لغز المنطقة الحرجة.. سر الدماغ الذي يفصل بين العبقرية والانهيار
الجزيرة.نت -
مقدمة الترجمة:

منذ قديم الأزل والعقل البشري يراوغ كل محاولاتنا لفهمه. ومع ذلك، لم يترك العلماء أو الفلاسفة فرصة إلا وتساءلوا فيها عن الطريقة التي تتيح لكتلة هلامية أن تشكل شيئا محيرا وغامضا للغاية مثل الوعي. كيف تنبثق الأفكار؟ وتولد الأحلام في عالم يموج في الظلام؟ كيف ينساب الإبداع؟ ويتجلى وعينا بذواتنا وبالعالم من حولنا؟

تكشف أبحاث حديثة في علم الأعصاب عن وجود مساحة بين لحظات التركيز الحاد، ولحظات الشرود – تلك المتحررة من ضغوطات الحياة – يتأرجح فيها الدماغ بين النظام والفوضى، وتُعرف "بالمنطقة الحرجة".

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

يحاول هذا المقال المترجم من مجلة "نيو ساينتست" (New Scientist) سبر أغوار هذه المنطقة الغامضة، لفهم كيف يعيد النوم ضبط العقل، ولماذا قد يكون الشرود أو التشتت نعمة نجهلها، ولم قد يتمتع البعض بنسبة ذكاء أعلى من غيرهم، وأخيرا كيف يمكن للكافيين أن يجعل الدماغ يقترب من حالته المثلى أو يبتعد عنها.

يهتم العلماء بنقطة في أدمغتنا – تُعد فارقة بين النظام والفوضى- ويُطلقون عليها اسم "المنطقة الحرِجة" أو "حافة الفوضى" (شترستوك)
نص الترجمة:

هل قمت ساعة باسترجاع أحداث يومك على مهل، وتأمل كمّ المهام المبهرة التي لعب عقلك دورا في إنجازها، بدءا من تنظيف أسنانك، مرورا بتناول غدائك، وصولا إلى تلك اللحظة التي تلتقط فيها عيناك كلمات هذه الصفحة. قد تبدو أفكارك، ومشاعرك، وأفعالك كأنها ثمرة آلة مصقولة الصنع. ومع ذلك، فإن مجرد إخبار أحدهم باسمك يظل معجزة صغيرة تتحقق عبر إشارات كهربائية تتقافز داخل كتلة هلامية تزن 1.3 كيلوغرام.

تعليقا على ذلك، يقول كيث هينغن، عالم الأحياء بجامعة واشنطن في سانت لويس: "إنك تؤدي إحدى أعقد العمليات الحسابية في الكون وأكثرها إبداعا". ومع ذلك، تسلل الشك إلى وجدان الفلاسفة وعلماء الأعصاب لقرون طويلة بشأن كيفية تحقيقنا لهذا التعقيد، إذ يبدو أن الدقة الصارمة لم تكن يوما مفتاح اللغز (أي أن الدماغ لا يعمل وفق قواعد ثابتة ومحكمة بلا أي انحراف أو هامش خطأ كما قد يخيّل إلينا)*، بل يكمن الأمر كله في الفوضى المتجذرة في الدماغ.

"مجرد إخبار أحدهم باسمك يظل معجزة صغيرة تتحقق عبر إشارات كهربائية تتقافز داخل كتلة هلامية تزن 1.3 كيلوغرام"

يُطلق باحثون، مثل هينغن، على هذه الفكرة اسم "فرضية الدماغ الحرج" (Critical Brain Hypothesis). ووفقا لهم، فإن المادة الرمادية (إحدى العناصر الأساسية في الجهاز العصبي المركزي، والمسؤولة عن معالجة المعلومات، والتحكم في الوظائف الإدراكية، والحركة، والذاكرة)، تتخذ من نقطة في أدمغتنا – تُعد فارقة بين النظام والفوضى- موطنا لها، والتي يُطلقون عليها اسم "المنطقة الحرجة"، أو على نحو أكثر شاعرية، "حافة الفوضى". (جدير بالذكر أن هناك فهم خاطئ لمفهوم الفوضى علميا، فهي ليست مجرد فوضى بقدر ما هي ترتيب غير معروف، ودعنا نختصر الأمر في جملة قصيرة أطلقها العالم الحاصل على نوبل إيليا بريغوغين ذات مرة حينما قال إن "الفوضى نوع من الانتظام")*.

