إلى إدغار موران الفيلسوف الذي روّض تعقيدات القرن
الجزيرة.نت -

إلى إدغار موران، الضمير الحي الذي قضى أكثر من قرن في الاشتباك مع الأسئلة الكبرى التي تحدد مصير العالم والإنسانية (ولد في باريس، في 8 يوليو/تموز 1921)، فحول تجربته الطويلة إلى فكر استثنائي يقرأ العالم في جوهره وجنونه وتحولاته وتعقيداته.

إلى صاحب "المنهج" (La Méthode) الذي أسس "الفكر المركب" (La Pensée Complexe) حين عجز التبسيط والاختزال والاجتزاء عن تفسير العالم وربط "الفكر والمستقبل" في عصر انتصارات العلم وانكسارات الحضارة.

إلى الفيلسوف الذي رسم أمامنا طريق (La Voie) فهم روح العصر (L’Esprit du temps)، وجعل معرفتنا بالإنسان أكثر تعقيدا من كل التعريفات التي حُصر فيها، وإدراكنا للعالم أغنى من كل النظريات التي تزعم القدرة على تفسيره.

إلى الحكيم الذي رافع ضد العنصرية والإقصاء والإلغاء، حين آمن بالمصير المشترك للبشرية ورأى في الأرض وطنا مشتركا للإنسانية (Terre-Patrie) وفي الإنسان مواطنا كونيا على أساس المساواة بين الناس جميعا، فكانت حياته "دروسا من قرن الحياة" (Leçons d’un siècle de vie) حين فتح أبواب الفكر أمام فهم الحاضر والمستقبل، وجعل من "تعليم الحياة" (Enseigner à vivre) سبيلا إلى تغيير طريقة فهمنا للإنسان والعالم، ومن التربية مجالا لإعداد الإنسان لمواجهة تعقيدات الحياة و"التفكير في الإنسانية" (Penser l’humanisme) وصناعة المعنى.

إلى إدغار موران،

أيها الغائب الحاضر رغم أنف الغياب

أكتب إليك، لا عنك، ليس لأن الكتابة قادرة على اختراق المسافات بين عالمي الموت والشهادة، بل لأنها السبيل الوحيد الذي ما زال بإمكانه أن يسبغ على الفصل معنى الوصل، وأن يمنح للرحيل معنى يمكن تحمله. فمنذ اللحظة التي غادرت فيها دار الفناء لم يعد الأمر يتعلق بغياب أستاذ صديق وعالم اجتماع رصين وفيلسوف حكيم، بل بانطفاء أنوار كنا نضيء بها عتماتنا حين تشتد حلكتها، وبضياع مفاتيح كان العالم يقرأ بها نفسه حين ينتوي تجاوز الأشياء والنفاذ إلى ما وراءها.

إعلان

أكتب إليك بعد أن حظيت بـ"تكريم وطني"، بحضور رئيس الجمهورية الفرنسية وكبار رجال الدولة، في اعتراف رسمي نادر بمكانة فيلسوف وعالم اجتماع في الذاكرة الوطنية الفرنسية والإنسانية.

أكتب إليك، لا لأرثيك، فأنت من علمتنا مقاومة التبسيط، فصرت من الرثاء أكبر. أكتب إليك، لا لأنعى رحيلك، فأنت من علمتنا أن اللغة عاجزة عن احتواء تعقيد الإنسان وثراء العالم. أكتب إليك، لا لأتحسر على فقدك، فأنت من رأى في الحياة حوارا مستمرا مع الموت، وفي الفناء شرطا لاستمرار المعنى.

أكتب إليك، لا لأتفجع لموتك، فأنت من نظر إلى "أنثروبولوجيا الموت" من زاوية الإنسان الذي يموت بالحياة كما يحيا بالموت. أكتب إليك، لا لأبكيك، فعالمنا الذي فقد برحيلك كثيرا من حكمته وجماله ومعناه هو ما يستدعي البكاء. أكتب إليك، لا لآسى لفراقك، فأنت من علمتنا أن الإنسان يعيش من الموت كلما تجددت خلاياه، وأن المجتمع لا يحيا إلا بموت أفراده وتعاقب أجياله وتراكم خبراته.

أكتب إليك، لا لأؤبنك، فما يجوز التأبين إلا لفضاءات باتت روحها أفقر برحيلك.

كثيرون من الذين تألموا لرحيلك وكتبوا عن ألم فقد رمز في قيمتك ومن طينتك، أشاروا إلى أنك رحلت عن دنيا الناس عند عتبة السنة الخامسة بعد المائة من عمرك، وما ركزوا على أنك تجاوزت المائة من مؤلفاتك، وأن ما يفوق مائة لغة من لغات العالم قد احتضنت ترجمات كتاباتك.

