حياة مئات العائلات بالبحر جيلا بعد جيل، فرضت الحرب إيقاعا جديدا على مدينة اعتادت أن تستيقظ على حركة الصيادين لا على أخبار التصعيد والتهديدات.

فالحرب المستمرة في جنوب لبنان لم تقتصر آثارها على الحدود والقرى الأمامية، بل وصلت إلى المرافئ والأسواق وأرزاق الناس.

توقف قسري لعمليات الصيد لأشهر عدة في مناطق واسعة من الساحل (الجزيرة)
مناطق خطرة

وفي صيدا، أحد أبرز المرافئ في البلاد، تراجعت حركة الملاحة والصيد بصورة حادة، بعدما أصبحت مساحات واسعة من البحر محفوفة بالمخاطر، ما دفع كثيرا من الصيادين إلى البقاء قرب الشاطئ أو التوقف عن العمل لفترات طويلة.

بالنسبة إلى الصياد محمد بوجي، لم يكن البحر يوما، مجرد مهنة، بل إرثا عائليا ورثه عن آبائه وأجداده، فمنذ طفولته نشأ بين القوارب والشباك في ميناء صيدا، حيث تعلّم أسرار الصيد قبل أن يكبر ويعتمد عليه مصدرا وحيدا لإعالة أسرته.

يقول بوجي للجزيرة نت إن الأيام الأولى من الحرب كانت من أصعب المراحل التي مرّت على الصيادين، إذ أمضوا أكثر من 20 يوماً من دون أن يتمكنوا من النزول إلى البحر. توقفت المراكب، وتوقف معها مصدر الرزق الوحيد لمئات العائلات التي تعيش من عائدات الصيد اليومية.

وعندما عاد الصيادون إلى البحر لم يجدوا البحر نفسه الذي عرفوه لسنوات، فالمياه الجنوبية التي كانت تشكل وجهتهم الأساسية، وصولاً إلى المناطق القريبة من الناقورة، أصبحت مناطق خطرة يصعب الوصول إليها.

ومع إغلاق تلك المساحات أمامهم، اضطر كثيرون إلى التوجه شمالا نحو بيروت أو الاكتفاء بالصيد قرب الساحل، حيث تقل الثروة السمكية وتتراجع فرص تحقيق مردود يكفي لتغطية تكاليف الرحلة.

إعلان

ويشير بوجي إلى أن الأزمة تزامنت أيضا مع أشهر الشتاء والعواصف المتلاحقة وشهر رمضان، ما ضاعف الضغوط المعيشية على الصيادين. فبعد أشهر طويلة من تراجع العمل، استنزف كثير منهم مدخراتهم المحدودة، فيما اضطر آخرون إلى الاستدانة لتأمين احتياجات أسرهم الأساسية.

تتفاقم ديون وخسائر الصيادين في الجنوب بسبب توقفهم القسري عن الإبحار نتيجة الحرب الإسرائيلية (الجزيرة)
الديون والتكاليف المعيشية

على أرصفة الميناء، تغيّرت الأحاديث أيضا، فبدلا من النقاش حول مواسم السمك وأحوال البحر، باتت الديون وتكاليف المعيشة العنوان الأبرز في جلسات الصيادين.

ويقول بوجي إن رحلات الصيد الطويلة التي كانت تؤمن دخلا مقبولا أصبحت جزءا من الماضي، فيما يعمل الصيادون اليوم في نطاقات بحرية ضيقة ومزدحمة بالقوارب، الأمر الذي انعكس مباشرة على حجم الإنتاج ومردوده.

أما الصياد أحمد عبده، الذي أمضى أكثر من 30 عاماً في هذه المهنة، فيروي للجزيرة نت كيف تبدّل البحر الذي اعتاد أن يمنحه الأمان إلى مساحة تثير القلق والخوف؛ فالمناطق الجنوبية التي كانت تعج بالأسماك لم تعد متاحة كما في السابق، ما أجبر الصيادين على قطع مسافات أطول نحو الشمال مقابل عائد أقل.

ويقول إن ما كان يجنيه من البحر تقلّص إلى النصف تقريبا، ففي السابق كانت الشباك تعود محملة بكميات وفيرة من السمك تكفي لتغطية مصاريف الرحلة وتحقيق ربح مقبول، أما اليوم فكثيرا ما يعود الصيادون بكميات محدودة بالكاد تغطي كلفة الوقود والصيانة.

ولا تنتهي الخسائر عند حدود تراجع الصيد، فكل رحلة بحرية تحمل احتمال عطل جديد أو خسارة إضافية. شباك تتمزق أو تتلف، ومحركات تحتاج إلى إصلاحات مكلفة في وقت تتراجع فيه المداخيل بصورة مستمرة.

ويستذكر عبده عطلا أصاب محرك قاربه أخيرا، ما اضطره إلى إنفاق مئات الدولارات على إصلاحه، ويقول إن مثل هذه النفقات قد تبدو عادية للبعض، لكنها تشكل عبئا ثقيلا على صياد يعتمد على دخل يومي غير مضمون.

أدّت العمليات العسكرية إلى أضرار مباشرة تمثلت بتدمير وإعطاب عدد من مراكب الصيد (الجزيرة)
أزمة ممتدة

ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الميناء، ففي سوق السمك القريب، يراقب حسن بشير حركة البيع التي فقدت جزءا كبيرا من زخمها. يقف خلف بسطته لساعات طويلة بانتظار زبائن باتوا أقل بكثير مما كانوا عليه قبل الحرب.

ويقول بشير في حديثه للجزيرة نت إن الصيادين دخلوا موسم صيد السردين، وهو من المواسم التي يعوّل عليها العاملون في القطاع البحري كل عام، لكن القيود الأمنية المفروضة على حركة الصيادين حدّت من قدرتهم على الوصول إلى مناطق الصيد المعتادة، ما انعكس مباشرة على حجم الإنتاج.

غير أن المشكلة، بحسب بشير، لا تقتصر على تراجع الصيد، فمع نزوح أعداد كبيرة من سكان الجنوب وتراجع القدرة الشرائية، انخفض الطلب على السمك بصورة ملحوظة، وأصبحت كثير من العائلات تركز على تأمين احتياجاتها الأساسية، فيما تراجع استهلاك الأسماك التي باتت بالنسبة إلى البعض سلعة يمكن الاستغناء عنها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويستعيد بشير صورة الميناء والأسواق قبل الحرب، حين كانت المدينة تستقبل الزوار والمغتربين الذين يقصدون البحر والمطاعم وأسواق السمك، فتدب الحركة في المرفأ وتنتعش معها أرزاق الصيادين والباعة. أما اليوم، فغابت تلك الحركة إلى حد كبير، تاركة خلفها ركودا يثقل كاهل العاملين في القطاع.

آثار غارة إسرائيلية على مدينة صيدا أسفرت عن شهداء وجرحى (الجزيرة)
خسائر بفعل الحرب

تشير تقديرات نقابات الصيادين والعاملين في القطاع إلى أنّ مئات العائلات في مدينة صيدا تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مهنة الصيد والمهن المرتبطة بها، ما يجعل أي تراجع في هذا القطاع ينعكس سريعا على الدورة الاقتصادية للمدينة بأكملها، ويزيد من هشاشة الأوضاع المعيشية في ظل الأزمات المتراكمة.

إعلان

وتكبّد قطاع الصيد البحري في لبنان خسائر كبيرة بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، خصوصاً في المناطق الساحلية الجنوبية التي تُعدّ مركز الثقل الأساسي لنشاط الصيادين.

ووفق وزارة الزراعة اللبنانية، فقد أدّت العمليات العسكرية إلى أضرار مباشرة تمثلت بتدمير وإعطاب عدد من مراكب الصيد، بينها تدمير كامل وجزئي لعشرات القوارب في مرافئ الجنوب، مثل الناقورة وصور وصرفند، إلى جانب توقف قسري لعمليات الصيد لأشهر عدة في مناطق واسعة من الساحل.

وبين مراكب راسية قسرا، وبحر لم يعد متاحا كما كان، وأسواق تنتظر زبائنها، تتقاطع حكايات الصيادين والباعة في ميناء صيدا عند همّ واحد: الحفاظ على مصدر رزقهم الوحيد.

فالحرب لم تغيّر فقط حركة البحر، بل أعادت رسم تفاصيل الحياة اليومية لمدينة لطالما كان البحر قلبها النابض ومصدر قوت أبنائها.



إقرأ المزيد