الجزيرة.نت - 6/7/2026 3:40:55 PM - GMT (+3 )
بين ردهات كلية الإعلام بجامعة القاهرة تنساب صفاء طه في عامها الدراسي الأخير فوق طاولتها المتحركة، تودع شطرا طويلا من حياتها المليئة بالتحديات والإنجازات، وتستعد لمرحلة جديدة بعد مسيرة جمعت بين بطولات رياضية، وتكريمات محلية وعالمية، وتفوق دراسي لافت، وأحلام كبيرة في المجال الذي شغفت به حبا: الإعلام.
في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2003 رُزق طه عبد اللطيف وزوجته سماح فاروق بابنتهما الرابعة بعد ثلاث فتيات، طفلة "مختلفة" كما يقول. لم يكن يعلم أن الأصغر بينهن ستصبح صاحبته الأقرب، وأنه سيعرف لاحقا في محيطه باسم "طه أبو صفاء".
اكتشف الوالدان مبكرا أن صفاء تعاني من إعاقة حركية شديدة تشمل تيبسا في المفاصل واعوجاجا في العمود الفقري وضمورا في العضلات، وأنها لن تتمكن من استخدام أطرافها. قرر الأب أن يحول "المحنة إلى منحة"، فإذا لم تستطع ابنته أن تسير، فلا بأس أن "تنساب وتطير".
يقول للجزيرة نت: "أشعر أن الله أرسلها لي أنا بالذات، صفاء هدية ومسؤولية، وعلي أن أبذل كل ما أستطيع لأجلها، وحاولت قدر طاقتي"، يتحدث وقد صارت ابنته على بعد أسابيع من التخرج في واحدة من كليات القمة في مصر.
ينظر إلى ما يسميه "كنز البيت": ميداليات وكؤوس وشهادات تقدير، ورسائل ثناء من متابعين يشيدون بجهوده وجهود زوجته وشقيقات صفاء. يبتسم ثم يرد سريعا: "لم تكن شطارة منا، بل توفيقا وتيسيرا من الله". لكن الصور تكشف دوره، إذ يمسك لها بالأوراق لتقرأ ويحيطها بذراعيه وقلبه، حتى تتمكن من إنجاز كل ما تريد.
أما والدتها سماح فاروق فلا تتحدث كثيرا، لأنها مشغولة بالفعل لا بالكلام. تركت كل شيء تقريبا لتكون مع صفاء، حتى تخرجت بناتها الثلاث: الأولى في كلية الصيدلة، والثانية في طب قصر العيني، والثالثة في الإعلام بامتياز مع مرتبة الشرف، قبل أن تلحق بهن صفاء قريبا.
لا تنسى صفاء يوما بعينه في المرحلة الإعدادية. بعد انتهاء الإذاعة المدرسية جاءت إليها معلمتها قائلة: "شدّني الصوت فجئت لأرى صاحبته، صوتك إذاعي بامتياز". في ذلك اليوم فكرت بجدية في أن التعليقات التي تسمعها عن جمال صوتها قد تكون إشارة إلى طريقها المقبل.
إعلان
تقول للجزيرة نت: "قلت لنفسي ولم لا؟ اجتهدت فوفقني الله، وحصلت على مجموع كلية الإعلام بالضبط".
يتذكر الأب اللحظة التي رآها تمسك القلم بأصابع قدميها لأول مرة، ترسم وتكتب، فقرر أن يولي هذه الموهبة اهتماما خاصا. كانت الأم بجوارها دائما، لكن في عمر الخامسة عشرة لم تعد قدماها تصلحان للكتابة والرسم.
في تلك اللحظة قررت صفاء أن تستخدم فمها. يعلق الأب: "على الإنسان أن يغير الدفة بذكاء حين لا يعود الاتجاه القديم ممكنا، حتى لو كان الثمن جهدا وتعبا". لم يكن الانتقال من القدم إلى الفم سهلا، "خشينا أن يتأذى فمها، لكننا تدرجنا، حتى في اختيار فرش الرسم والتحكم في ثخانتها، إلى أن صارت تمسكها بفمها وتتحكم فيها أفضل مما كانت تفعل بقدميها".
توالت الاكتشافات. صفاء تقلد المذيعين منذ طفولتها، وأتقنت العربية الفصحى وحدها من متابعة أفلام الكارتون. اخترعت لنفسها لغة أرادت تسميتها "اللغة الصفصفية".
