الجزيرة.نت - 6/10/2026 6:37:16 PM - GMT (+3 )
جنوب لبنان- على بعد كيلومترات قليلة من خطوط المواجهة التي كانت مشتعلة خلال الفترة الماضية في بلدتي الخيام ودبين، وتحديدا في بلدة إبل السقي المتاخمة لهما في قضاء مرجعيون، تستقبل لينا منذر زبائنها في مقهاها الصغير.
المشهد هنا يتأرجح بين واقعين؛ الصوت الناجم عن اختراق الطائرات الإسرائيلية جدار الصوت والغارات التي تهز جدران المكان، وصوت أحاديث الشبان الذين يرفضون مغادرة قريتهم.
تقف لينا خلف طاولة الخدمة في المكان المسمى "تريب كافيه"، تراقب الطريق العام الذي بدا شبه خالٍ إلا من سيارات قليلة وقوافل تابعة لقوات "اليونيفيل" والجيش اللبناني.
تقول لينا للجزيرة نت: "نحن مجبرون على التعايش مع الخوف. اضطررنا لترك بيوتنا في فترات سابقة عندما اشتد القصف، فليس هناك من يحب التخلي عن رزقه وبيته، خصوصا عندما استُهدفت بلدة دبين المجاورة بشكل عنيف. قررنا العودة لاحقا، لكن العودة لم تكن آمنة كثيرا".
تصف لينا الليالي الأولى بعد رجوعهم بالقول: "عدنا وسط أجواء مشحونة بالتوتر الشديد. لا نستطيع النوم براحة، فالقصف والغارات الليلية لا تتوقف، وتحول الليل إلى ساعات طويلة من القلق والترقب".
تغيرت ملامح الحياة في إبل السقي جراء الحرب المستمرة على جبهة جنوب لبنان. وهي البلدة التي كانت تعج بالزوار والمغتربين وأبناء القرى المجاورة، وشهدت موجات نزوح واسعة أفرغتها من جزء كبير من سكانها.
غابت الوجوه الغريبة، وأقفلت معظم المصالح التجارية أبوابها، إلا أن هذا المقهى بقي مشرعا، وإن تبدلت هويته ووظيفته الاقتصادية.
"بصراحة، لا يوجد عمل قوي بالمعنى التجاري، والحركة خجولة جدا" تتابع لينا حديثها للجزيرة نت، وتقول: "لكن هذا المقهى تحول إلى ما يشبه المنفس الوحيد للشباب والصبايا الصامدين من أهل البلدة. في السابق، كنا نستقبل زبائن من كافة المناطق، اليوم فتحنا محصور بمن تبقى من أهلنا ليتجمعوا ويقضوا وقتهم، هربا من جدران البيوت الموحشة وضغط الأخبار المستمر".
إعلان
تؤكد صاحبة المقهى أن الاستمرارية هنا ليست طلبا للربح المادي، بل هي فعل صمود اجتماعي "حتى لو مرت ساعات ولم يدخل زبون واحد، نحن نصر على فتح الأبواب يوميا. سنبقى نفتح هذا المكان إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً ويتحسن الوضع بالكامل. إغلاق المقهى يعني إعلان استسلام للدمار، وهذا ما لا نريده".
تتحدث لينا بعفوية تامة وبساطة واضحة؛ فرغم أنها تحمل الجنسية الفنزويلية وتملك خيار الهجرة والعيش في أمان بعيدا عن ضجيج الحرب ومآسيها، فإنها فضلت البقاء في بلدتها إبل السقي. وتعتبر أن بقاءها هو أقل واجب لدعم بيئتها وأهلها الذين يحتاجون لمن يثبّتهم في أرضهم.
تكتسب إبل السقي موقعا جغرافيا حساسا؛ فهي تشرف على بلدة دبين ومتاخمة تماما للخيام، هذا القرب الجغرافي يترجم فوراً إلى معايشة يومية للحدث الأمني بتفاصيله المرئية والمسموعة.
تشير لينا بيدها نحو التلال المقابلة للمقهى: "نحن هنا مباشرة، تفصلنا مسافة قصيرة جدا عن الخيام ودبين. في كثير من الأحيان، نكون جالسين بشكل طبيعي، فتغير الطائرات الحربية على البلدات المقابلة. نلتفت جميعا لنرى أعمدة الدخان الأسود وهي تتصاعد في السماء قبل أن نسمع صدى الانفجار".
وتضيف لينا للجزيرة نت: "الجميع هنا يعيش حالة من الضيق النفسي. الأصوات مزعجة ومرعبة للكل، للكبار والصغار. حتى وأنت تقوم بالتصوير وإجراء هذه المقابلة معي الآن، قد تخرج غارة مفاجئة من خلفنا، وسنرى الدخان معاً بكل وضوح وسط هدوء البلدة".
وتقول: "للأسف، تعودنا على هذا المشهد، وهو أمر محزن ومؤلم أن يتأقلم الإنسان مع الموت والدمار، لكنه خيارنا الوحيد لنستمر".
هذا التعايش اليومي أنتج "بروتوكولا" خاصا بزبائن المقهى؛ فبمجرد سماع دوي القصف أو تحليق الطيران على علو منخفض، يغادر الشبان المقاعد الخارجية وينتقلون بهدوء وبشكل تلقائي إلى الزوايا الأكثر أمانا داخل المقهى، لينتظروا تصاعد الغبار، ثم يعودون لمتابعة أحاديثهم.
لا تقتصر تحديات الصمود في المقهى الجنوبي على الخطر الأمني المباشر، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية واللوجستية المعقدة. فطريق مرجعيون ومحيطه يتعرض باستمرار للقصف أو الإغلاق بسبب الحرب، مما يقطع شرايين الإمداد عن البلدة.
تشرح لينا هذه المعاناة قائلة: "نفتح أبوابنا بصعوبة بالغة. قبل أيام قليلة، سُدت الطرقات المؤدية إلينا تماما. وبات تأمين البضائع والمواد الأولية وحتى الحاجيات الأساسية للمقهى والمنزل عملية شاقة ومحفوفة بالمخاطر. إذا نقصنا أي صنف من البضائع، نقع في حيرة حقيقية ونعيش في قلق دائم: هل سنتمكن من تأمينه غدا؟ وإذا تأزمت الأوضاع الميدانية أكثر، كيف سنستمر في جلب أغراضنا؟".
ورغم هذا الحصار اللوجستي والنفسي، يرفض المقهى ورواده التخلي عن مظاهر الحياة والبهجة. ومع اقتراب بطولة كأس العالم "المونديال"، اتخذ الشبان وصاحبة المقهى قرارا بتحويل المكان إلى ساحة تشجيع نابضة بالحياة، حيث بدؤوا بتجهيز أعلام المنتخبات المشاركة، وجُهزت الشاشات للاستعداد للمباريات.
إعلان
تختم لينا حديثها بابتسامة تحمل الكثير من التحدي: "تحضيراتنا للمونديال بدأت منذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها عن موعد البطولة هذا العام. قمنا بدعوة كل شباب وصبايا البلدة ليكونوا هنا. نريد أن نجمعهم حول الشاشة، وسيكون لدينا أجواء تشجيع حماسية وجميلة جدا. لقد تعودنا لفترات طويلة على سماع ورؤية أشياء بشعة وغير مفرحة، واليوم نريد أن نسرق الفرح رغما عن كل شيء".
هذا الخيار الإنساني كلّف لينا الكثير على الصعيد المهني؛ فالحرب فرضت واقعا اقتصاديا مريرا تراجع فيه عدد الزبائن بنسبة تجاوزت 60% مقارنة بفترة ما قبل الحرب، حين كان يزورها زبائن من مختلف قرى وجوار الجنوب، لا سيما من مرجعيون ودبين والخيام.
هذا الركود القاسي أجبرها على اتخاذ قرارات صعبة، فبعد أن كان لديها طاقم كبير من الموظفين، اضطرت إلى صرف معظمهم نتيجة العجز عن تغطية مصاريفهم ونقص المداخيل.
تفتح لينا مقهاها يوميا من الساعة الثامنة والنصف صباحا وحتى الحادية عشرة ليلا، دون كلل. ورغم أن طاولات المقهى تبقى فارغة في كثير من الأوقات -كما كان عليه الحال تماما وقت تصوير هذا التقرير- فإنها لا تفكر في الإغلاق.
فالمقهى بالدرجة الأولى هو مصدر رزقها الأساسي الذي تعتاش منه، وبنفس الوقت، ترى في فنجان القهوة الذي تقدمه روتينا يوميا للمواطنين، ومحاولة لبسط الحياة الطبيعية وسط الحرب.
تؤكد صاحبة المقهى أن الاستمرارية هنا ليست طلبا للربح المادي، بل هي فعل صمود اجتماعي: "حتى لو مرت ساعات ولم يدخل زبون واحد، نحن نصر على فتح الأبواب يوميا".
إقرأ المزيد