ولذلك حُق لك أن تعانق الخلود

عشرات المؤلفات دونتها وعقودا من الزمن قضيتها في إعادة هندسة التفكير وإنتاج المعنى من خلال تفكيك الحواجز بين مجالات المعرفة وبناء "منهج" الربط بين الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية والتقنية، بعقل نقدي يكسر السائد في أزمنة التقليد، ويقاوم التبسيط في عصر التسطيح، ويواجه التجزيء والتحيز والاختزال بالفكر المركب، هادما جدران التخصصات ورابطا بينها بجسور التفكير النسقي وشبكات العلاقات، ومفندا بالمبدأ الحواري (Dialogique) دعاوى حروب الأفكار والثقافات، حيث تتكامل الحقائق وإن تعارضت، في انتقال مفصلي بمنهج الجدلية الهيغلية (Dialectique) نحو أفق يتجاوز فكرة "الروح المطلقة" ليعانق تعددية الأنساق.

طيلة هذه العقود من الاشتباك مع القضايا الشائكة ومن العطاء الذي لا ينضب، حذرتنا من خطر اليقينيات المغلقة، وعلمتنا أن كل معرفة بشرية قابلة للخطأ والمراجعة والتصحيح والتصويب، ونصحتنا بأن "نتعلم الإبحار في محيطات من اللايقين عبر أرخبيلات اليقين".

ناضلت لتعلمنا أن نعيد للمعرفة طابعها النسبي ووجهها الإنساني، حين جعلتها تعترف بحدودها لتتواضع أمام شساعة العالم، وجعلتنا نعترف معها أن العلم والتعلم عمليتان مستمرتان ولا نهائيتان في عالم يسير بالسرعة القصوى في جادة الجنون والغموض واللايقين.

قاومت هيمنة العقل الأداتي (Instrumental Rationality) وطغيان النزعة الوضعانية (Positivism)، وعلمتنا أن القوة ينبغي أن توجه بالقيم الأخلاقية، وأن "التقدم" إمكانيةٌ وليس "حتمية تاريخية" (Historical determinism)، وأن على المرء أن يراجع نظرته إلى العالم باستمرار، موجها عقله على الدوام ليكون "منفتحا على قابلية دحض محتملة".

إعلان

كافحت تغول العقلانية الاختزالية، وعلمتنا أن العقل ليس سيدا متعاليا على موضوعه، بل جزءا من شبكة حية تفكر فيه كما يفكر فيها، وأن البشرية تحتاج "عقلانية منفتحة تعرف حدودها" وتقبل بلايقينيتها (Uncertainty)، حتى تكون مؤهلة لمواجهة تعقيدات المغامرة الإنسانية.

علمتنا أن العلم حوار بين العوالم، وأن لا معنى لفهم الجزء دون الكل، ولا مغزى للكل دون أجزائه، كما علمتنا أن التقدم العلمي والتقني لا يترافق بالضرورة مع الرقي الأخلاقي والسياسي؛ لأن العلوم لا تحمل في جيناتها أي وازع أخلاقي داخلي، ف"الإيتيقا (= القواعد الاخلاقية) لا يمكن أن تأتي إلا من أخلاق خارجية، علمانية كانت أو دينية". وإذا توارت الأخلاق واستولى التربح على ساحة العلم تحول الباحثون إلى رجال أعمال وبات العلم بلا ضمير، وصارت بعض منتجات التقدم العلمي بمثابة سيف دموقليس معلقا فوق رأس الإنسانية، ولا مآل حينها غير الخراب.

ولذلك أشهدتنا على أن "التطورات العلمية والتقنية التي أنتجت أعظم المنافع للبشرية هي نفسها التي أنتجت أخطر التهديدات لها"، بفعل الفصل بين المعرفة العلمية والمسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان والمجتمع والطبيعة وسائر الكائنات الحية، بخاصة في مجالات التكنولوجيا والعلوم الفيزيائية والبيولوجية.

لطالما دعوتنا إلى الربط بين ما اعتدنا فصله، وعلمتنا التجسير بين العلوم والمعارف ومقاومة التجزئة، وحرضتنا على تجاوز فخاخ العقلنة الصارمة وعمى النماذج المعرفية التفسيرية (Paradigms)، وها نحن نتفطن بعد رحيلك إلى أن مسيرتك الثرية كانت جسرا عظيما بين قرنين، بين العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية، بين العقل والعاطفة، بين "الأنا" و"النحن"، بين "النحن" و"هم"، بين الألم والأمل، بين الموت والحياة، بين المقاومة والسلام، بين المآسي الإنسانية وحب العيش، بين حب الإنسانية وكشف عيوبها، بين استقلاليتك العلمية وعلاقاتك الطيبة مع الجميع، بين الطيبوبة وقوة الموقف، وبين مسارك الشخصي ومصير الإنسانية.

فقد حاربت النازية خلال الحرب العالمية الثانية وخلصت إلى أن مقاومة المحتل قد أتاحت لك "فرصة العيش المكثف عوضا عن بقاء البؤس السخيف"، ثم تأملت في القضية الفلسطينية ونظرت إلى مآسيها الإنسانية بشجاعة استثنائية، فدافعت عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاعتراف والكرامة الإنسانية، وحذرت من احتلال "حول الشرق الأوسط إلى منطقة زلزالية"، فجر عليك تعاطفك "مع محنة الشعب الفلسطيني المحتلِة أرضه كثيرا من سوء الفهم وضروب الإساءة"، ومع ذلك أخبرت العالم أن ذاكرة الألم ينبغي أن تكون دافعا إلى العدالة لا إلى إعادة إنتاج المأساة.

ولذلك علمتنا أن "الغير ضرورة باطنية"، وأن "الازدراء واللامبالاة، وصنوف الغطرسة الطبقية والعرقية والهرمية، هي آفات الحضارة"، كما علمتنا أن شرط التربية أن تعلمنا الفهم والحوار والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، وأن التربية لا تستحق هذه التسمية إلا إذا ربت الناس على حب الناس، وعلمتهم أنهم جميعا سواسية، وزرعت فيهم بذور احترام الاختلاف والتعددية والقدرة على فهم تعقيدات العالم والوعي بالمصير المشترك للإنسانية، وغرست في قلوبهم حقيقة أن "الغير يوجد في صميم الذات"، ونمت في أرواحهم الشعور بالانتماء إلى الهوية الكوكبية (L’identité terrienne).

علمتنا كل هذا وأكثر، ثم رحلت

رحلت وفي نفسك مشاريع فلسفية تريد لها أن تكتمل، ولذلك فقد رحلت مبكرا وإن كان عمرك يتجاوز القرن بخمس سنين.

رحلت بعدما عشت بيننا عميقا بفلسفتك، عملاقا بتواضعك، قويا بوداعتك، شامخا بمواقفك، جبارا بإنسانيتك، شاب الروح في شيخوختك، إذ كنت ترى أن الشيخوخة لا ترتبط بتقدم العمر، بل تبدأ حين يستقيل الإنسان من حب الحياة، ويتوقف العقل عن الدهشة، وتهرب الروح من عناء السؤال.

إعلان

ولذلك بقيت حتى اللحظة الأخيرة محبا لسجال الأفكار، مقاوما للظلم والظلام، منتصرا على الجهالات بِسمتِ الحكمة، وعلى الظلم بصوت العدالة، وعلى الاختزال والتبسيط بقوة التفكيك والتركيب، ومؤمنا بأننا لن نستعيد إنسانيتنا إلا حين يكتمل وعينا بترابط مصائرنا.

وها أنت تغادر يا صديقي تاركا عالما يزداد قسوة وانقساما دون أن يعي أن التصدع قد أصابه في أحد أعمدة توازنه الصلبة، لأن جزءا من المعنى غادر بمغادرتك، غير أن عزاءنا في أنك تركت مما يديم حضورك ما يكفي لمقارعة الغياب.

وأبقى في الختام مدينا لك باعتذار صادق، إذ لم أكن في مستوى تطلعاتك يوم وضعت في ثقتك وعرضت علي أن ننظم جولات علمية في العالم العربي لإلقاء محاضرات أكاديمية وإجراء مناقشات علمية بمعية صديقك الكبير الفيلسوف ريجيس دوبري (Régis Debray)، غير أني لم أنجح في ترجمة ما اتفقنا عليه إلى واقع.

ربما لم أكن في مستوى انتظاراتك، غير أني خشيت ألا أكون في مستوى ثقتك، فقد كان معظم "المثقفين" و"المفكرين" و"الباحثين" المحيطين بي يومها من تجار الثقافة وباعة الكلام، فما أردت أن أقتل فيك ما بقي لديك من احترام للمثقفين العرب وللمؤسسات الثقافية في عالم العرب.

ومع ذلك، فأنا مدين لك باعتذار.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد