الجزيرة.نت - 6/5/2026 12:47:33 PM - GMT (+3 )
Published On 5/6/2026
لم تعد الشيخوخة السكانية في تونس مجرد توقعات يرددها الديمغرافيون، بل أصبحت واقعا مؤكدا وفق الأرقام الرسمية للتعداد العام للسكان والسكنى لعام 2024، التي تكشف عن تحولات عميقة في بنية المجتمع خلال العقد الأخير.
فبحسب المعهد الوطني للإحصاء، ارتفعت نسبة السكان الذين تجاوزوا سن الستين إلى نحو 16.9% من إجمالي السكان، مقابل 11.38% عام 2014، في إشارة إلى تسارع وتيرة الشيخوخة وتراجع الوزن النسبي للفئات الشابة.
في بلد يقترب عدد سكانه من 12 مليون نسمة، تعكس هذه الأرقام انتقال تونس تدريجيا من مجتمع فتي إلى مجتمع يتقدم في العمر، بما يحمله ذلك من انعكاسات اقتصادية واجتماعية وصحية واسعة.
من فائض الشباب إلى مجتمع يتقدم في العمرتقول الأستاذة الجامعية المختصة في علم السكان سناء مقيرة إن أبرز ما يكشفه التعداد الأخير هو دخول تونس مرحلة متقدمة من الانتقال الديمغرافي بعد عقود من الفائض السكاني والشبابي.
وتوضح أن تراجع معدلات الخصوبة في السنوات الأخيرة إلى مستويات دون عتبة تعويض الأجيال أدى إلى تقلص قاعدة الهرم السكاني واتساع قمته، أي فئة كبار السن.
وترى مقيرة أن هذه المؤشرات تعكس تحولا بنيويا عميقا، إذ لم تعد تونس تسجل الديناميكية الديمغرافية نفسها التي ميزت العقود الماضية، مرجحة أن تتجاوز نسبة كبار السن 20% في السنوات المقبلة إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وتؤكد بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن البلاد دخلت مرحلة تباطؤ واضح في النمو الديمغرافي، مع ارتفاع نسبة الشيخوخة وتراجع حصة الفئات في سن النشاط ضمن سياق انتقال ديمغرافي متقدم.
تحاول الدولة التونسية مواكبة هذا التحول عبر سياسات اجتماعية موجهة لكبار السن، تشمل مؤسسات الإيواء، وبرامج الإيداع العائلي التي تسمح برعاية المسنين داخل أسر بديلة، إلى جانب فرق متنقلة تقدم خدمات صحية واجتماعية في الميدان.
إعلان
كما توفر الدولة منحة شهرية للأسر الكافلة للمسنين تقدر بنحو 350 دينارا (نحو 112 دولارا)، في محاولة لدعم الرعاية الأسرية وتقليل الاعتماد على الإيواء المؤسساتي.
لكن المختصين يؤكدون أن هذه الآليات تبقى محدودة أمام اتساع حجم الفئة المسنة، خاصة مع تزايد الطلب على خدمات الرعاية وتراجع قدرات منظومة التضامن التقليدية داخل الأسرة.
ويشير خبراء الصناديق الاجتماعية إلى أن النموذج التونسي في الرعاية، الذي تأسس تاريخيا على التضامن بين الأجيال، يواجه اليوم ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع عدد المتقاعدين مقابل تراجع عدد المساهمين في أنظمة الحماية الاجتماعية.
وبحسب معطيات رسمية، لا تغطي أنظمة الحماية الاجتماعية سوى نحو 52% من كبار السن، وهو ما يترك شريحة واسعة منهم في وضع هش اجتماعيا واقتصاديا.
المنظومة الصحية في خط المواجهة الأولتظهر آثار التهرم السكاني بوضوح داخل المنظومة الصحية، حيث تتزايد الحاجة إلى متابعة الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في السن.
في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة، يقول الطبيب صهيب العطري إن أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب أصبحت من أكثر الحالات انتشارا بين كبار السن، مما يفرض ضغطا إضافيا على المستشفيات العمومية وخدمات المتابعة الدورية.
ورغم أن أكثر من 88% من كبار السن يتمتعون بتغطية صحية، فإن المنظومة الصحية تواجه تحديات متنامية تتمثل في ارتفاع الطلب على الخدمات، ونقص الاختصاصات في طب الشيخوخة والرعاية طويلة الأمد، وصعوبة مواكبة التحول الديمغرافي بخطط استباقية متكاملة.
يرتبط هذا التحول بمجموعة من التغيرات البنيوية التي شهدتها تونس خلال العقود الأخيرة، أبرزها تراجع معدل الخصوبة إلى نحو 1.7 طفل لكل امرأة، وهو مستوى دون عتبة تعويض الأجيال، بالتوازي مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى أكثر من 76 سنة.
وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن هذه المؤشرات تعني أن نمو فئة كبار السن أصبح أسرع من نمو الفئات الشابة، وهو ما يعيد تشكيل الهرم السكاني في اتجاه مجتمع يزداد تقدما في السن.
سوق العمل والتقاعد.. معادلة أكثر تعقيدايمتد أثر الشيخوخة السكانية إلى سوق العمل وأنظمة التقاعد، حيث تعتمد صناديق الضمان الاجتماعي على مساهمات العاملين لتمويل جرايات المتقاعدين.
ويقول الخبير في الصناديق الاجتماعية هادي دحمان إن العلاقة بين المساهمين والمنتفعين تدهورت بشكل واضح خلال العقود الأخيرة، إذ انخفض عدد المساهمين لكل متقاعد من نحو 8.3 إلى حوالي 2.3 فقط.
ويضيف أن ارتفاع أمد الحياة أدى إلى تمديد فترة الانتفاع بالتقاعد، مما زاد من الضغوط المالية على الصناديق، في ظل محدودية خلق فرص عمل جديدة قادرة على توسيع قاعدة المساهمين.
يتزامن التهرم السكاني مع استمرار هجرة الكفاءات والشباب التونسي نحو الخارج، خاصة في القطاعات الطبية والهندسية والتقنية، مما يفاقم الضغط على سوق العمل الداخلي.
ويرى مختصون أن هذا النزيف البشري يضاعف أثر التحول الديمغرافي، إذ يقلص من قاعدة الفئة النشطة القادرة على تمويل أنظمة التقاعد ودفع النمو الاقتصادي، ويزيد من شعور كبار السن بالعزلة في بعض المناطق التي تشهد هجرة واسعة لشبابها.
نحو اقتصاد جديد للشيخوخةلا يمثل هذا التحول تحديا فقط، بل يفتح أيضا مجالا اقتصاديا جديدا يعرف بـ"اقتصاد الفضة"، يشمل خدمات الرعاية الصحية المنزلية والتأمين والسكن المخصص لكبار السن والمنتجات والخدمات المصممة لهذه الفئة.
إعلان
ويؤكد المختصون أن الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يحول جزءا من عبء الشيخوخة إلى فرص اقتصادية، عبر خلق وظائف جديدة في مجالات الرعاية والخدمات الاجتماعية والتكنولوجيات الموجهة للمسنين.
تحدي العقد المقبلرغم أن ارتفاع متوسط العمر وتحسن المؤشرات الصحية يعكسان مكاسب اجتماعية، فإن التهرم السكاني يضع تونس أمام تحديات بنيوية معقدة تتطلب إعادة التفكير في السياسات العمومية.
ويجمع الخبراء على أن التعامل مع هذا التحول يحتاج إلى رؤية شاملة تشمل دعم الأسرة وتحفيز الإنجاب وإصلاح أنظمة التقاعد وتطوير خدمات الرعاية الصحية وإدماج أكبر للشباب في سوق العمل، إلى جانب سياسات نشطة للحد من هجرة الكفاءات.
ومع اقتراب تونس من عتبة المجتمع المسن، لم يعد السؤال يتعلق بعدد السكان بقدر ما يتعلق بقدرة الدولة والمجتمع على التكيف مع مرحلة ديمغرافية جديدة تعيد رسم ملامح البلاد خلال العقود المقبلة.
إقرأ المزيد