يقول الأب: "أدركت أن خيالها بلا حدود، لكننا أقنعناها أنه لو اخترع كل شخص لغة خاصة به فلن يفهم الناس بعضهم، فاقتنعت، ووجهت طاقتها إلى تأليف القصص والحكايات، وسرعان ما فازت بها في مسابقات على مستوى المحافظة ثم على مستوى الجمهورية".
موهبة كبيرة في جسد صغير يواجه الإعاقة، جعلت سؤال المدرسة المناسبة لصفاء معقدا. يروي الأب: "أدخلناها مدارس حكومية عادية وليست خاصة، لأن معظم المدارس الخاصة لم تكن مستعدة لاستقبال حالتها أو إتاحة جلوسها وسط الطلبة، وكان الأمر يحتاج إلى تعهدات وإقرارات كثيرة".
واجهت صفاء في البداية رفضا صريحا. "لم يكن مرحبا بها حتى الصف الثاني الابتدائي، لكنها فاجأت الجميع وأثبتت جدارتها، ومن الصف الثالث الابتدائي بدأت تشارك في المسابقات وتحصد الجوائز"، يضيف الأب. "كان الأمر صعبا، تبكي أحيانا، تغضب قليلا، لكنها لا تتوقف عن المحاولة، وظلت من الأوائل طوال مسارها التعليمي".
يتذكر الوالدان الأيام الطويلة عند سور المدرسة، من الطابور الصباحي حتى جرس الانصراف. ويستعيد الأب موقفا لا ينساه: "كان فصلها في الدور الرابع، ومكتب المديرة في الدور الأرضي. اشتكيت، وأصررت حتى تمت الاستجابة وعادت صفاء إلى الدور الأرضي. التفاصيل الصغيرة تصنع فرقا كبيرا في راحتها".
عام 2022 كرمتها وزارة الشباب والرياضة في مصر، واختيرت ضمن أفضل 20 شخصية ملهمة عربيا. وفي 2023 حصلت على المركز الأول عربيا في وسام الفنون التشكيلية لذوي الهمم.
وهذه مجرد عناوين من قائمة طويلة لما حققته الفتاة التي دفع حضورها الأسرة إلى تغيير محل السكن أكثر من مرة، لتكون بيئتها أكثر ملاءمة.
مرت صفاء أيضا بتدخلات جراحية وعلاجية كثيرة منذ طفولتها. تجربة جعلتها أكثر رهافة كما يقول والدها: "تملك حنانا لا مثيل له، أقول دائما إن من لم يعرف صفاء لن يعرف معنى الحب الحقيقي".
لم تذهب أيام معسكرات التدريب التي قضتها الأم معها سدى. فمنذ بدأت ممارسة رياضة البوتشيا (وهي رياضة موجهة للرياضيين ذوي الإعاقات الحادة والعميقة) عام 2019، حصدت 24 ميدالية بين ذهبية وفضية وبرونزية، إلى جانب فضيتين أفريقيتين.
إعلان
أصدرت كتابا بعنوان "قصتي"، وحصلت على لقب "سفيرة السلام العالمي الصغيرة" منذ عام 2015، وقدمت أعمالها الفنية في معارض عديدة للجمهور.
وصفة صفاء السرية للنجاحفي كل مرة يبدو الطريق صعبا تشتعل لدى صفاء رغبة جديدة في المحاولة. تتذكر يوم تعرفت على لعبة البوتشيا لأول مرة في الصف الأول الثانوي عن طريق زميلة بالصدفة.
تقول: "لم أكن متحمسة، لكن أبي وأمي شجعاني أن أجرب، فقلت: ولم لا؟ تعرفت على اللعبة وطريقة لعبها، في البداية شعرت بثقل وحيرة، لكن بالتدريج أحببتها، حتى أصبحت الثانية على مستوى أفريقيا والرابعة على مستوى العالم".
طوال سنوات الكلية تدربت في صحف حكومية وخاصة، تعلمت مبادئ المونتاج، وخاضت تجارب عملية متعددة في الإعلام. ما زالت تحلم بالتعمق أكثر في مجالها. تصف "كلمة السر" في حياتها بعبارة واحدة: "لم لا؟ فلنحاول بالتدريج".
أما خطوتها التالية فتقول عنها: "أسعى لأن أندمج في سوق العمل، وأن أطور نفسي أكثر، وأحصل على وظيفة في مجال الإعلام أشعر معها بالتحقق والسعادة. هذا هو الهدف القادم".
إقرأ المزيد


