"السلام من خلال القوة" هذا هو النهج الجمهوري
الجزيرة.نت -

كان الثامن والعشرون من فبراير/شباط هو التاريخ الذي شنت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما الأولية ضد إيران. وهذا يعني أننا وصلنا الآن إلى عتبة المئة يوم من هذا الصراع دون أن تلوح في الأفق أي حلول وشيكة. فكيف ينعكس هذا المشهد على الساحة السياسية داخل الولايات المتحدة؟

إن تبرم الديمقراطيين بالرئيس دونالد ترمب بلغ حدا جعلهم يعارضون عمليا أي شيء يطرحه، ولهذا فقد انتقدوا تحركات إدارته في المنطقة بحماس وعدوانية شديدين. وفي المقابل، فإن الجمهوريين- الذين كانوا قبل عام واحد فقط يتباهون بجهود ترمب لإقرار وقف إطلاق النار في غزة- التزموا الصمت إلى حد كبير فيما يتعلق بإيران.

ستحتفل الولايات المتحدة في شهر يوليو/تموز القادم بمرور 250 عاما على تأسيسها كجمهورية ديمقراطية. وخلال الغالبية العظمى من ذلك التاريخ، هيمن حزبان سياسيان على الساحة. وفي حين كان الحزبان يتشاجران ويتصارعان حول القضايا الداخلية كالتعليم، والنقل، والاقتصاد، إلا أنهما كانا موحدين إلى حد كبير عندما يتعلق الأمر بالشؤون الخارجية. فبغض النظر عن الانتماء الحزبي، كان هناك حب للوطن، وإدراك واسع النطاق لمن هو حليف أمريكا ومن هو عدوها.

وخلال حرب فيتنام في الستينيات، بدأت تلك الوحدة تتصدع، وفي الألفية الجديدة انقسمت بشكل واضح. وبدءا من إدارة أوباما في عام 2009، وجد أصدقاء أمريكا وخصومها على حد سواء نهجا مختلفا ورسالة مختلفة من البيت الأبيض. فقد كان تفسير الرئيس أوباما لمكانة أمريكا في المحافل الدولية مختلفا جدا عن سلفه الرئيس بوش.

ولم ينته الأمر عند هذا الحد؛ فعندما تولى الرئيس ترمب مقاليد الحكم في يناير/كانون الثاني من عام 2017، غير اتجاه البلاد على الساحة الدولية مرة أخرى. ثم جذب الرئيس بايدن عجلة القيادة بقوة ليعود بها نحو مسار أوباما، والآن غيرت أمريكا مسارها لتعود مجددا إلى رؤية الرئيس ترمب.

إعلان

هذا التذبذب في السياسة الخارجية يجعل من الصعب على وزراء الخارجية في جميع أنحاء العالم التأكد من الموقف الأمريكي. وحتى لو كانت الأمور واضحة بالنسبة لهم مع الإدارة الحالية، فهم يدركون جيدا أن كل شيء قد يتغير بعد انتخابات عام 2028.

فما هي أوجه الاختلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين، وكيف نشأت؟ لقد أطلت السياسة- بمفهومها الأكثر إثارة للازدراء- برأسها القبيح، وأصبحت الآن عاملا رئيسيا في كل بيان عام، وتصويتٍ في الكونغرس، وفي أي هدف سياسي ينطق به المسؤولون المنتخبون في العاصمة واشنطن، حتى في أكثر القضايا الدولية حساسية.

إن التصور الذي تروج له الكثير من وسائل الإعلام ذات الميول اليسارية، هو أن الجمهوريين عبارة عن مجموعة من الصقور الذين يستمتعون باستخدام القوة العسكرية المباشرة، ويعتقدون أن أي تردد سيُفسر على أنه ضعف. وغالبا ما ترسم وسائل الإعلام ذاتها صورة للحزب الديمقراطي على أنه محب للسلام، ويكرس جهوده للدبلوماسية فقط.

غير أن الصورة الأكثر دقة تشير إلى أن الصراع الحقيقي غالبا ما يكون بين فرعين من فروع الحكومة الأمريكية. فقد تعرض الرؤساء، بغض النظر عن انتمائهم الحزبي، لانتقادات شديدة وتوبيخ متكرر من قبل الكونغرس؛ بدعوى تجاوز السلطات الدستورية الممنوحة للسلطة التنفيذية؛ حيث عانى الرؤساء: كلينتون، وبوش، وأوباما جميعهم من مثل هذه الانتقادات من قبل الكونغرس في أعقاب العمليات العسكرية.

من المؤكد أن الجمهوريين لا يتعطشون للحرب. فرئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الحالي هو عضو الكونغرس بريان ماست؛ وهو محارب قديم فقد كلتا ساقيه في القتال في أفغانستان، ويدرك ويلات الحرب من كثب. وعندما تسمع رئيس اللجنة يتحدث عن الأنشطة العسكرية مثل تلك الموجودة في إيران، فإن حديثه يأتي بثقل ومعرفة تامة بالعواقب المحتملة. إنه يفضل جيشا قويا، لكنه لا يتعطش للحرب.

لقد صاغ رونالد ريغان، الرئيس الأمريكي الأكثر شعبية في القرن العشرين، هذا النهج بأفضل شكل من خلال شعار بسيط مكون من ثلاث كلمات: "السلام من خلال القوة". وهذا يلخص النهج الجمهوري بشكل أفضل من أي تفسير آخر؛ فالهدف دائما هو السلام. ومع ذلك، من المهم في بعض الأحيان أن يدرك المقاتلون الأعداء قوة أمريكا واستعدادها لاستخدام تلك القوة، من أجل الحفاظ على هذا السلام.

قارن ذلك باتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) لعام 2015 بين الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، إلى جانب بعض الشركاء الأوروبيين، وإيران. كان أوباما في أمس الحاجة للتوصل إلى اتفاق، أي اتفاق، لدرجة أنه كان على استعداد لتقديم تنازلات متكررة في المفاوضات مع إيران. وتحول الموقف الأمريكي من المطالبة بإيران خالية من الأسلحة النووية إلى موقف يُعد فيه التطوير النووي أمرا مقبولا. وكانت النتيجة هي السماح لأنف الجمل بدخول الخيمة.

وعند الحديث عن الضعف، يجب أن نتذكر أنه في نفس اليوم الذي تم فيه توقيع الاتفاق، قاد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية حشدا كبيرا في هتافات: "الموت لأمريكا، الموت لأمريكا". وفي لحظة مليئة بالمفارقة الساخرة، كان أوباما ووزير خارجيته جون كيري يتباهيان في الوقت نفسه بمدى فائدة هذا الاتفاق للعلاقات الأمريكية الإيرانية.

إعلان

ومما يبدو منسيا في تقارير وسائل الإعلام اليوم هو حقيقة أن الاتفاق لم يحظَ بشعبية على الإطلاق داخل الولايات المتحدة. فقد كان الرأي العام متشككا، وحتى أعضاء الكونغرس من حزب أوباما نفسه لم يكونوا داعمين له بشكل خاص.

إن الطريقة الوحيدة لضمان أن يكون أي اتفاق دولي يوقعه رئيس أمريكي ملزما على المدى الطويل هي المصادقة عليه من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي. وهذا يتطلب أغلبية عظمى تبلغ ثلثي أعضاء المجلس، وهي مهمة بالغة الصعوبة. وقد أشار البعض إلى أنه لو تم عرض خطة العمل الشاملة المشتركة على مجلس الشيوخ للتصويت عليها، فإنها لم تكن لتفشل فحسب، بل إن أكثر من الثلثين كانوا سيصوتون ضدها.

وبالنظر إلى الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، كانت هناك أهداف محددة وضعتها إدارة ترمب توضح أسباب قناعة إدارته بأن الضربات العسكرية كانت مبررة.

