بطرس الأكبر.. قدوة بوتين والناهض بروسيا الحديثة
الجزيرة.نت -

من أبرز الشخصيات السياسية في التاريخ الروسي، إذ ارتبط اسمه بمرحلة تحول جذري شهدتها روسيا في أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر. سعى إلى تحديث الدولة الروسية وإعادة تنظيم مؤسساتها العسكرية والإدارية والاقتصادية وفق النماذج الأوروبية الحديثة، الأمر الذي أسهم في تعزيز مكانة روسيا وتحويلها إلى قوة مؤثرة في الساحة الدولية.

تميز عهده بسلسلة واسعة من الإصلاحات والمشروعات الطموحة، شملت تأسيس أسطول بحري حديث، وإنشاء مدينة سانت بطرسبرغ، وتطوير التعليم والإدارة، إلى جانب توسيع حدود الدولة الروسية.

المولد والنشأة

ولد بطرس الأكبر، المعروف باسم بيوتر ألكسييفيتش، في 9 يونيو/حزيران 1672 بمدينة موسكو الروسية. وكان الابن الأول للقيصر ألكسيس من زوجته الثانية ناتاليا ناريشكينا، والابن الرابع عشر للقيصر بشكل عام.

نشأ في بيئة سياسية مضطربة اتسمت بالصراع على النفوذ بين عائلة ناريشكين وعائلة ميلوسلافسكي، وهي عائلة الزوجة الأولى لوالده.

بعد وفاة والده عام 1676، دخلت روسيا في مرحلة من الاضطرابات السياسية. وعندما توفي أخوه غير الشقيق القيصر فيودور الثالث عام 1682 دون وريث، اندلع صراع دموي على السلطة شهد أثناءه  بطرس، وهو في العاشرة من عمره، تمرد قوات الستريلتسي التي دعمت خصوم عائلته.

الإمبراطور بطرس الأكبر يعرف باسم بيوتر ألكسييفيتش (غيتي)

نُصِّب بطرس وأخوه غير الشقيق إيفان الخامس قيصرين مشتركين، بينما تولت أختهما صوفيا الوصاية على العرش. وأثناء هذه الفترة عاش بطرس في قرية بريوبراجينسكوي بالقرب من موسكو بعيدا عن أجواء البلاط، حيث انصرف إلى تنمية اهتماماته العسكرية والتقنية.

أظهر بطرس منذ صغره شغفا كبيرا بالشؤون العسكرية، فكون فرقا من "الجنود الصغار" تحولت لاحقاً إلى وحدات عسكرية منظمة.

وفي عام 1689 انتهت وصاية صوفيا بعد فشلها في إقصائه عن الحكم، ثم أصبح الحاكم الأوحد لروسيا بعد وفاة والدته عام 1694 وعيّن أخوه إيفان شريكا له في الحكم عام 1696.

الدراسة والتكوين العلمي

لم يحظَ بطرس الأكبر بتعليم رسمي متكامل في طفولته بسبب الاضطرابات السياسية التي أحاطت بنشأته، إلا أنه عوض هذا النقص بالاعتماد على التعلم الذاتي والخبرة العملية. فقد أبدى منذ صغره اهتماما كبيرا بالشؤون العسكرية والتقنيات الحديثة، وحرص على اكتساب المعرفة من خلال التجربة المباشرة والاحتكاك بالخبراء الأجانب.

إعلان

وأثناء إقامته في قرية بريوبراجينسكوي قرب موسكو، انشغل بالتدريبات العسكرية وتنظيم فرق تدريبية، كما تعلم مبادئ العلوم والتكنولوجيا الغربية على أيدي عدد من الألمان والهولنديين المقيمين في روسيا. وأسهم هذا الاحتكاك المبكر في توسيع آفاقه وتعزيز اهتمامه بالتطوير والتحديث.

تمثال لبطرس الأكبر في مدينة سانت بطرسبرغ (غيتي)

وشكلت رحلته إلى أوروبا الغربية بين عامي 1697 و1698، المعروفة باسم "السفارة الكبرى"، نقطة تحول مهمة في تكوينه العلمي. فقد زار هولندا وإنجلترا والنمسا وبروسيا، واطلع على أحدث الإنجازات العلمية والتقنية، كما عمل بنفسه في أحواض بناء السفن الهولندية لاكتساب الخبرة العملية في هذا المجال.

وإدراكا منه لأهمية العلم في نهضة الدولة، عمل بطرس على تبسيط اللغة والخط الروسي لتسهيل ترجمة المؤلفات العلمية الأوروبية، واستقدم خبراء أجانب لنقل المعارف الحديثة إلى روسيا. كما اهتم بتطوير التعليم، فأمر بإنشاء مدارس متخصصة، وفرض تعليم الرياضيات على أبناء ملاك الأراضي، في إطار مشروعه الواسع لتحديث المجتمع والدولة الروسية.

أبرز الإنجازات

يُعد بطرس الأكبر من أبرز الحكام في التاريخ الروسي، إذ قاد عملية تحديث شملت مختلف المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

فعلى الصعيد العسكري، أسس أول أسطول بحري روسي حديث وأعاد تنظيم الجيش وفق الأساليب الأوروبية المتطورة، مما عزز قدرات الدولة العسكرية. كما حقق انتصارات مهمة، أبرزها انتصاره على السويد في معركة بولتافا عام 1709، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانة روسيا باعتبارها قوة مؤثرة في أوروبا.

الإمبراطور بطرس الأكبر أصبح الحاكم الأوحد لروسيا بعد وفاة والدته عام 1694 وأخيه إيفان عام 1696 (غيتي)

وفي مجال التوسع الإقليمي، نجح في ضم أراضٍ جديدة على سواحل بحر البلطيق والبحر الأسود وبحر قزوين، الأمر الذي وفر لروسيا منافذ بحرية استراتيجية وعزز نفوذها التجاري والسياسي. كما شجع استكشاف وتطوير المناطق الشرقية من البلاد، خاصة سيبيريا.

ومن أبرز إنجازاته تأسيس مدينة سانت بطرسبرغ عام 1703 على ضفاف نهر نيفا، والتي أصبحت العاصمة الجديدة لروسيا عام 1712. وقد مثّلت المدينة رمزاً لمشروعه التحديثي ونافذة روسيا على أوروبا.

كما أجرى إصلاحات إدارية واسعة شملت إنشاء مجلس الشيوخ للإشراف على شؤون الدولة، وتأسيس هيئات إدارية متخصصة تشبه الوزارات الحديثة. وفي عام 1722 أصدر "جدول الرتب" الذي أتاح الترقية في مؤسسات الدولة والجيش على أساس الكفاءة والخدمة، وليس على أساس النسب أو المكانة الاجتماعية فقط.

وعلى الصعيد الديني والاجتماعي، عزز سلطة الدولة على الكنيسة الروسية من خلال إنشاء المجمع المقدس وإلغاء منصب البطريرك. كما شجع تبني بعض المظاهر الأوروبية في اللباس والعادات، وعمل على تحديث الحياة الثقافية والعلمية، فبسط الأبجدية الروسية، وشجع ترجمة الكتب العلمية، وأسس مدارس ومؤسسات تعليمية متخصصة.

نصب تذكاري للقيصر الروسي بطرس الأكبر في موسكو. صممه الفنان زوراب تسيريتيلي (شترستوك)

أما اقتصادياً، فقد اهتم بتنشيط التجارة والصناعة، وشجع إنشاء المصانع وتطوير البنية الاقتصادية للدولة، كما وسّع العلاقات التجارية مع الدول المجاورة، مما أسهم في تعزيز الموارد المالية للإمبراطورية الروسية.

إعلان

وبفضل هذه الإصلاحات والإنجازات، تمكن بطرس الأكبر من إرساء أسس الدولة الروسية الحديثة وتحويلها إلى إحدى القوى الكبرى في أوروبا في القرن الثامن عشر.

بين الإصلاح والاستبداد

على الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققها بطرس الأكبر في تحديث روسيا وتعزيز مكانتها الدولية، فإن شخصيته وسياساته ظلت موضع جدل واسع بين المؤرخين والباحثين. فقد ارتبط اسمه بإصلاحات كبرى من جهة، وبأساليب حكم صارمة وقاسية من جهة أخرى.

اتسم بطرس الأكبر بالنزعة الاستبدادية واعتماده على القوة في مواجهة خصومه ومعارضيه. وقد ظهر ذلك بوضوح في تعامله مع تمرد قوات الستريلتسي، فقد أمر بقمع التمرد بعنف شديد ونفذ عمليات إعدام واسعة بهدف ترسيخ سلطته ومنع أي تهديد مستقبلي للحكم.

ومن أكثر الأحداث إثارة للجدل في حياته قضية ابنه الأكبر ألكسيس، الذي اتُهم بالتآمر والخيانة. وقد انتهت القضية بوفاة ألكسيس أثناء التحقيقات عام 1718، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة وألقى بظلاله على صورة القيصر في التاريخ الروسي.

الإمبراطور بطرس الأكبر من أبرز إنجازاته تأسيس مدينة سانت بطرسبرغ عام 1703 على ضفاف نهر نيفا (غيتي)

كما واجهت إصلاحاته الاجتماعية والثقافية معارضة كبيرة، إذ سعى إلى إدخال أنماط الحياة الأوروبية إلى المجتمع الروسي، وفرض تغييرات على الملبس والمظهر والعادات التقليدية. ورأى كثير من المحافظين في هذه الإجراءات تهديدا للهوية الروسية وللقيم الاجتماعية السائدة آنذاك.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فرض ضرائب مرتفعة لتوفير الموارد اللازمة لتمويل مشروعاته العسكرية والإصلاحية، مما زاد الأعباء على فئات واسعة من السكان وأدى إلى اندلاع بعض الاحتجاجات والتمردات. كذلك أثار تدخله في شؤون الكنيسة الأرثوذكسية وإخضاعها لسلطة الدولة اعتراضات من رجال الدين والتيارات المحافظة.



إقرأ المزيد