إعلان

بإمكاننا رصد هذا نوع من الاضطرابات أو التخلخلات في ظواهر أخرى مثل الانهيارات الثلجية، أو انتشار حرائق الغابات، إذ يمكن لأحداث تبدو صغيرة أن تُفضي بالتبعية إلى كوارث أشد إيلاما. ترزح هذه الأنظمة المترنحة على شفا هاوية فاصلة بين النظام والفوضى، تحت وطأة مبادئ رياضية متقنة، ويبدو أن هذه الديناميكيات نفسها قد تفسر أيضا ما تتمتع به عقولنا من جدارة، وما تتدفق به من مرونة استثنائية.

لكن قدرة الإشارات الكهربائية للدماغ على مواصلة سعيها بالأسلوب ذاته الذي تتبناه الكوارث الطبيعية، قد تبدو فكرة غريبة ومبتورة الصلة بالمنطق، إلا أن العديد من علماء الأعصاب – ومعهم هينغن – توصلوا إلى النتيجة ذاتها. تعليقا على ذلك، يقول كريم جيربي، عالم الأعصاب في جامعة مونتريال: "توفر فرضية الدماغ الحرج إطارا مفاهيميا راسخا لتحليل وظائف الدماغ واعتلالاته الوظيفية".

"توفر فرضية الدماغ الحرج إطارا مفاهيميا راسخا لتحليل وظائف الدماغ واعتلالاته الوظيفية"

يمكن لهذه الفرضية أن تتنبأ بتأثيرات العقاقير المسببة للهلوسة، وربما تمد لنا يد العون لتشخيص أمراض مثل ألزهايمر بدقة أعلى، وقد تساعدنا أيضا في فهم سبب امتلاك بعض الناس نسبة ذكاء أعلى من غيرهم، وربما تفسر حتى الغاية من النوم، وجذور الوعي ذاته. أما الذي قد يبعث في نفوسنا الدهشة، فهي الطريقة التي تساعد بها بعض تقنيات التأمل دماغنا على الاقتراب من تلك النقطة الحرجة، أو الابتعاد عنها بالقدر الذي يعزز من مرونتنا العقلية.

الأنظمة الحرجة

تعود جذور فرضية الدماغ الحرج إلى أعمال الفيزيائي الدنماركي بير باك، الذي سنّ لأول مرة القوانين التي تحكم الأنظمة الحرجة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، اكتشف "باك" أن انتشار حرائق الغابات – على سبيل المثال – يقف على شفا نقطة تحول. بمعنى أن النظام إذا انحرف كثيرا في اتجاه واحد، تلتهم النيران كل شيء في البيئة بهذا الاتجاه دون أن تخلِّف ورائها حتى شجرة واحدة، في حين أنه إذا انحرف في الاتجاه المعاكس، فلربما تتلاشى أي شرارة قبل أن تكبر.

"تعود جذور فرضية الدماغ الحرج إلى أعمال الفيزيائي الدنماركي بير باك، الذي سنّ لأول مرة القوانين التي تحكم الأنظمة الحرجة"

لاحقا، استنتج باك أن حرائق الغابات تميل إلى أن تكون ثابتة النطاق، أي أن سلوك حرائق الغابات لا يتغير جذريًا بين الحريق الصغير والكبير (تتبع الحرائق نفس الآليات: الجفاف، الرياح، نوع الغطاء النباتي). يعني ذلك بالتبعية أن هناك فرصة لاشتغال الحرائق في أي مكان بغض النظر عن حجم هذه الحرائق. لكن معدل تكرارها يتبع قانون القوة، وهو ما يعني أن الحرائق الصغيرة أكثر انتشارا من المتوسطة، والمتوسطة أكثر انتشارا من الكبيرة. (وهو ما يجعل الحرائق جزءا من نظام طبيعي يمكن تطبيقه على كل شيء من الزلازل، إلى التوزيع الجغرافي للمدن والقرى)*.

