الجزيرة.نت - 6/7/2026 2:04:01 AM - GMT (+3 )
Published On 7/6/2026
قالت صحيفة وول ستريت جورنال إن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران كشفت عن واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في أي اتفاق محتمل لإنهاء المواجهة بين البلدين، وهي قضية الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
وأوضحت الصحيفة -في مقال بقلم لورانس نورمان- أن إيران، في الوقت الذي تسعى فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى التوصل إلى تسوية تنهي الحرب وتخفض التوتر في المنطقة، تصر على أن يكون الإفراج عن جزء من أموالها المجمدة شرطا أساسيا ومبكرا في أي اتفاق، وتعتبر ذلك اختبارا حقيقيا لجدية واشنطن واستعدادها للوفاء بالتزاماتها.
ورغم أن الجانبين يواصلان التفاوض عبر وسطاء منذ أسابيع، فإن الخلاف حول هذه النقطة تحديدا أصبح العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق أولي، لأن إيران تريد الحصول على مليارات الدولارات فورا بمجرد توقيع الاتفاق المبدئي، في حين ترفض الولايات المتحدة تقديم أي التزامات مالية مسبقة قبل أن تقدم طهران تنازلات ملموسة تتعلق ببرنامجها النووي وسلوكها الإقليمي.
ولا تقتصر المعضلة بالنسبة للرئيس ترمب على الجانب التفاوضي فقط، بل تمتد إلى البعد السياسي الداخلي، لأنه بنى جزءا كبيرا من خطابه السياسي على مهاجمة الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة سلفه باراك أوباما مع إيران عام 2015.
كما انتقد ترمب مرارا -حسب الصحيفة- قرار إدارة أوباما تسليم مبالغ نقدية لإيران بعد دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، واعتبر ذلك رمزا لفشل السياسة الأمريكية تجاه طهران، وها هو اليوم يجد ترمب نفسه أمام موقف مشابه.
ومع أن ترمب يريد الخروج من حرب لا تحظى بتأييد واسع داخل الولايات المتحدة -حسب الصحيفة- فإنه في الوقت نفسه لا يريد أن يقدم تنازلات مالية للنظام الإيراني تشبه تلك التي هاجمها سابقا، لأن أي خطوة من هذا النوع قد تفتح الباب أمام انتقادات داخلية من الجمهوريين وحلفائه السياسيين الذين يعتبرون أن ضخ الأموال في الاقتصاد الإيراني يعزز قوة النظام ويمنحه موارد إضافية لمواصلة سياساته الإقليمية.
إعلان
أما إيران، فترى القضية من زاوية مختلفة تماما، وتعتبر أن الأموال المجمدة ليست مساعدات أمريكية ولا تنازلات سياسية، بل هي أموال إيرانية تعود في الأساس إلى عائدات نفطية واحتياطيات مالية تم تجميدها بفعل العقوبات الأمريكية، ولذلك يجب أن يكون الإفراج عنها جزءا أساسيا من أي اتفاق.
ويزيد من حساسية الملف انعدام الثقة العميق بين الطرفين -كما تقول الصحيفة- فالإيرانيون يرون في انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 دليلا على أن الولايات المتحدة قد تتراجع عن التزاماتها في أي وقت، ولذلك ينظرون إلى الإفراج عن الأموال المجمدة على أنه الضمانة الوحيدة لجدية أي تفاهم جديد.
البحث عن حلول وسطوتشير التقديرات إلى أن حجم الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج يصل إلى نحو 100 مليار دولار، موزعة بين عائدات نفطية واحتياطيات مالية في عدد من الدول، أبرزها الصين وقطر والعراق وسلطنة عمان، وهي أموال ذات أهمية حيوية للاقتصاد الإيراني الذي تعرض لضغوط شديدة خلال سنوات العقوبات الطويلة.
لكن الولايات المتحدة تنظر إلى هذه الأموال من زاوية مختلفة -حسب مقال الصحيفة- فالكثير من السياسيين الأمريكيين خصوصا في الأوساط المحافظة، يخشون أن يؤدي الإفراج عن الأموال إلى تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية أو زيادة الدعم الذي تقدمه طهران لحلفائها الإقليميين كحزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وجماعات أخرى في الشرق الأوسط.
ولهذا السبب تواجه أي مبادرة لتخفيف القيود المالية على إيران معارضة سياسية واسعة داخل واشنطن، ولذلك يجري البحث عن حلول وسط قد تسمح بتجاوز العقبة دون أن يظهر أي طرف بمظهر المتراجع.
إيران تصر على أن الإفراج عن الأموال يجب أن يسبق أي خطوات أخرى، في حين تؤكد إدارة ترمب أن أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول لن يحدث إلا بعد أن تقدم طهران تنازلات واضحة
ومن بين الخيارات المطروحة -حسب الصحيفة- السماح لإيران باستخدام جزء من الأموال المجمدة لأغراض إنسانية فقط، مثل شراء الغذاء والأدوية والمستلزمات الطبية، أو إنشاء آليات مالية خاضعة للرقابة الدولية تضمن عدم توجيه الأموال إلى أنشطة تعتبرها الولايات المتحدة مقلقة.
كما يجري الحديث عن إمكانية منح إعفاءات محدودة لبعض صادرات النفط الإيرانية، خاصة تلك المتجهة إلى الصين، بما يسمح لطهران بالحصول على جزء من عائداتها دون رفع شامل للعقوبات، إلا أن هذا الخيار بدوره يحمل أبعادا سياسية حساسة لأنه قد يُفسر على أنه تنازل أمريكي كبير لصالح إيران.
مواقف متباعدةوفي الوقت الراهن تبدو مواقف الطرفين متباعدة، لأن إيران تصر على أن الإفراج عن الأموال يجب أن يسبق أي خطوات أخرى، في حين تؤكد إدارة ترمب أن أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول لن يحدث إلا بعد أن تقدم طهران تنازلات واضحة بشأن برنامجها النووي وأنشطتها الإستراتيجية.
وقد شدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على أن واشنطن لن تمنح إيران أي مكاسب اقتصادية لمجرد الدخول في المفاوضات أو اتخاذ خطوات أولية محدودة، مما يعني أن قضية الأموال المجمدة أصبحت أكثر من مجرد ملف اقتصادي، وتحولت إلى اختبار سياسي وإستراتيجي يعكس حجم انعدام الثقة بين البلدين، ويحدد فرص نجاح أو فشل المسار التفاوضي بأكمله.
إعلان
وخلص المقال إلى أن الأموال المجمدة بالنسبة لإيران، تمثل مفتاحا لأي اتفاق مستقبلي، ولكنها بالمقابل تمثل بالنسبة لترمب واحدا من أكثر الملفات حساسية سياسيا، نظرا لما يحمله من مقارنات مباشرة مع السياسات التي أمضى سنوات في انتقادها.
ولذلك يبدو أن مصير أي اتفاق محتمل سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الطرفين على إيجاد صيغة توازن بين الحاجة الإيرانية الملحة للأموال والرغبة الأمريكية في تجنب تقديم تنازلات تبدو مكلفة سياسيا.
إقرأ المزيد


