مصر وسوريا.. تقدم حذر
الجزيرة.نت -

صحفي مصري ووكيل لجنة الإعلام والثقافة والآثار في مجلس النواب.

Published On 8/6/2026

شارِكْ

إلى أين تسير العلاقات المصرية السورية؟ هل لا تزال في مرحلة الحذر، أم تتقدم إلى الأمام، أم تتراجع بفعل الخلافات والاختلافات المعروفة؟!
للإجابة ومن خلال قراءة مجمل التطورات في الأسابيع الأخيرة يمكن القول بثقة إنها تسير إلى الأمام، لكن عودتها إلى سابق عهدها تستلزم وقتا وجهدا وإجراءات، وبناء ثقة حقيقيا على الأرض، وليست مجرد تصريحات دبلوماسية أو إعلامية، مهما كانت طيبة.

في الأيام الأخيرة انتشرت أخبار وتقارير تشير إلى أن هناك تحفظات مصرية تعرقل استقبال البعثة الدبلوماسية السورية، وأن وزارة الخارجية المصرية امتنعت عن قبول أوراق سفير سوريا الجديد في القاهرة، بل ولم تعط موافقات على بعض أعضاء البعثة.

ومن خلال التواصل مع مصادر دبلوماسية عربية في القاهرة يمكن القول إن معظم ما سبق إما أنه غير دقيق أو غير صحيح. والأدق أنه ربما كانت هناك بعض التحفظات على أحد المرشحين السابقين ليكون سفيرا في القاهرة، لكن هذا الأمر انتهى، وأصبح هناك مرشح مختلف لا توجد عليه تحفظات من القاهرة، كما قال لي مصدر دبلوماسي عربي، مؤكدا أن اعتماد أفراد البعثات الدبلوماسية يخضع لسيادة وسياسة كل دولة وللأعراف الدولية، واعتبارات أخرى تخص الظروف والتطورات.

التقارير الإخبارية أشارت إلى أن المرشح ليكون سفيرا هو محمد طه الأحمد الذي حصل على ماجستير في التقييم المالي والاقتصادي للمشروعات الزراعية من جامعة القاهرة عام 2012، ويشغل الآن منصب مدير إدارة الشؤون العربية بالخارجية السورية، وكذلك رئاسة لجنة انتخابات مجلس الشعب، ولا يعتبر نفسه منتميا لأي جماعة أو تنظيم تعتبره مصر محظورا، أو على لوائح الإرهاب.

يضيف المصدر أن هناك العديد من الإشارات الإيجابية الآتية من دمشق سواء في التعاون الاقتصادي المتزايد أو تقدير الدور المصري في احتضان نحو مليون سوري خلال فترة الاضطرابات، ولا يزال معظمهم موجودا، إضافة للتصريحات الإيجابية من الرئيس السوري أحمد الشرع بعد تصريحه غير الموفق في الرياض الذي قلل فيه من التجربة المصرية، مشيدا فقط بالنهضة التركية!

إعلان

ما فهمته من مصادر عدة أن العلاقات البلدين "ذات نسق تصاعدي" خصوصا في المجال الاقتصادي، وفي التفاصيل فقد نقلت الحكومة السورية إلى نظيرتها المصرية الرغبة في الاستفادة من خبرة الشركات المصرية، سواء في الداخل المصري، أو أفريقيا، أو في بعض البلدان العربية، كما أشاد الرئيس الشرع مؤخرا بكفاءة وقدرات الشركات المصرية، والرغبة في مساهمتها في إعادة الإعمار في سوريا.

ومن يتابع العلاقات هذه الأيام سيلاحظ بوضوح تسارعا في المستوى الاقتصادي، خصوصا بعد صفقة الغاز المصرية إلى سوريا، مقابل هدوء حذر سياسيا ودبلوماسيا، لكنه لا يعنى بأي حال من الأحوال التراجع أو التدهور أو الأزمة، كما حاولت تقارير تصوير ذلك مؤخرا.