بحلول أوائل الألفية، بدأ الشك يزحف إلى نفوس علماء الأعصاب بعدما لاحظوا أن النشاط الكهربائي للدماغ يتبنى مسارا مشابها لما يحدث في الطبيعة، فخلايانا العصبية متشابكة مع بعضها في تشعبات غاية في الدقة والتعقيد من الوصلات العصبية. وما إن تُطلق أي خلية إشارة، حتى تثير خلايا أخرى لإطلاق إشارات ردا عليها.

إعلان

وفي السياق ذاته، يقول جوردان أوبيرن، طالب الدكتوراه في جامعة مونتريال، والذي قدَّم مؤخرا ورقة بحثية تلخّص الأدلة المتنامية حول فرضية الدماغ الحرج: "يتراكم نشاط الدماغ العصبي على نفسه بطريقة أشبه بالانهيار الجليدي". (بمعنى أن هذا النشاط يشبه كرة ثلج تتدحرج أثناء انهيار جليدي. فتبدأ القصة في أدمغتنا بشرارة صغيرة، ثم تتحول شيئا فشيئا إلى تفاعل أكبر، يحيط مناطق أوسع من الشبكة العصبية)*.

تتبدى هذه السلسلة من التفاعلات وكأنها نظام نموذجي يترنح على خيط مشدود بين النظام والفوضى. ولتطبيق هذه الفكرة على أرض الواقع، لجأ جون بيغز من جامعة إنديانا في بلومنغتون، وديتمار بلينز من المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية في مدينة بيثيسدا بولاية ماريلاند، إلى أخذ شرائح مستخرجة من أدمغة الجرذان، ثم راقبا النشاط الكهربائي للخلايا العصبية وهي تطلق إشاراتها تلقائيا داخل طبق بتري (وهو صحن زجاجي أو بلاستيكي، مزود بغطاء، يُستخدم في المختبرات البيولوجية والكيميائية لتنمية الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا)*.

"النشاط الكهربائي للدماغ يتبنى مسارا مشابها لما يحدث في الطبيعة"

توصل الباحثان إلى أن كل خلية عصبية نشطة تحفز في المتوسط خلية عصبية واحدة فقط لإطلاق إشارة هي الأخرى ردا على الإشارة التي أطلقتها الخلية الأولى، وهو رقم يمثل – وفقا للنماذج الرياضية – نقطة التحول الحرجة في الدماغ. فإذا زادت هذه القيمة كثيرا (حفزت كل خلية أكثر من خلية واحدة)، تصاعد النشاط إلى الحد الذي يصعب السيطرة عليه (الفوضى)، بينما لو حدث العكس وانخفضت هذه القيمة كثيرا، سيخمد النشاط قبل أن يُتاح له موطئ قدم للانطلاق.

وبالفعل، أظهرت الشرائح المستخرجة من أدمغة الجرذان أن نشاط أدمغتهم يتبع نمطا خاصا ومستقرا، لا يتغير بتغير الحجم، ويسير وفق قوانين رياضية معروفة، وهي السمات نفسها التي تظهر في الأنظمة الحرجة.

ومنذ ذلك الوقت، كشفت الكثير من الدراسات النقاب عن وجود حالة حرجة في صور أخرى من سلوك الخلايا العصبية، كالتناغم الدقيق في نشاط مناطق دماغية مختلفة. ولم يقتصر هذا النمط على نوع واحد من الكائنات، بل لوحظ عبر طيف واسع من الكائنات الحية، بما في ذلك سمك الزرد (نوع من أسماك صغيرة تعيش في المياه العذبة)*، بالإضافة إلى القطط والقردة، وبطبيعة الحال الإنسان.