ففي حين تنفي إيران أي طموح لامتلاك سلاح نووي، وتستشهد أحيانا بفتوى صدرت عام 2010 عن المرشد الأعلى تحرم السعي لامتلاكه أبدا، إلا أن الواقع هو أن إيران كانت، لسنوات، تخصب اليورانيوم بنسبة 60%، وهو مستوى لا يخدم حرفيا أي غرض إذا كان الهدف هو الطاقة المدنية. فالطاقة النووية تتطلب تخصيبا بحد أقصى 20%، ولا يوجد أي مكان على وجه الأرض يتم فيه تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تتجاوز 20% لأي غرض آخر سوى برنامج التسلح.

أضف إلى ذلك مخزون اليورانيوم المخصب الذي بنته إيران واحتفظت به. فبرنامج الطاقة المدنية يستخدم اليورانيوم المخصب أولا بأول أثناء تشغيله، ولا يقوم بتخزينه. ويتفق الخبراء على أن الغرض الوحيد من تخزين اليورانيوم المخصب هو برنامج التسلح.

وتشعر الولايات المتحدة أن امتلاك إيران سلاحا نوويا يمثل خطرا على المنطقة، وعلى مصالحها، وعلى العالم بأسره.

إن أفعال إيران خلال الحرب الحالية قد أكدت ببساطة مخاوف أمريكا. فمنذ الثامن والعشرين من فبراير/شباط، شنت الجمهورية الإسلامية ضربات ضد كل من في الجوار، وحاولت أخذ الاقتصاد العالمي كرهينة. ففي اليوم الأول من الصراع، كان هدفها الأول مدنيا، في دولة غير متورطة في الهجوم الأولي.

وفي غضون أيام، استهدفت إيران أيضا عُمان، التي يمكن القول إنها الدولة الأكثر سلمية على وجه الأرض، والتي كانت بمثابة الوسيط في المناقشات التي سبقت الصراع.

كان الهدف من إغلاق مضيق هرمز هو جعل الاقتصاد العالمي بأسره يدفع ثمن أفعال أمريكا. إن هذا الاستخفاف المتهور ببقية كوكب الأرض يمثل جرس إنذار ضخما. فما الذي قد تكون إيران مستعدة لفعله بسلاح نووي إذا شعرت أنه يخدم مصالحها؟

لقد اشتكت إيران من أن قرار الرئيس ترمب بفرض حصار بحري عليها كان عدوانيا بشكل مفرط. لكن معظم الناس يرون الأمر بشكل مختلف؛ فقد سعت إيران إلى أخذ الاقتصاد العالمي كرهينة من خلال عرقلة حركة الشحن في مضيق هرمز، الذي يُنقل عبره 20% من نفط العالم. ولم تفعل القوة العسكرية الأمريكية سوى إعادة موازنة الكفة، بفرضها نفس القيود على السفن الإيرانية، مما تسبب في نفس المعاناة الاقتصادية التي سعت إيران لفرضها على الجميع.

ومن بين أوراق المساومة الأساسية في المفاوضات الشاملة بين العدوين اللدودين، الأصول الإيرانية التي جمدتها الولايات المتحدة والعقوبات الاقتصادية التي طالما أثرت على الجمهورية الإسلامية. ويُبدي كلا الحزبين السياسيين في الولايات المتحدة استعدادا للنظر في التخلي عن أدوات الضغط الاقتصادي هذه، ولكن في ظل ظروف مختلفة. فالديمقراطيون مستعدون لاستخدام مليارات الدولارات كبادرة حسن نية، آملين أن يجني ذلك بعض الفوائد.

أما الجمهوريون فيسعون للحصول على شيء ملموس في المقابل، مثل تقديم تنازلات في البرنامج النووي و/أو الالتزام بوقف دعم المجموعات الوكيلة المختلفة في جميع أنحاء المنطقة.

إعلان

هناك اختلافات واضحة بين الحزبين السياسيين الأمريكيين وفي نهجهما تجاه الدبلوماسية، على الرغم من أن الهدف النهائي يبدو واحدا: أمريكا آمنة، ومستقرة، ومسالمة. ولكن مسألة تحديد المسار الصحيح لتحقيق ذلك؟ تلك حرب بحد ذاتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد