الجزيرة.نت - 6/6/2026 6:25:57 PM - GMT (+3 )
Published On 6/6/2026
رغم أن المجالات المغناطيسية لا تُرى بالعين المجردة، فإنها تعد من القوى الخفية التي ساهمت في تشكيل الكون كما نعرفه اليوم. والآن، تمكن علماء الفلك من رسم أكبر خريطة كونية لهذه المجالات، فاتحين الباب أمام الإجابة عن أسئلة طالما اعتبرت مستحيلة حول نشأة المجرات وبدايات الكون.
فقد أعلن علماء الفلك عن إنشاء أكبر خريطة للمجالات المغناطيسية بين النجوم والمجرات في تاريخ علم الفلك، في خطوة تمثل قفزة علمية غير مسبوقة لفهم أحد أكثر مكونات الكون غموضا. وتحمل الخريطة الجديدة اسم "سبايس راكس" (SPICE-RACS) وهي أكبر بخمس مرات من جميع الخرائط السابقة للمغناطيسية الكونية مجتمعة.
وتعد المغناطيسية إحدى القوى الأساسية التي تؤثر في تطور المجرات وحركة المادة والطاقة عبر الكون. ورغم أن القوة الكهرومغناطيسية أقوى بكثير من الجاذبية على المستوى الفيزيائي، فإن تأثيرها الكوني أكثر صعوبة في الرصد لأن الشحنات الكهربائية المتعاكسة تميل إلى إلغاء بعضها بعضا، على عكس الجاذبية التي تتراكم آثارها باستمرار.
ولهذا السبب ظل تتبع المجالات المغناطيسية على المقاييس الكونية تحديا كبيرا لعقود طويلة، إلى أن جاءت هذه الخريطة الجديدة لتوفر رؤية غير مسبوقة للبنية المغناطيسية الممتدة عبر الكون.
كيف نجح العلماء في رسم الخريطة؟أُنجز المشروع ضمن تعاون "مشروع المسح الاستقطابي لمغناطيسية الكون" (Polarisation Sky Survey of the Universe’s Magnetism- POSSUM) باستخدام التلسكوب الراديوي "أسكاب" (ASKAP) في أستراليا الغربية.
والاستقطاب هو تغير في اتجاه اهتزاز الضوء أو الموجات الراديوية عند مرورها عبر مجالات مغناطيسية، ما يسمح للعلماء بالكشف عن هذه المجالات ورسم خرائط لها.
ويعتمد التلسكوب على قياس استقطاب الضوء القادم من الأجرام السماوية، فعندما تمر موجات الضوء أو الموجات الراديوية عبر مناطق مغناطيسية، تتغير خصائص استقطابها بطريقة تسمح للعلماء باستنتاج وجود المجال المغناطيسي وقوته واتجاهه.
واستفاد الباحثون من مشروع المسح الراديوي السريع الذي يعد أكبر وأسرع مسح راديوي للسماء أنجز حتى الآن. ومن خلال إعادة معالجة البيانات الأصلية، تمكن الفريق من استخراج قياسات الدوران المغناطيسي لما يقرب من 4 ملايين مجرة.
إعلان
وقال الباحث الرئيسي "أليك ثومسون" إن هذه البيانات تتيح للمرة الأولى دراسة التفاصيل الدقيقة للمادة الواقعة بين النجوم القريبة، إضافة إلى تحليل أعداد هائلة من المجرات البعيدة في إطار واحد.
من 4 ملايين مجرة إلى أسئلة كونية كبرىتكشف الخريطة الجديدة أماكن وجود المجالات المغناطيسية وشدتها النسبية عبر أجزاء واسعة من السماء، حيث تمثل الألوان الحمراء والزرقاء اختلافات الاتجاه والقوة المغناطيسية.
ويمنح هذا الإنجاز العلماء فرصة فريدة لدراسة كيفية انتقال الطاقة عبر الكون، وفهم الدور الذي تلعبه المغناطيسية في تشكل المجرات وتطورها. كما يسمح بتتبع التفاعلات المغناطيسية بين درب التبانة ومجرتي ماجلان المجاورتين لها.
وأوضحت "نعومي غريفيثس" أن العلماء أصبحوا قادرين الآن على معالجة أسئلة كانت تعد مستحيلة سابقا، مثل: متى ظهرت المجالات المغناطيسية لأول مرة في الكون؟ وكيف أثرت في بناء الهياكل الكونية التي نراها اليوم؟
وأضافت أن علماء الفلك اعتمدوا خلال العقدين الماضيين تقريبا على مجموعة بيانات محدودة لا تغطي السماء الجنوبية بشكل كافٍ، أما الآن فقد أصبح لديهم منظور أكثر شمولا ودقة من أي وقت مضى.
الطريق نحو عصر جديد من الاستكشاف الراديويلا يمثل مشروع "سبايس راكس" نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أكثر طموحا مع بناء مرصد "شبكة الكيلومتر مربع" (SKA)، الذي سيُقسَّم إلى منشأتين رئيسيتين بحسب الطول الموجي المرصود في أستراليا وجنوب أفريقيا.
وسيضم مشروع أستراليا نحو 130 ألف هوائي راديوي على شكل أشجار صغيرة بدلا من الأطباق التقليدية، ما سيمكنه من مراقبة مساحات هائلة من السماء بدقة غير مسبوقة. ومن المتوقع اكتمال المشروع بحلول عام 2030.
وترى الباحثة "ويندي وليامز" أن الإمكانات العلمية للمشروع هائلة، إذ سيساعد على دراسة نشأة الكون وتطور المجرات وعدد الثقوب السوداء فائقة الكتلة وكيف تغيرت هذه الظواهر عبر الزمن.
وفي الوقت الحالي، أصبحت بيانات خريطة "سبايس راكس" متاحة مجانا للباحثين حول العالم عبر قاعدة بيانات الوكالة العلمية الأسترالية "سيرو" (CSIRO)، ما يتيح للمجتمع العلمي الاستفادة منها في أبحاث جديدة قد تكشف المزيد من أسرار المغناطيسية الكونية، ذلك المكون الخفي الذي ساهم في تشكيل الكون منذ بداياته الأولى.
إقرأ المزيد