لكن على الجانب الآخر، انبثقت بعض النتائج المتناقضة، إذ تعذّر على بعض الباحثين أثناء قياساتهم لنشاط الدماغ رصد علامات يمكن أن تدل على الحالة الحرجة للدماغ. ووفقا لهينغن، حثت هذه التناقضات العلماء في هذا المجال على استخدام تسجيلات أشد حساسية للنشاط العصبي، وتقنيات رياضية أكثر تطورا لسبر أغوار النتائج. وعن ذلك، يقول: "من وجهة نظري، لعبت الجماعات التي لاحت في خاطرها أطياف من الشكوك، الدور الأهم في هذه الدراسة، لأن شكوكهم أجبرت الباحثين على الغوص أعمق في هذا المجال".

خلايانا العصبية متشابكة مع بعضها في تشعبات غاية في الدقة والتعقيد (غوغل)
الترابط العصبي وميلاد الإبداع

تعاون هينغن مع وودرو شو، عالم الفيزياء بجامعة أركنساس بالولايات المتحدة، لفحص بيانات مستخلصة من 320 تجربة سابقة، واتضح أن النتائج التي بدت متناقضة ظاهريا، أمكن التوفيق بينها وبين الفرضية باستخدام اختبارات إحصائية جديدة للحالة الحرجة. وفي يونيو/حزيران الماضي (2025)، نُشرت ورقتهم البحثية في مجلة "نيورون" (Neuron)، إحدى أهم المجلات العلمية في مجال علم الأعصاب.

من المهم إدراك أن مدى اقتراب أدمغة الناس من تلك النقطة الحرجة (أي الحد الفاصل بين الاستقرار والفوضى) يعتمد على عدة عوامل مختلفة منها -على سبيل المثال- قوة الأواصر التي تربط بين الخلايا العصبية، كما أن تحقيق توازن كيميائي بين المواد التي تنقل الإشارات لهذه الخلايا العصبية، يُعد عاملا مهما أيضا.

إعلان

تأكيدا على ذلك، يقول شو: "إن الدماغ السليم لا يقف عند نقطة دقيقة واحدة، بل يعمل ضمن مساحة آمنة قريبة من هذه الحالة الحرجة" (بمعنى أن الدماغ يكون في أفضل حالته الصحية والإبداعية عندما لا يستسلم لحالة الجمود أكثر من اللازم، أو يتماهى مع حالة الفوضى أكثر من اللازم، بل يقف في منطقة وسطى بين الحالتين)*.

"الدماغ السليم لا يقف عند نقطة دقيقة واحدة، بل يعمل ضمن مساحة آمنة قريبة من الحالة الحرجة"

وما قد نسهو عنه هو أن هذا التوازن يمنحنا فرصة مواءمة طريقة تفكيرنا، أو تطويعها بحسب الموقف. يرى أوبيرن أن أدمغتنا تتمتع بمساحة كافية من الحرية لضبط درجة توازنها بنفسها، فتقترب أو تبتعد عن الحالة الحرجة وفق ما تتطلبه المهام أو الظروف المختلفة.

أما أثناء اليقظة، فيكتسب الدماغ السليم مزايا جوهرية كلما طاف بالقرب من الحالة الحرجة. وتتمثل أول هذه المزايا في قدرته الواسعة على نقل المعلومات ومعالجتها. فبفضل خاصية ثبات المقياس في الأنظمة الحرجة (أي تصرف النظام بالطريقة ذاتها مهما كان حجم الحدث)*، يمكن للإشارات العصبية الانتقال عبر مسافات قصيرة داخل منطقة واحدة من الدماغ، أو الانتقال لمسافات بعيدة داخل مناطق مختلفة، وهو ما يتيح تواصلا واسعا بين أجزاء الدماغ المختلفة.

ونتيجة لذلك، تتضاعف قدرة الدماغ على معالجة المعلومات إلى حد كبير. وهو ما يوضحه هينغن بقوله: "تتلبس الدماغ قدرة على استكشاف جميع الحلول الممكنة". وإن تأملنا قليلا، سنكتشف أن التواجد في المنطقة الواقعة بين النظام والفوضى، يساعد الدماغ على التكيف مع المواقف الجديدة.

