الجزيرة.نت - 6/10/2026 9:36:13 PM - GMT (+3 )
Published On 10/6/2026
انقضت زيارة شي جين بينغ لبيونغ يانغ، ولكن وقعها على المنطقة والعالم يبقى حتى إشعار آخر، فقد وضعت هذه الزيارة التقارب الجغرافي والثقافي في سياق أوسع للظروف الراهنة والعلاقات الثنائية على المدى البعيد، وكشفت أن الزعيم الكوري كيم جونغ أون لم يعد منعزلا، بل بات يمثل نقطة الارتكاز في نظام عالمي متصدع.
وسواء كان الدافع الأساس للزيارة هو ترسيخ لمبادئ "الاشتراكية الأخوية" أو استعادة عناصر النفوذ الصيني، فإن كوريا الشمالية لم تعد مجرد "تابع آسيوي" لبكين، وإنما أضحت عقدة صلبة في مثلث صيني روسي يراقبه الأمريكيون واليابانيون من مسافة ليست بالبعيدة.
ومع استقرار الوضع الأمني بدعم عسكري روسي، صار من المنطقي أن تعيد بيونغ يانغ تركيزها على الجانب الاقتصادي الذي لا يستقيم دون الصين، وأن توجه رسالة واضحة للعالم حول تقارب البلدين، بما يشكله ذلك من ضغط على كل القوى الكبرى المعنية بأمن شمال شرق آسيا، وفي مقدمتها واشنطن وطوكيو.
وفي هذا السياق، قدمت صحيفة الشعب الصينية الزيارة بوصفها لحظة "انطلاق من نقطة تاريخية جديدة" في مسار علاقات يربطها "رصيد تاريخي عميق، وأساس سياسي متين، وروابط عاطفية راسخة" بين الحزبين والدولتين.
وأشارت الصحيفة إلى أن أربعة ثوابت تجمع البلدين، وهي قيادة التفاهم من مستوى القمة وترسيخ الثقة السياسية، ورفع مستوى التعاون العملي، وتعزيز روابط الصداقة بين الشعبين، وتقوية التنسيق الإستراتيجي التزاما "بالعدل والإنصاف".
ومع أن الصحيفة ركّزت في تقريرها على "المنفعة المتبادلة" والتكامل الاقتصادي، فإنها ربطت الزيارة بسياق أمني أوسع مستوحى من حديث الرئيسين عن إدارة المنطقة، وضرورة الدفاع عن السيادة والأمن ومصالح التنمية في آسيا، في إشارة واضحة إلى الضغط الأمريكي المتواصل وإعادة تسليح اليابان.
اقتصاد وحدود وتحالف قديموتناولت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست الزيارة بشكل براغماتي مباشر مستندة إلى حقيقة أن بيونغ يانغ لا تستطيع الاستغناء عن الدعم الاقتصادي الصيني، رغم انفتاحها المتسارع على موسكو.
ونقلت الصحيفة عن الباحث في المعهد الكوري لتحليلات الدفاع "تشونغ كو لي" أن بكين تمتلك نفوذا اقتصاديا كافيا لإبقاء كوريا الشمالية ضمن دائرة نفوذها، خاصة أن الصين ما زالت السوق التصديرية الرئيسية لكوريا الشمالية، ومصدر السلع الوسيطة والاستثمار الأجنبي المستقر، وهي أدوار لا يمكن لروسيا أن تحل محلها فيها.
إعلان
وتقرأ ساوث تشاينا مورنينغ بوست في وجود وزير التجارة الصيني ضمن الوفد المرافق، إشارة إلى تحضير حزمة تعاون اقتصادي أوسع، وربما استنساخ محدود لعناصر من نموذج التنمية الصيني، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى الانفتاح التام.
كما لفت محللون نقلت عنهم الصحيفة إلى أن بكين تستثمر في تعميق الانخراط الاقتصادي والثقافي، بما في ذلك السياحة، لا لتحسين وضع بيونغ يانغ الداخلي فقط، بل لضمان بقائها داخل المدار الصيني في مواجهة محاولات موسكو استقطابها عبر التعاون العسكري.
تحالف ضروري وسباق تسلحغياب ملف "نزع السلاح النووي" هذه المرة عن الخطاب العلني، يعكس تحولا في الأولويات لصالح تثبيت الردع الكوري الشمالي ضمن منظومة أوسع من التعاون الصيني الروسي
وربطت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست في تقرير آخر الزيارة بسياق أشمل، استدعت فيه الحروب التي تشنها الولايات المتحدة في أكثر من مسرح، والصبغة العدوانية لإعادة تسليح اليابان.
وباعتبار أن بكين هي القوة العظمى الوحيدة القادرة على التواصل مع دول تقف على طرفي نقيض في السياسة الدولية، فهي ترى التقارب الصيني الكوري ضرورة متبادلة، لأن استقرار شبه الجزيرة جزء من أمن الصين القومي، كما يشكل الغطاء السياسي الصيني حاجة ملحّة لبيونغ يانغ في مواجهة الضغوط الأمريكية اليابانية.
ولفت التقرير إلى أن غياب ملف "نزع السلاح النووي" هذه المرة عن الخطاب العلني، يعكس تحولا في الأولويات لصالح تثبيت الردع الكوري الشمالي ضمن منظومة أوسع من التعاون الصيني الروسي في مواجهة واشنطن وطوكيو.
وفي موقع آسيا تايمز -الذي يصف نفسه بالحيادي والمستقل- وضع مقال زيارة شي في إطار ما يسميه "مشكلة الضامن"، ويقول كاتب المقال إنها المرة الأولى منذ عقود التي لم يعد فيها لدى الصين وحدها "مقود" كوريا الشمالية، بعد أن منحها الاتفاق الدفاعي الشامل مع روسيا مظلة عسكرية ثانية.
واستعاد الكاتب مسار السنوات الماضية، من إرسال آلاف الجنود الكوريين الشماليين لدعم موسكو في أوكرانيا، إلى العائدات المالية الهائلة مقارنة بحجم التجارة الخارجية لبيونغ يانغ، وصولا إلى نقل تكنولوجيا الطائرات المسيرة والدفاع الجوي وربما حتى تقنيات مرتبطة بالغواصات النووية.
ربما يكون ذلك ما دفع بكين لمحاولة إبطاء انتقال كوريا الشمالية إلى التبعية الروسية، من دون خسارة ما تبقى من نفوذها الاقتصادي والسياسي هناك.
وفي المقابل، يواصل كيم -حسب المقال- تحويل الاعتماد القديم على الصين إلى علاقة تفاوضية متوازنة نسبيا، مستندا إلى ترسانة نووية متنامية، وشبكات تمويل بديلة عبر القرصنة السيبرانية، وخبرة قتالية حصل عليها جيشه في أوكرانيا.
ويزيد التحرك الأمريكي الياباني نحو تعزيز القدرات الصاروخية والدفاعية، وتكثيف الوجود البحري في غرب المحيط الهادئ، من القيمة الإستراتيجية لكوريا الشمالية لدى راعييها الصيني والروسي بوصفها خط تماس متقدم مع القوات الأمريكية.
إعلان
في هذا السياق، يغدو صمت بكين عن ملف نزع السلاح النووي رسالة مزدوجة لطمأنة بيونغ يانغ بأن ترسانتها باتت أمرا واقعا داخل معادلة الردع الإقليمي من جهة، ومن جهة أخرى إشارة ضغط غير مباشرة على واشنطن وطوكيو بأن أي تصعيد أو سباق تسلح إضافي في المنطقة سيصطدم بجبهة ثلاثية أكثر تماسكا حول شبه الجزيرة الكورية.
ويبدو أن "التوافق الحاسم" الذي نتج عن زيارة شي إلى كوريا الشمالية، ما هو إلا محاولة لاستعادة زمام المبادرة في إدارة توازن دقيق بين بكين وموسكو وبيونغ يانغ، وتشكيل جبهة في معادلة الردع والتصعيد في شرق آسيا، ومواجهة تطورات متسارعة وغير مسبوقة في الوضع الدولي المعقد.
إقرأ المزيد