في بدايات العام الحالي زار وفد تجاري مصري دمشق. وقبل أيام زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني القاهرة على رأس وفد اقتصادي كبير يشمل قطاعات مختلفة، أثمر في النهاية عن تشكيل مجلس رجال الأعمال المشترك بين البلدين، والتقدير العام من الطرفين أن الزيارة كانت ناجحة، عكس تصورات بعض التقارير الصحفية.

الشيباني التقى نظيره المصري الدكتور بدر عبدالعاطى في القاهرة، وقبلها التقيا في العديد من العواصم، والرئيس عبدالفتاح السيسي هنأ الرئيس الشرع في يناير/كانون الثاني 2025 بتوليه الرئاسة، أي بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وفي مارس/آذار من العام نفسه التقى الرئيسان في القمة العربية التي عقدت في القاهرة، ووقتها أكدت مصر دعمها لوحدة الأراضي السورية، والحل السياسي الشامل، ثم التقى الرئيسان على هامش القمة العربية الأوروبية التي عقدت قبل أسابيع في العاصمة القبرصية.

هل معنى هذه اللقاءات على المستويات الاقتصادية والوزارية والرئاسية أن العلاقات عادت إلى المستوى الطبيعي؟
الإجابة هي لا. لكن من المهم تعريف معنى مصطلح المستوى الطبيعي، لأن سيرة العلاقات بين مصر وسوريا تشبه مع الفارق العلاقات المصرية السودانية، بمعنى أنها لا تعرف "الحالة الوسط" بل الحب الجارف أو الخلاف الواسع.

مصر والسودان كانتا بلدا واحدا لعقود طويلة حتى عام 1956. ومصر وسوريا كانتا بلدا واحدا في دولة الوحدة لمدة ثلاث سنوات من عام 1958 حتى حدث الانفصال في 28 سبتمبر/أيلول عام 1961.

ورغم قصر مدة الوحدة لكنها خلقت حالة من التزاوج والتعايش والشراكة لا تزال بعض آثارها موجودة حتى الآن، بغض النظر عن طبيعة العلاقات بين حكومتي البلدين طوال العقود الماضية. وربما يمكن فهم هذه العلاقة العاطفية بصورة أوضح مما قاله الشرع قبل أسابيع بأنه من بيت ناصري ومصري الهوى.

من التاريخ نعود إلى الواقع الراهن وليس سرا أن مصر حددت مجموعة من الأسس لكي يعود التقارب والتعاون، أهمها أن تحرص السلطة الجديدة على توسيع مظلتها لتكون شاملة لكل السوريين، وألا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وأن تكون سوريا جزءا من علاقات إقليمية  متوازنة، وأن يكون هناك جيش وطني موحد يعبر عن كل السوريين، والروح السورية الجامعة. وبالطبع مع إبعاد المصريين المتورطين في عمليات إرهابية من الأراضي السورية، أو على الأقل عدم إسناد مناصب رسمية لهم، ووقف التصريحات الإعلامية المناهضة لمصر.

إعلان

والتقدير العام في القاهرة أن هناك تحركا سوريا إيجابيا لتبديد كل ما يمكن أن يؤثر بالسلب على العلاقات التاريخية والعميقة بين البلدين.

في الختام ومن خلال التواصل مع العديد من المصادر الدبلوماسية العربية، فإن العلاقات المصرية السورية تتقدم إلى الأمام رغم أنها لا تزال في فترة الحذر، هي جيدة اقتصاديا، حذرة سياسيا. الكرة لا تزال في ملعب دمشق لكي تبرهن بالأفعال على حسن نواياها، وأنها هجرت فكرة التنظيم العقائدي المغلق إلى رحاب الدولة الموحدة لكل مواطنيها على اختلاف طوائفهم وأعراقهم.

وهذا هو التحدي الذي لا يتعلق بالعلاقات مع مصر فقط، ولكن بمجمل علاقات سوريا الخارجية، خصوصا أنها تواجه عدوا إسرائيليا شرسا يسعى بكل السبل إلى تفتيتها إلى دويلات عرقية وطائفية. فهل تنجح السلطة الجديدة في هذا التحدي؟
الأيام المقبلة هي من تتولى الإجابة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد