الجزيرة.نت - 6/10/2026 6:20:59 PM - GMT (+3 )
في اللحظة نفسها يصرخ الملايين حول العالم من أدنى الأرض إلى أقصاها فرحين بالهدف الحاسم، تجمعهم الفرحة والحماس لفريق واحد رغم اختلاف ألوانهم وأعراقهم. يهللون لفوز ناد لم يسبق أن زاروا مدينته أو قابلوا لاعبيه، ويذرفون الدموع لهزيمته وكأنها انكسار شخصي.
كيف تحول التشجيع الرياضي من مجرد متعة عابرة إلى انتماء وهوية قد يدفعان صاحبهما إلى المخاطرة من أجل فريق لا يلعب فيه؟
لفهم مشاعر الانتماء لدى المشجع الرياضي يمكن الانطلاق من "نظرية الهوية الاجتماعية" التي طورها عالم النفس البولندي البريطاني هنري تاجفيل مع زميله جون تيرنر في سبعينيات القرن الماضي. ترى هذه النظرية أن الإنسان يعرف نفسه جزئيا من خلال الجماعات التي ينتمي إليها، سواء كانت قائمة على القومية أو الدين أو المهنة أو حتى الفرق الرياضية، وأنه يسعى للانتماء إلى جماعة يشعر بأنها "فائزة" أو مهيمنة كي يحقق ما سماه الباحثان "التميّز الإيجابي"، أي تعزيز الشعور بالذات عبر تفوق مجموعته على الآخرين.
في هذا السياق لا يعود الفريق مجرد كيان خارجي، بل جزء من الهوية الشخصية. المشجع يصنف نفسه في خانة جمهور فريق بعينه ويتبنى قيمه ورموزه ويتحدث عنه بضمير "نحن"، ويقارن فريقه بالفرق الأخرى لتعزيز صورته الذاتية عبر انتصاراته. لذلك حين يقول وهو جالس على الأريكة "فزنا" أو "خسرنا" فهو لا يبالغ لغويا بقدر ما يعبر عن هوية اجتماعية تشكلت تدريجيا.
"نحن" عندما نفوز.. و"هم" عندما يخسرونهذا الارتباط وثقته دراسات في علم النفس الاجتماعي، من أشهرها دراسة روبرت تشالديني التي تابعت سلوك طلاب الجامعات بعد مباريات كرة القدم الأمريكية. أظهرت الدراسة أن الطلاب يميلون إلى ارتداء ملابس تحمل شعارات فرقهم والتحدث عنها بضمير "نحن" بعد الفوز، بينما يتجنبون هذه الملابس ويشيرون إلى الفريق بضمير الغائب "هم" بعد الهزيمة.
إعلان
أطلق الباحثون على هذه الظاهرة "الاستمتاع بالمجد المنعكس"، في مقابل ظاهرة مكملة هي "قطع الصلة مع الفشل المنعكس". استخدام ضمير "نحن" يعكس اندماج الفرد مع انتصار فريقه كي يستعير جزءا من مجده ويعززه في صورته الذاتية، أما التحول إلى "هم" فيعبر عن محاولة لا واعية لوضع مسافة عازلة تحمي الأنا من تجرع مرارة الفشل بالكامل.
من زاوية أخرى يوفر التشجيع الرياضي "مساحة آمنة" لتجربة المشاعر الحادة والتعبير عنها. في ثقافات تعتبر بكاء الرجال على خيبات الحياة الواقعية علامة ضعف، يبدو البكاء بحرقة على هزيمة فريق كرة القدم أمرا مقبولا تماما، بل أحيانا ينظر إليه بوصفه دليلا على الوفاء والانتماء.
بهذا المعنى يتحول المدرج أو شاشة التلفاز إلى مسرح لتطهير انفعالي جماعي، صراخ وقفز وعناق ودموع وغضب ونشوة، كلها تعاش في إطار مقبول اجتماعيا، وبالاشتراك مع آلاف أو ملايين آخرين، مما يحول التجربة إلى ملاذ عاطفي مؤقت من ضغوط الحياة اليومية.
الدراسات الهرمونية أظهرت أن أجساد المشجعين لا تقف متفرجة تماما. تشير أبحاث في الطب الرياضي إلى أن مستويات هرمون التستوستيرون ترتفع لدى المشجعين الذكور بنسبة قد تصل إلى نحو 20% عند فوز فريقهم، وتهبط بالنسبة ذاتها تقريبا عند الهزيمة، وهو النمط نفسه الذي لوحظ لدى اللاعبين على أرض الملعب. هذا يعني أن الدماغ والجسد يعيشان -بيولوجيا- حالة المنافسة نفسها التي يعيشها اللاعبون، ولو من بعيد.
ريال مدريد وبرشلونة ومانشستر يونايتد، غالبا أنت أو واحد على الأقل من معارفك يشجع أحد هذه الأندية. وفقا لتقرير دولي عن "المشجع العالمي" صدر عام 2024 وشمل أكثر من ثمانية آلاف مشجع من 8 دول، تتصدر هذه الفرق قائمة الأندية الأكثر جذبا للجماهير خارج حدودها. وكشف التقرير أن أكثر من 86% من المشاركين يتابعون أندية خارج بلدانهم، فيما يعتبر نحو ثلثهم أن ناديهم الأساسي هو فريق أجنبي.
في الماضي كان التشجيع الرياضي مرتبطا بشدة بالانتماء الجغرافي: منتخب البلد أو نادي المدينة أو فريق الحي. اليوم -ومع العولمة والبث الفضائي والإنترنت- أصبحت المسافة الجغرافية أقل أهمية، إذ يمكن لطفل في قرية بعيدة أن يرتبط عاطفيا بناد أوروبي لم تطأ قدماه مدينته، وأن يحفظ أسماء لاعبيه كما يحفظ أسماء أفراد عائلته.
غالبا ما يكون المدخل إلى هذا الانتماء قصة لاعب أو أسطورة شخصية: محمد صلاح الصاعد من قريته إلى قمة الكرة العالمية، مارادونا الذي جسد "حلم الفقراء"، ميسي الذي تحدى القيود الجسدية، رونالدو الذي يقدم نفسه نموذجا للانضباط والإنجاز. الأندية تعرف قوة هذه القصص وتستخدمها لبناء جسور عاطفية مع جماهير بعيدة تشعر بالتماهي مع رحلة البطل.
أحيانا أخرى يرتبط المشجع بالفريق بدوافع ثقافية أو رمزية، فهناك مشجعون من أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط أو آسيا يجدون أنفسهم أقرب إلى ناد معين بحكم أسلوب لعبه أو تاريخه أو صورته الإعلامية، أو بسبب ما يرونه من قيم مشتركة.
التشجيع لم يعد مجرد حضور مباراة كل أسبوع. تقارير متخصصة في سوق المنتجات الرياضية تشير إلى أن حجم سوق المنتجات المرخصة عالميا بلغ نحو 37 مليار دولار في عام 2024، كانت كرة القدم مسؤولة وحدها عن ما يقارب 15 مليارا منها، مع توقعات بالوصول إلى نحو 55 مليار دولار بحلول 2032.
إعلان
هذه الأرقام تعكس كيف جرى "تسليع الانتماء"، فحاجة المشجع للشعور بالانتماء تُترجم إلى قمصان جديدة كل موسم وسكارفات وقبعات وتطبيقات حصرية للهاتف وألعاب إلكترونية رسمية واشتراكات بث ومحتوى مدفوع وتجارب "في آي بي" في الملاعب. كل قطعة تحمل شعار النادي تتحول إلى تذكرة عبور عاطفية إلى "العائلة الكبيرة" التي يمثلها.
وسائل البث الرقمي والتواصل الاجتماعي عمقت هذا الارتباط. لم يعد المشجع ينتظر 90 دقيقة أسبوعيا، بل يعيش مع فريقه على مدار اليوم: يشاهد اللقاء، ثم يعيد ملخصه، ويتابع الإحصاءات الحية، ويشارك في غرف النقاش، ويتعرف على تفاصيل حياة اللاعبين الشخصية، وينخرط في ألعاب وتحديات تفاعلية مرتبطة بالنادي.
هذا التكامل بين البث الحي والتفاعل الفوري حول الشغف من هواية عابرة إلى نمط حياة، ومن فريق بعيد إلى "جزء من الذات" يحمل شعاره في الهاتف والملابس والذاكرة.
مثل أي ظاهرة إنسانية، يحمل التشجيع الرياضي وجهين. في صورته الصحية يمنح الفرد شعورا حقيقيا بالانتماء إلى جماعة ويكسر عزلة الفرد ويتيح له عيش تجربة جماعية قوامها المشاركة في الفرح والحزن ضمن حدود آمنة نسبيا.
على المستوى العصبي، أظهرت دراسات في علم الأعصاب أن فوز الفريق يحفز إفراز الدوبامين في الدماغ -وهو الناقل العصبي نفسه المرتبط بالإنجاز الشخصي- بينما تنشط عند الخسارة مناطق مرتبطة بإحساس الألم، وهو ما يفسر قوة المشاعر التي تعصف بالمشجعين.
لكن حين يتجاوز الأمر حدود المعقول يتحول الانتماء إلى عبء نفسي وسلوكي. التعصب الرياضي المرضي يظهر في أشكال عدة، من أبرزها:
- تحكم نتائج الفريق في المزاج اليومي وعلاقات الشخص بأسرته وزملائه.
- إنفاق مبالغ تتجاوز القدرة المالية على المنتجات الرياضية أو التذاكر أو الاشتراكات.
- الدخول في حالة اكتئاب طويلة، أو فقدان الشهية والاهتمام بالحياة بعد خسارة مباراة.
- اللجوء إلى العنف اللفظي أو الجسدي ضد مشجعين آخرين أو لاعبين أو حكام.
- تبرير سلوكيات خطيرة -شغب أو تخريب أو عنف- بدعوى "الدفاع عن الشعار".
عند هذه النقطة لا يعود التشجيع مجرد متعة أو وسيلة انتماء، بل يتحول إلى ما يشبه "إدمان الانفعال"، إذ تصبح حياة الشخص رهينة لنتائج فريق لا يتحكم في قراراته ولا يدخل الملعب معه أصلا.
في النهاية يحتاج الإنسان بطبيعته إلى الانتماء إلى جماعة أكبر من ذاته. الرياضة توفر له هذه التجربة في شكل مكثف وبسيط، من ألوان موحدة ونشيد واحد إلى هدف مشترك وقصة جماعية تتجدد كل أسبوع، ويشعر وهو يهتف باسم فريقه أنه أقل وحدة وأن همومه اليومية مؤقتا في المقعد الخلفي وأنه جزء من "نحن" واسعة تتخطى حدود العائلة والعمل والبلد.
لكن هذا الانتماء -مثل أي قوة نفسية- يحتاج إلى توازن. من الجميل أن نجد في الفريق مساحة للتنفيس والفرح والانتماء، لكن من الخطير أن نترك حياتنا العاطفية والمالية والاجتماعية تتحول إلى رهينة لنتيجة مباراة أو أن نسمح لكرة تتلاعب بها الأقدام بأن تتحكم في مصير علاقاتنا وأجسادنا وأعصابنا.
إقرأ المزيد