"يكتسب الدماغ السليم مزايا جوهرية كلما طاف بالقرب من الحالة الحرجة"

تأكيدا على ذلك، يقول جيربي: "يمنح هذا التوازن أدمغتنا ثباتا واستقرارا يكفيان لفهم العالم، كما يمنحها مرونة كافية لإبداء أفضل استجابة إزاء ما قد يواجهها. وفي اعتقادنا أن السبب وراء استقرار الدماغ بالقرب من هذه الحافة الفاصلة، هو كون هذه المنطقة مثالية للتفكير المعقد، والقدرة على التعلم، واتخاذ القرارات".

يمنح هذا التوازن أدمغتنا ثباتا واستقرارا يكفيان لفهم العالم (غيتي)

إذا صحّ هذا الافتراض، فإن أي فرق صغير في مدى قرب دماغ الشخص من النقطة الحرجة قد يؤثر على قدراته العقلية بشكل عام. وهو ما أكده ناوكي ماسودا الذي يعمل الآن في جامعة ميشيغان، بالتعاون مع زملائه عام 2020. وفي سبيل طموحه، لم يكف فريق ماسودا عن المحاولة، وطلبوا من 138 بالغا إجراء اختبارات لقياس "الذكاء المرن" (fluid intelligence)، أي القدرة على استخدام المنطق لحل مشكلات جديدة، وقارنوا النتائج مع نشاط أدمغتهم المسجّل عبر فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

وبالفعل، اكتشف ماسودا وزملاؤه أن أدمغة من أحرزوا درجات أعلى كانت أقرب إلى النقطة الحرجة الواقعة بين النظام والفوضى، مقارنة بمن حصلوا على درجات أقل، وهو ما يتوافق تماما مع الفكرة التي تشير إلى أن القرب من النقطة الحرجة يعزز قدرة الدماغ على معالجة المعلومات وإيجاد حلول.

على المنوال ذاته، إن أطرقنا متفكرين قليلا في هذه المنطقة الحرجة ومدى تأثيرها علينا، سندرك أيضا أن لها دور في تعزيز مرونتنا العقلية، وهو ما اتضح في التجربة التي أجرتها عالمة الإدراك جانا سيمولا وزملاؤها في جامعة هلسنكي بفنلندا. طلب الفريق من المشاركين خوض لعبة حاسوبية تتغير قواعدها باستمرار، مما اضطرهم إلى تعديل إستراتيجياتهم أثناء اللعب فورا. وكلما اقتربت أدمغتهم من النقطة الحرجة، تحسّن أداؤهم، وازدادت قدرتهم على التكيف.

"تضيف النقطة الحرجة بعدا ساحرا، إذ تمنح الدماغ القدرة على التنقل بسلاسة بين لحظات التفكير العفوية الخلّاقة، ولحظات التفكير المنغمسة في أمر معين"

بجانب ذلك، يرى جيربي أن اقتراب الدماغ من النقطة الحرجة له دور أساسي في خلق عملية الإبداع، وهي نوع من التفكير يتعذّر على اختبارات الذكاء التقليدية قياسه. وعن ذلك يقول: "تتبلور عملية الإبداع من قدرة الدماغ على التجول بحرية واستكشاف أفكار جديدة، مع الاحتفاظ بقدر كاف من التنظيم لإسباغ معنى متماسكا على هذه الأفكار. كما تضيف النقطة الحرجة بعدا ساحرا، إذ تمنح الدماغ القدرة على التنقل بسلاسة بين لحظات التفكير العفوية الخلّاقة، ولحظات التفكير المنغمسة في تحقيق هدف معين".

إعلان

والذي قد لا نفطن إليه، هو أن الابتعاد كثيرا عن المنطقة الحرجة – سواء نحو النظام أو الفوضى- قد يحول الدماغ إلى فريسة سهلة لاختلالات وظيفية خطيرة. ومن جانبه، يؤكد جيربي على ذلك بقوله: "صحيح أن الحالة الحرجة تمنح الدماغ ميزته وتمثل نقطة قوته، إلا أنها تعني أيضا أن أي تحول صغير ناجم عن مرض أو إجهاد أو إصابة ما، قد يدفع الدماغ أحيانا نحو حالات يغدو فيها أقل كفاءة، وقد تصل أحيانا إلى حد الضرر".

"في مرض ألزهايمر، يخوض الدماغ صراعا للتواجد ضمن نطاق المنطقة الحرجة، فتتراجع قدراته على معالجة المعلومات على نحو ملحوظ"

يُعدّ مرض ألزهايمر أقرب مثال على هذه الحالات. فقد أظهرت الدراسات أن أدمغة المصابين غالبا ما تتعرض لأضرار جسيمة قبل أن يزحف عليهم تدهور سريع يقلل من قدراتهم الذهنية. ويبدو أن هذه اللحظة تمثل صراعا يحاول فيه الدماغ التواجد ضمن نطاق المنطقة الحرجة، فتتراجع قدراته على معالجة المعلومات على نحو ملحوظ.

في السياق ذاته، يوضح فنسنت زيمرن، طالب الدكتوراه في جامعة باريس-ساكلاي بفرنسا، والذي نشر مؤخرا ورقة حول التطبيقات السريرية للنقطة الحرجة، قائلا: "في اللحظة التي ستقرر فيها إزالة عدد كاف من العقد في الشبكة العصبية، ستشهد فورا اضمحلال هذه الشبكة، وتلاشي ثرائها شيئا فشيئا".

النوم يساعد الدماغ على العودة إلى المنطقة الحرجة (شترستوك)
لماذا ننام؟

بدأت التداعيات المحتملة لحالة الدماغ الحرجة تستقطب انتباه عدد متزايد من علماء الأعصاب الآخرين. وتعليقا على ذلك، يقول أوبيرن: "في السنوات الأخيرة، شهد التركيز على هذه الفكرة نموا متسارعا، وبدأ صداها يتردد على نطاق واسع". وهو ما فتح الباب أمام تصورات علمية أكثر طموحا لما قد تفسره هذه الظاهرة.

من ذلك التساؤل: "هل ظهر النوم في الأصل ليُعيد الدماغ إلى نقطته الحرجة؟". ظل هذا السؤال يحوم على غير هدى في رأس هينغن، وللإجابة عليه، قدّم دراسات أُجريت على الجرذان حملت أدلة قوية على أن الإرهاق متشابك على نحو عميق مع حالة الدماغ الحرجة. بمعنى أن مدى قرب دماغ الحيوان (هنا الفئران)* من النقطة الحرجة كان المؤشر الأقوى على ما إذا كان الحيوان سيظل مستيقظا أم سيدخل في سبات قريب. فكلما اقترب الدماغ من هذه النقطة، ارتفعت احتمالية استيقاظه، وكلما ابتعد عنها، تعاظمت فرص انغماسه في النوم.

"النوم هو نوع من التكيف الذي يفرضه الجسم لإعادة الدماغ إلى الحالة الحرجة"

يبدو أنه كلما أثقلنا كاهل الدماغ بالعمل أكثر، ابتعد عن حالته الحرجة، لكن المثير للانتباه هو أن النوم يساهم في إعادة ضبطه. وبدون فترة الراحة هذه، سيتعذّر على الدماغ بلوغ أفضل حالاته، وهو ما يُفضي بالتبعية إلى تدني الأداء المعرفي الذي ارتبط بالأرق منذ زمن بعيد. ويشير ذلك إلى أن النوم ربما يكون نوعا من التكيف الذي يفرضه الجسم لتقريب الدماغ من الحالة الحرجة.

يتفق أوبيرن مع هذا الرأي، معتبرا أن إحدى وظائف النوم – وربما أهمها على الإطلاق – هي السماح بإعادة ضبط روابط الدماغ، لاستعادة توازنه الديناميكي. قد تساهم المنبهات الكيميائية، كالكافيين، في تقليل التعب عبر دفع الدماغ نحو النقطة الحرجة. لكن لذلك ثمن بالطبع، فمن خلال إحدى التجارب التي أجراها فيليب ثولكه، زميل جيربي في جامعة مونتريال، طُلب من المشاركين النوم في مختبر لمدة ليلتين منفصلتين.

