كوثر بن هنية: السينما سياسة والغرب يستهلك مآسي الجنوب
الجزيرة.نت -

Published On 9/6/2026

|

آخر تحديث: 19:13 (توقيت مكة)

قالت المخرجة التونسية المرشحة للأوسكار، كوثر بن هنية، إن صناعة السينما بأكملها تنطوي على أبعاد سياسية حتمية، معتبرة أن اختيار زاوية التصوير أو تحديد البطل يعد في جوهره موقفا سياسيا، حتى وإن لم يتناول العمل موضوعا ثوريا مباشرا.

وجاءت تصريحات بن هنية في ندوة موسعة حول "سياسات التمثيل السينمائي" ضمن فعاليات مهرجان "إس إكس إس دبليو- لندن" (SXSW London) لعام 2026، وفقا لمجلة "هوليوود ريبورتر".

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

ووقفت المخرجة التونسية في أطروحتها على النقيض من توجهات لجنة تحكيم مهرجان برلين السينمائي الأخير، التي واجهت انتقادات حادة بسبب تجنب أعضائها، ومنهم المخرج الألماني الكبير فيم فيندرز وألكسندر باين وميشيل يوه، القضايا السياسية، ودعوة فيندرز الصريحة المخرجين إلى الابتعاد عن السياسة.

دراما روائية عن الدم الفلسطيني

دافعت بن هنية، التي أخرجت أفلاما أثارت الجدل مثل "بنات ألفا" و"الرجل الذي باع ظهره"، عن قرارها بتحويل فيلمها الأخير "صوت هند رجب" (The Voice of Hind Rajab) إلى فيلم دراما روائية (Scripted Drama) بدلا من قالب الوثائقي.

ويتناول الفيلم مأساة الطفلة الفلسطينية رجب ذات الأعوام الستة التي استشهدت بنيران القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، بعد أن كانت محاصرة داخل مركبة مليئة بجثث أفراد عائلتها.

وقالت بن هنية إن الامتناع عن عرض صور الأشلاء والدماء الفلسطينية يمثل شكلًا من أشكال المقاومة الفنية. واستدعت المخرجة مقولة شهيرة للمخرج الفرنسي جان لوك غودار حول المفارقة التي تمنح الإسرائيليين الحق في تحويل رواياتهم إلى أفلام روائية خيالية تصنع الأساطير، بينما يُحصر الفلسطينيون في القالب الوثائقي وكأنهم مطالبون على الدوام بتقديم الأدلة المادية على معاناتهم لإثباتها.

وأوضحت أن الهدف كان منح الشخصيات الفلسطينية الموقف الأخلاقي والإنساني الكامل الذي يحظى به الأبطال البيض في السينما الغربية مثل شخصيات "أنديانا جونز" (Indiana Jones) أو أبطال المسلسلات الأمريكية مثل "بريكينغ باد" (Breaking Bad).

إعلان

ولا تدور أحداث الفيلم في قلب غزة، بل داخل مركز اتصالات الطوارئ التابع للهلال الأحمر الفلسطيني، حيث يتفاعل الممثلون مع التسجيل الصوتي الحقيقي للطفلة هند وهي تستغيث طيلة ساعات.

تكريس النظرة الفوقية للغرب

من جانبه، كشف المنتج التونسي الفرنسي نديم شيخ روحه، شريك بن هنية الفني، عن التحديات الهيكلية التي تواجه السينما الناطقة بالعربية في أوروبا، واصفا منظومة التمويل المؤسسي الغربية بأنها تمارس "رقابة مبطنة" عبر توجيه الأموال نحو موضوعات بعينها تخدم الصور النمطية.

الملصق الترويجي لفيلم "صوت هند رجب" (الجزيرة)

وأشار إلى أن فيلم "بنات ألفا" (Four Daughters) نال التمويل الغربي بسهولة لأنه ركّز على قضايا التطرف والتحاق فتيات بتنظيم الدولة الإسلامية، معقبا "الغرب يفضل هذه النوعية من القصص لأنها تمنحه شعورا بالفوقية أو بدور المنقذ وهو يراقب أزمات دول الجنوب العالمي".

واستعاد المنتج كواليس إنتاج فيلم "الرجل الذي باع ظهره" عام 2020، حينما واجه مسؤولو لجان السينما الأوروبية المخرجة بأسئلة مشككة حول "مشروعيتها في الحديث عن الفن المعاصر"، واعتراضهم على اختيار ممثل وسيم لتأدية دور لاجئ سوري يتحرك بدافع الحب لا البؤس.

وتساءل شيخ روحه مستنكرا "هل يجرؤ أحد على طرح هذه الأسئلة على مخرج أبيض مثل روبين أوستلوند عندما قدم فيلم "الميدان" (The Square)؟ إنهم يطالبوننا ضمنيا بالبقاء في مساحة تصوير المرأة العربية الغارقة في الألم والمشكلات فقط".

الرقابة وتصاعد اليمين في أوروبا

أكد المنتج أن صناع الأفلام العرب يقعون تحت مجهر تدقيق صارم لا يترك مساحة للخطأ؛ إذ اضطر فريق عمل "صوت هند رجب" إلى مراجعة وتوثيق كل حقيقة تاريخية وقانونية في الفيلم لجعله "مضادا للرصاص" أمام أي هجمات سياسية قد تقتله تجاريا، وهي شروط لا تُفرض على الأفلام التي تتبنى السردية الأخرى.

وقال شيخ روحه إن إحدى صديقاته الفرنسيات عبرت -عقب مشاهدة الفيلم- عن دهشتها من حجم استماتة طواقم الهلال الأحمر لإنقاذ الطفلة، وكانت من قبل متأثرة ببروباغندا شائعة تدعي أن العرب لا يأبهون لحياة أطفالهم.

وفي ختام الندوة، ربطت بن هنية -التي تنتمي لجيل مخرجين من شمال أفريقيا برزوا في مناخ الحرية عقب الربيع العربي قبل التراجع نحو التضييق- بين محاصرة صناع الأفلام في الخارج وبين الواقع الأوروبي الحالي.

المنتج التونسي نديم شيخ روحه (غيتي)

وتزامن المؤتمر مع سحب وزارة الداخلية البريطانية تأشيرات دخول الناشطين الأمريكيين سينك أويغور وحسن بيكر لمنعهم من التحدث في المهرجان خوفا من أن تؤدي انتقاداتهم لإسرائيل إلى "تغذية معاداة السامية".

ووجهت بن هنية حديثها مباشرة للجمهور البريطاني محذرة "أقول لزملائي في فرنسا دائما إنكم لا تدركون حجم الامتيازات التي تتمتعون بها. احذروا لأن اليمين المتطرف قادم إليكم، ولا تظنوا أن البرامج الداعمة للثقافة وحرية التعبير هي مكتسبات مضمونة ومستقرة للأبد".

مواجهات لا تنتهي

لم تكن ندوة مهرجان "إس إكس إس دبليو لندن" محطةً استثنائية في مسيرة كوثر بن هنية، بل حلقة في سلسلة طويلة من المواجهات التي لم تبحث عنها، لكنها لم تتراجع أمامها قط.

إعلان

فمنذ أن وضعت قدمها في عالم السينما، اختارت دائما الموضوعات التي يتجنبها غيرها، عن نساء انضممن إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وعن لاجئ سوري يبيع ظهره لفنان أوروبي، وعن طفلة تقتل بينما تستغيث على الهاتف في غزة.

وفي كل مرة، كان الثمن باهظاً. على هامش مهرجان برلين، رفضت تسلّم جائزة "أكثر الأفلام قيمة" التي مُنحت لفيلمها، احتجاجا على مشاركة جنرال إسرائيلي متقاعد في المهرجان.

وقالت من على المسرح بصوت ثابت "ما حدث لهند ليس استثناءا، بل هو جزء من إبادة جماعية. الليلة لن آخذ هذه الجائزة معي إلى البيت، سأتركها هنا تذكيرا. وحين يُسعى إلى السلام بوصفه التزاما قانونيا وأخلاقيا، سأعود وأقبلها بفرح".

كان المسرح يضم في تلك الليلة رئيس لجنة التحكيم فيم فيندرز، الذي قال قبل أيام إن على صناع الأفلام "الابتعاد عن السياسة"، وكان موقفها ردا أبلغ من أي خطاب.

قبل ذلك، كانت قد وقفت على السجادة الحمراء لحفل البافتا لتقول إن المشاهير يجب أن يستخدموا منصاتهم للتحدث عن الحرب على غزة وعن القضايا الكبرى، في وقت آثر فيه كثير من زملائها الصمت أو الإجابات المراوغة.

وحين كانت تصوّر مشاهد الممثلين وهم يسمعون صوت هند للمرة الأولى في أذنهم أثناء التصوير، كانت توجّه ممثليها بالإبقاء على أول ردة فعل حقيقية، لأنها أدركت أن ما ستلتقطه الكاميرا لن يكون أداء بل مشاعر حقيقية.



إقرأ المزيد