الجزيرة.نت - 6/11/2026 1:54:12 AM - GMT (+3 )
Published On 11/6/2026
بعد سنوات من الجفاف الذي خنق الأنهار وجفف الأهوار واستنزف الخزين المائي العراقي إلى مستويات غير مسبوقة، تعود المياه مرة أخرى لتدق أبواب البلاد من جديد من خلال نهر الفرات.
موجة مائية انطلقت من السدود التركية مرورا بسوريا قبل أن تصل إلى العراق، حاملة معها آمالا بإنعاش الخزين المائي، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات بشأن مستقبل إدارة الموارد المائية واستدامة هذا التحسن.
يوضح المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال للجزيرة نت أن الموجة المائية الحالية جاءت من منظومة السدود التركية باتجاه سوريا، فيما تتراوح الكميات الواصلة إلى الحدود العراقية بين 1000 و1450 مترا مكعبا في الثانية، موضحا أن الوزارة استثمرت الموسم المطري لتعزيز الخزين المائي، الذي ارتفع من 5 مليارات متر مكعب إلى نحو 6 أضعافه حالياً، ما أسهم في تحسين الوضع المائي مع اقتراب فصل الصيف. ويعزو هذا التحسن إلى التنسيق العراقي مع تركيا وسوريا، إلى جانب الإجراءات الفنية المتخذة لحماية المنشآت المائية.
ويشير شمال إلى أن معظم السدود العراقية، ومنها الموصل ودوكان ودربندخان والعظيم وحمرين، سجلت مستويات خزن مرتفعة تجاوز بعضها 80% من طاقتها التصميمية، في حين ما تزال سعة الخزن في سد حديثة عند حدود 30% مع توقعات بارتفاعها إذا استمرت الموجات المائية الحالية. ويؤكد أن السدود العراقية ما تزال بعيدة عن الخطر الفيضي.
وفي ملف المياه الجوفية، يوضح شمال أن الوزارة سمحت خلال السنوات الماضية باستخدام جزء من هذا الخزين لتعويض النقص في الإيرادات السطحية وتأمين مياه الشرب والخطة الزراعية، لكنها تتجه حالياً إلى تقليل الاعتماد عليه باعتباره خزينا إستراتيجيا ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.
أما في جنوب العراق، حيث تمتد الأهوار على مساحة شاسعة شكلت عبر التاريخ موطنا للسكان ومهدا لإحدى أقدم الحضارات الإنسانية، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدا.
إعلان
ويقول الخبير في شؤون الأهوار جاسم الأسدي للجزيرة نت، إن موجة الجفاف التي استمرت بين عامي 2021 و2025 خفضت نسبة إغمار الأهوار إلى أقل من 8%، فيما تراجع الخزين المائي العراقي إلى أقل من 6 مليارات متر مكعب.
ويضيف أن الأمطار والسيول وزيادة واردات دجلة، التي بلغت نحو 4000 متر مكعب في الثانية عند سد الموصل، أسهمت في رفع الخزين إلى أكثر من 30 مليار متر مكعب، ما أعاد الأمل بإنعاش الأهوار، ولا سيما هور الحويزة، مؤكدا أن هذه الوفرة مثلت فرصة مهمة لتعزيز الخزين المائي وتحسين التوزيع المائي نحو الأهوار، إلا أن ذلك لم يتحقق بالشكل المطلوب، خصوصاً في حوض الفرات الذي ما يزال يعاني من نقص الإطلاقات المائية مقارنة بحجم الخزين المتحقق.
ورغم ارتفاع الخزين المائي، يحذر الأسدي من أن الأهوار ما تزال تواجه مخاطر حقيقية، إذ ما تزال نسب الإغمار في هور الحمار الغربي والأهوار الوسطى منخفضة، مع توقعات بتراجعها أكثر خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز وأغسطس/آب بسبب التبخر وانخفاض الإطلاقات المائية.
ويوضح أن المياه الواصلة إلى محافظتي المثنى وذي قار لا تتجاوز 47 مترا مكعبا في الثانية، رغم أن الوارد عند الحدود العراقية يصل إلى نحو 1500 متر مكعب في الثانية.
وينتقد الأسدي ما يصفه بسوء توزيع الموارد المائية، مشيراً إلى إطلاق أكثر من 16 مليار متر مكعب إلى بحيرة الثرثار، بينها 9 مليارات متر مكعب من ما وصفه "الخزين الميت"، في وقت يشكو فيه سكان الأهوار والصيادون من تراجع مناسيب المياه وانحسارها داخل الأهوار الوسطى.
ويذكر الأسدي أن إدراج الأهوار العراقية على قائمة التراث العالمي عام 2016 ألزم العراق بتوفير الحد الأدنى من المياه للحفاظ على نظامها البيئي، إلى جانب حماية التنوع الأحيائي والحد من التلوث وإشراك السكان المحليين في إدارتها. كما أن إدراج الأهوار ضمن اتفاقية (رامسار) يفرض على العراق التزامات دولية إضافية لحمايتها، باعتبارها تمثل إرثا حضاريا وإنسانيا عالميا وموطنا لمجتمعات ترتبط جذورها بحضارات بلاد الرافدين القديمة.
وبين أرقام الخزين المرتفعة والتحذيرات من سوء التوزيع، يواجه العراق معادلة مائية صعبة، فالمياه التي أعادت الحياة إلى السدود والخزانات قد تمنح البلاد فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات الجفاف القاسية، لكنها في الوقت نفسه تضع المؤسسات المعنية أمام اختبار حقيقي يتعلق بكيفية إدارة هذه الوفرة المؤقتة، وضمان وصولها إلى المناطق الأكثر حاجة، وفي مقدمتها الأهوار التي ما تزال تنتظر حصتها من المياه قبل أن يبتلعها قيظ الصيف مرة أخرى.
إقرأ المزيد