وفي إحدى الليلتين، طُلب منهم قبل النوم بنحو 3 ساعات، تناول جرعات من الكافيين مقدارها 100 ملغ، أي ما يعادل فنجانا قويا من الإسبريسو. ثم أعادوا الكرة من جديد قبل النوم بساعة. وفي الليلة الأخرى، امتنعوا عن الاقتراب من أي جرعات كافيين تماما. بعد ذلك، طلب الباحثون منهم ارتداء قبعة مزودة بأجهزة لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ أثناء النوم.

"الكافيين يؤثر على الدماغ أثناء النوم فيدفعه باستمرار نحو النقطة الحرجة، ما يعني إبقاءه في حالة يقظة"

توصل الفريق إلى أن الكافيين يؤثر على الدماغ أثناء النوم فيدفعه باستمرار نحو النقطة الحرجة. وتعليقا على ذلك، يقول جربي، أحد مؤلفي الدراسة التي نُشرت العام الماضي (2025): "تسبب الكافيين في إبقاء الدماغ في حالة شبه يقظة". والأهم من ذلك، أن الأمر لم يقتصر على مجرد ليلة تخللها بعض الأرق فحسب، بل إن الدور الذي يلعبه الكافيين في التقليل من فترة استراحة الدماغ، قد يمنع الأخير من استعادة كامل طاقته بحلول الصباح. ويضيف جيربي: "قد يؤثر ذلك على قدرة النوم في تجديد طاقة الدماغ، وإصلاح وظائفه الحيوية".

يمكن لدراسة الحالة الحرجة للدماغ أن تساعدنا على فك اللغز المستعصي للوعي منذ زمن طويل. فالوعي مفهوم يصعب تعريفه بدقة، إلا أن معظم علماء الأعصاب والفلاسفة يتفقون على أن الوعي، في أبسط صوره، ينطوي على "منظور ذاتي"، أي الشعور واختبار ما يحدث معنا بملء جوارحنا، سواء في الحياة اليومية، أو حتى أثناء الحلم (لا مجرد معلومات، بل تجربة حية لها طابع خاص)*، مثل إحساسك باللون أو الشكل.

تشير إحدى أبرز الفرضيات المعاصرة، المعروفة باسم "نظرية المعلومات المتكاملة"، إلى أن هذا المنظور الذاتي للوعي لا ينبع من عنصر منفرد في الدماغ، بل يتشكّل عن طريق معالجة المعلومات ونسجها معا داخله، فيغدو الكل أكبر من مجموع أجزائه. والمثير للتأمل أن النماذج الرياضية تشير إلى أن أعلى درجات هذا التكامل تتحقق عندما يقترب الدماغ من نقطته الحرجة، وهو ما يوحي بأن هذه الحالة قد تكون الوسيلة التي يُعوَّل عليها لاستيعاب ما يراودنا من أفكار، وما يساورنا من مشاعر، والأهم من ذلك هو وعينا بذواتنا.

"يمكن لدراسة الحالة الحرجة للدماغ أن تساعدنا على فك اللغز المستعصي للوعي"

ولاختبار هذه النظرية، صب العلماء جُل اهتمامهم على دراسة تأثير أنواع مختلفة من مواد التخدير. وتوصلوا إلى أن بعضها، مثل الزينون والبروبوفول، يغرق الذهن في غياهب التيه، ويجرده من أي إدراك واع. بينما على النقيض من ذلك، يمنح الكيتامين المريض تجربة الانفصال التام، فيعزله عن العالم الخارجي دون أن يطمس وعيه تماما، بحيث يظل قادرا على الانغماس في أحلام حيّة نابضة بمشاعر قوية، ومصحوبة بوعي واضح بالذات.

في إحدى الورقات البحثية التي نُشرت عام 2024، توصل أوبيرن وزملاؤه إلى أن أدمغة المرضى الرازحين تحت تأثير الكيتامين، ظلت تحوم بالقرب من المنطقة الحرجة، في حين انحرفت أدمغة من تلقوا الزينون أو البروبوفول بعيدا عن هذه المنطقة. ويختتم أوبيرن حديثه قائلا: "يبدو أن نتائج هذه التجربة توضح أن حالة الدماغ الحرجة قد تكون شرطا ضروريا لكي يتبلور الوعي، غير أن هذه الفكرة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الفحص والتمحيص قبل أن تتحول إلى يقين راسخ".

صقل آفاق التفكير

بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تؤثر فيه الحالة الحرجة على تشكيل طريقة تفكيرنا، سيكون من البديهي أن نتساءل عما إذا كان بإمكاننا تعلم فن توجيه دماغنا ضمن حدود المنطقة الحرجة. أليس من الحكمة أن نحاول إبعاده عن هذه المنطقة قبل النوم، أو تقريبه منها أكثر إذا رغبنا في معالجة معلومات معقدة، أو ابتداع أفكار جديدة خلاقة؟

مؤخرا، انشغل ذهن هينغن كثيرا بهذه المسألة، وصرّح بأنه تعاون مع وودي شو لإنهاء بعض الأبحاث المثيرة للاهتمام حول اكتشاف ما إذا كان بالإمكان دفع الدماغ نحو حالته الحرجة بطريقة تعزز قدرته على التعلم المعقد. لكنه تحفظ على التفاصيل، مكتفيا بالقول إن الأمر يتضمن تنظيم أنماط النوم، وإن تجاربه على الحيوانات بدأت تفضي إلى نتائج مدهشة.

أما الخيار الآخر، فيتمحور حول التأمل. لكن من المهم للغاية الانتباه إلى نوع التأمل الذي ستقرر ممارسته. فالتأمل الذي تكمن غايته في توجيه كامل تركيزنا نحو إحساس واحد، كالتنفس على سبيل المثال، قد يشتت الدماغ بعيدا عن النقطة الحرجة. وعن ذلك، يقول أوبيرن: "استنتاج كهذا يبدو منطقيا بطبيعة الحال، فالحالة الحرجة تتسم بأقصى درجات الحساسية والمرونة. لكن أثناء ممارستنا للتأمل الواعي أو الموجه، نحاول تجاهل المشتتات، ونبلوّر أذهاننا لاستدعاء تفاصيل معينة تحمل قدرا من الأهمية بالنسبة إلينا".

"بعض ممارسات التأمل يمكنها أن تقرب الدماغ من المنطقة الحرجة"

سنجد على الجانب الآخر أنواعا أخرى من التأمل تعزز قدرة العقل على ملاحظة كل الأفكار والمشاعر بدون حكم عليها. وبالتالي، يغدو الدماغ أشد حساسية ومرونة تجاه البيئة المحيطة، وهو ما يجعله أقرب إلى النقطة الحرجة. وبالفعل تشير دراسات حديثة، مثل تلك التي أجرتها أناليزا باسكاريلا في المجلس الوطني للبحوث بإيطاليا، إلى دلائل مشجعة تؤكد أن هذا النوع من التأمل يمكنه فعلا تعزيز أداء الدماغ.

وفي النهاية، تشير الدراسات إلى أن بعض أشكال التأمل قادرة على إزاحة الدماغ بعيدا عن النقطة الحرجة، بينما تعمل أنواع أخرى على تقريبه من هذه النقطة. وتشير النتائج إلى أن التدريب الكافي قد يساعدنا على توجيه نشاط دماغنا وفقا لاحتياجاتنا، لبلوغ الحالة الذهنية الأمثل لكل مهمة.

وبدلا من استغراق آلاف الساعات في تجارب التأمل للحصول على نتائج مرجوة، برز الدور الذي تلعبه التقنيات الحديثة في تسهيل هذا الأمر. وإحدى هذه التقنيات تدعى "التغذية الراجعة العصبية" التي ترصد نشاط الموجات الدماغية، ثم تسمح للمستخدم برؤية نشاط دماغه مباشرة، لمراقبة وتحسين أدائه أثناء التدريب أو التأمل.

وإلى أن تتكشف الأمور أكثر، ربما يجدر بنا تعلّم كيف نقدّر عقولنا التي قد تميل قليلا نحو الشرود أو الفوضى. فلحظات التشتت الطفيفة هذه قد تكون دليلا على أننا رابضون في قلب المنطقة الحرجة التي تمنح أدمغتنا كل ما يصاحبها من مزايا.



إقرأ المزيد