بعد نصف قرن.. ليانا تعيد قضية "الكنزة الحمراء" إلى ذاكرة الفرنسيين
الجزيرة.نت -

يفصل أكثر من 50 عاما بين قضية الكنزة الحمراء المرتبطة بكريستيان رانوشي وقضية الطفلة ليانا في إقليم جير، لكنهما تلتقيان عند نقطة جوهرية واحدة: اهتزاز ثقة الفرنسيين في قدرة القضاء على تحقيق العدالة وحماية الأبرياء.

فالقضيتان، وفقا للإعلام الفرنسي، كشفتا عن فجوات عميقة في منظومة العدالة الجنائية، فقضية رانوشي حطمت ثقة الفرنسيين في يقين الأحكام القضائية بسبب تسرع أفضى إلى إعدام متهم تحوم حوله شكوك البراءة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

أما مأساة الطفلة ليانا، حسب المصدر ذاته، فأسقطت قناع الكفاءة عن هذه المنظومة مجددا، ولكن هذه المرة بسبب البيروقراطية القاتلة، والبطء الإداري، وتجاهل الإشارات التحذيرية التي سمحت لـ "مفترس جنسي" بالتحرك بحرية حتى ارتكاب جريمته المفجعة.

رانوشي ادعى انه بريء وان اعترافه كان تحت التعذيب المصدر (ألكيترون)

وفي كلتا الحالتين، وفقا للصحافة الفرنسية، كانت النتيجة واحدة: فقدان حياة طفل، وصدمة وطنية، وأسئلة مؤلمة حول مسؤولية المؤسسات.

وقد أجمعت التغطيات التحليلية لمواقع لوفيغارو وميديا بارت وليبراسيون وبوليس سكانر (Police Scanner) على عدة نقاط جوهرية تُدين آليات عمل السلطات القضائية والأمنية:

فقد اتفقت على أن الأزمات ليست مجرد هفوات فردية معزولة، بل هي انعكاس لـ "منظومة مخنوقة" تفتقر إلى التنسيق الفعال والقدرة على التنبؤ بالخطر وحماية الأطفال الذين هم الضحايا الأكثر هشاشة.

وأكدت هذه المواد أن الجرائم في الحالتين لم تكن حتمية، بل كانت هناك هوامش زمنية وأدلة واضحة لو أحسنت المنظومة التعامل معها لربما تغير مسار الأحداث تماما.

كما أبرزت هذه التغطيات أن تكرار هذه الأخطاء القضائية الفادحة يكسر "الوعد الجمهوري" الذي يضمن للمواطنين والضحايا الحماية والعدالة، مما يفرز موجات عارمة من الغضب الشعبي والسياسي.

رانوكشي وهو يقاد إلى السجن بعد اعترافه بقتل راملا وذلك قبل أن ينفذ فيه الإعدام (الفرنسية)
 قضية الكنزة الحمراء عام 1974

في يونيو/حزيران 1974، اختطفت الطفلة ماري-دولوريس رامبلا (8 أعوام) في مرسيليا، وعُثر عليها مقتولة لاحقا.

إعلان

أوقفت الشرطة الشاب كريستيان رانوشي (20 عاما) واعتبرته المشتبه به المثالي، في قضية وثق أبعادها موقع بوليس سكانر باعتبارها إحدى أكبر الألغاز القضائية في فرنسا.

ولخص الموقع أبرز إخفاقات القضاء في هذه القضية في النقاط التالية:

  • أولًا: ذكر أن الإدانة استندت بشكل رئيسي إلى اعترافات رانوشي الموقعة، والتي تراجع عنها بعد ساعات قليلة مؤكدا أنها "انتُزعت تحت الضغط ونتيجة لعنف الشرطة".
  • ثانيًا: أصبحت الكنزة الحمراء التي عُثر عليها بالقرب من الجريمة رمزا للقضية، ورغم ذلك "لم يتم إثبات نسبتها رسميا وبشكل قاطع إلى رانوشي".
  • ثالثًا: أغفلت التحقيقات شهادات عيان أشارت إلى أن سائق السيارة الرمادية المشبوهة كان يحمل مواصفات جسدية تختلف تماما عن مظهر رانوشي.

لكن هذه الإخفاقات، حسب الموقع، توجت بإعدام رانوشي بالمقصلة عام 1976 وسط أجواء مشحونة، ليتحول ملفه لاحقا إلى المحرك الأساسي وراء إلغاء عقوبة الإعدام في فرنسا عام 1981 يقودها إيمان مرعب بأن العدالة قد تكون أعدمت بريئا.

قضايا أخرى

وفي السياق ذاته، استعرض الصحفي نيكولا داغين في تقرير له بصحيفة لوفيغارو قضايا أخرى أكدت توغل العجز القضائي عبر السنوات.

ففي قضية فرانسيس إيفرارد (2007)، أُطلق سراح متحرش بالأطفال مشهور بعد 20 عاما في السجن ليعاود الاختطاف بعد 6 أسابيع فقط من الإفراج عنه.

وفي قضية ماري-كريستين هودو (2009)، اغتال مجرمٌ مفرج عنه تحت المراقبة القضائية امرأة، وسط تلاوم بين النيابة وجهاز السجون، مما دفع الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي لوصف الخلل بأنه "خطأ جسيم من قاضي تطبيق العقوبات".

ساركوزي ما آلت إليه إحدى القضايا بانه خطأ جسيم من قاضي تطبيق العقوبات (الفرنسية)

أما قضية ليتيسيا بيراي (2011)، فقد شكلت وفقا للصحيفة رمزا حقيقيا لعدالة مأزومة، حيث قُتلت شابة على يد مجرم خرج لتوّه من السجن دون متابعة فعلية من مستشاري الإدماج، مما جعل ساركوزي يصرخ حينها: "عندما نترك مجرماً يخرج من السجن دون التأكد من متابعته، فهذه خطيئة".

قضية ليانا عام 2026

في مايو/أيار 2026، اختفت الطفلة ليانا (11 عاما ونصف العام) في منطقة "جير" وعُثر على جثتها ممتلئة بالكدمات داخل صومعة حبوب مهجورة.

المتهم هو "جيروم ب." (41 عاما)، رجل ذو سجل حافل بالإشارات التحذيرية التي تجاهلها القضاء تماما بحسب ما كشفته التحقيقات الصحفية المشتركة.

ولخص التقرير أبرز إخفاقات القضاء والأمن في هذه القضية في النقاط التالية:

  • أولًا: في أغسطس/آب 2025، قدمت أم طفلة أخرى شكوى ضد هذا الشخص بتهمة الاغتصاب المتكرر، ولم يتم حتى استجواب المتهم طوال 9 أشهر! بل إن رجال الدرك هددوا الأم الشاكية قائلين، وفقا لما نقلته لوفيغارو عن فرانس إنفو (France Info): "إذا لم تتوقفي عن الاتصال بنا، سنحرر محضر تحرش ضدك".
  • ثانيًا: تجاهل الادعاء العام في مدينة "أوش" (Auch) للدورية الجنائية الصادرة في يناير/كانون الثاني 2025، والتي ألزمت النيابة بالتعامل مع العنف ضد الأطفال كـ "أولوية مطلقة ذات يقظة خاصة ومعالجة فورية". لكن هذا المتهم لم تُتخذ ضده أي تدابير احترازية كالحجز أو التفتيش أو الإدراج في قوائم مرتكبي المخالفات الجنسية.
  • ثالثًا: بررت النيابة العامة بطأها بـ "نقص الأدلة" وسقوط القضايا بسبب تبادل الملفات بين النيابات، بينما ردت نقابات القضاة في بيان رسمي نشرته الصحيفة بأنهم يتأثرون بتكدس الملفات لدى أجهزة الأمن وتباطؤ خطوط التحقيق الفوري.
بيير رامبلا وزوجته، والدا الطفلة ماريا دولوريس رامبلا وقت إعلامهما بتنفيذ حكم الإعدام في رانوشي (AFP)
غضب الشارع

وأشعل مقتل ليانا بركانا من الغضب الشعبي والسياسي رصدته الصحف في تقارير وافتتاحيات.

إعلان

نقلت لوفيغارو موقف الجمعيات النسوية الحازم، حيث أعلنت مؤسسة المرأة عبر منصاتها إن هذه القضية: "ليست مجرد حادثة عرضية، بل فشل نظامي للمؤسسات.. لا يمكننا مطالبة الضحايا بالتحدث، إذا كانوا عندما يتحدثون لا يستمع لهم ولا يحظون بالحماية"

وعبر رئيس بلدية فلورانس غريغوري بوباتو عن هذا الاحتقان أثناء المسيرة البيضاء التي ضمت 5 آلاف شخص ونقلت تفاصيلها الصحفية بريسكا بوريل في موقع ميديا بارت، قائلا:

"لقد حدث ما لا يمكن وصفه بالكلمات، ويريدون إقناعنا بأن الأمر مجرد خلل وظيفي في وسط نظام يعمل بشكل جيد!"

وأضاف: "إن هذه العائلة تستحق ما هو أفضل من تحقيق إداري آخر أو تعاطف ظاهري، نحن ننتظر أفعالاً وقوانين تتجاوز اللغو الوزاري"

الطفلة كلوي: العدالة لم تقم بعملها، وإلا لكانت ليانا لا تزال هنا معنا

وحتى الأطفال من زملاء الضحية، لخصوا الفاجعة ببراءة مبكية في ذات التقرير حيث قالت الطفلة كلوي (11 عاما):

"العدالة لم تقم بعملها، وإلا لكانت ليانا لا تزال هنا معنا"، لتعقب والدتها أورور: "بسبب هذا النظام الفاشل، لدينا اليوم مقعدان فارغان في هذا الفصل المدرسي".

وفي السياق المهني والتشريعي، شنت الصحافة هجوما عنيفا على حصانة القضاة، حيث كتب رئيس تحرير لوفيغارو إيف ثريارد في افتتاحية للصحيفة قائلا: "الجرّاح الذي يفشل في عملية يمكن ملاحقته قضائياً.. فلماذا لا يحاسب القاضي على قراراته؟.. مبررات المدعي العام لا تصمد للحظة واحدة".

قرويون لدى بحثهم عن ليانا قبل العثور على جثتها (الفرنسية)

وبخصوص الطريقة المناسبة لإنهاء المماطلة القضائية، اقترحت المحامية راشيل-فلور باردو في صحيفة ليبراسيون الرؤية القانونية التالية:

"مثلما تم إنشاء نيابات وطنية لمكافحة تهريب المخدرات، الجرائم المالية والإرهاب، فإن العنف الجنسي والجرائم الموجهة ضد الأطفال تستحق نفس المستوى من الكفاءة، والتحرك، والتنسيق.. نحن بحاجة إلى نيابة وطنية مخصصة للجرائم الجنسية ضد الأطفال".

وإذا كانت قضية الكنزة الحمراء قد زرعت الشك في قدرة القضاء الفرنسي على تجنب الخطأ القضائي، فإن قضية ليانا أعادت طرح سؤال أكثر إلحاحا: هل تستطيع العدالة حماية الأطفال عندما تكون المؤشرات التحذيرية موجودة مسبقا؟



إقرأ المزيد