الجزيرة.نت - 6/2/2026 10:30:54 AM - GMT (+3 )
Published On 2/6/2026
شهدت العقود الأخيرة تراجعا حادا في قدرة وسائل الإعلام التقليدية على إنتاج الأخبار الأصيلة، وهو ما عجزت المنصات الرقمية الحديثة عن تعويضه، مما انعكس سلبا على الجمهور.
ويرى الباحث الأمريكي مات بيرس في تحليل منشور في نشرته البريدية المتخصصة بشؤون القوة والإعلام والديمقراطية، أن تراجع الصحافة المحلية تحديدا يرتبط بزيادة معدلات العزلة الاجتماعية، وانخفاض الوعي العام بأداء المسؤولين، وارتفاع معدلات الفساد. ويصف بيرس هذا التدهور بأنه بمثابة "ضريبة غير مرئية" تُفرض على المجتمعات، وتتحمل الشركات التكنولوجية الكبرى مسؤوليتها في ذلك.
ويشير التقرير الأحدث لمعهد "ميديل" حول واقع الصحافة المحلية، الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلى تفاقم هذه الأزمة التي بدأت قبل نحو عقدين، مؤكدا أنها باتت تهيمن على المشهد الإعلامي اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ويستعين الكاتب بأدوات الاقتصاد السلوكي لتفسير أسباب تعثر إعادة بناء صناعة الخبر مقارنة بالتدمير الذي تعرضت له، مستندا إلى أطروحات الاقتصاديين الحائزين على جائزة نوبل دانيال كانمان وريتشارد ثالر اللذين أثبتا أن السلوك البشري في مواجهة البيئات المعقدة يعتمد على خبرة معرفية غالبا ما تسيء استخدام الإنترنت، في وقت تستغل فيه المنصات الرقمية هذه الثغرات النفسية.
من سلطة النخبة إلى فوضى الخوارزمياتويعيد هذا التحليل إلى الأذهان ما طرحه المفكر الأمريكي والتر ليبمان عام 1922 في كتابه "الرأي العام" حول الحدود النفسية للإدراك البشري في استيعاب تعقيدات المجتمع الحديث، وهي الأطروحة التي عارضها الفيلسوف جون ديوي بالدعوة إلى إبقاء الثقة في المواطن البسيط.
وقد سادت رؤية ليبمان طوال القرن العشرين، حيث أدى احتكار أسواق الإعلانات ومساحات البث وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى صعود وسائل الإعلام الجماهيرية، وتركيز القرار في أيدي عدد قليل من الخبراء ورجال الأعمال، مما أتاح للصحفيين بناء تقاليد مهنية قوية لمواجهة أصحاب العمل.
إعلان
أما اليوم، وفي ظل الثورة التكنولوجية التي خفضت تكاليف إنتاج وتوزيع المحتوى إلى الصفر، فقد تبدل المشهد تماما، إذ يوضح بيرس أن التكلفة المالية للوصول إلى المعلومة تراجعت بفضل المنصات المدعومة بالإعلانات ووكلاء الذكاء الاصطناعي، غير أن "تكلفة القرار العقلاني" للبحث عن الحقيقة ارتفعت بشكل باهظ أمام المستهلك المحاصر بخيارات رديئة. وبذلك، استُبدلت الوصاية المهنية لوسائل الإعلام في القرن الماضي بوصاية خوارزمية غير مبالية بدقة المنتج أو بتعويض الصحفيين، ما جعل استهلاك المحتوى الإعلامي أمرا غامضا يصعب تحليله أو مواجهته.
الذكاء الاصطناعي وسرقة المحتوىوفي هذا السياق المعقد، تبرز معضلة العداء الهيكلي الذي تبديه تقنيات الذكاء الاصطناعي تجاه العمل الصحفي. فقد كشفت دراسة حديثة أعدها الباحثان أينجوس بريدجمان وتيلور أوين، لصالح "مركز الإعلام والتكنولوجيا والديمقراطية" في كندا، أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل "شات جي بي تي" و"جيميني" و"كلود" و"جروك"، تعتمد على كشط محتوى المؤسسات الإخبارية الكندية، بما في ذلك المواد المحجوبة خلف اشتراكات مدفوعة، وتقديمها للمستخدمين دون الإشارة إلى مصادرها أو منحها التقدير المهني المستحق.
ووفقا للدراسة الصادرة في مارس/آذار الماضي، فإن هذه البرمجيات تمتلك البيانات الأساسية الخاصة بذلك المحتوى في أنظمتها لكنها لا تظهرها إلا بعد إلحاح من المستخدم. وهو ما يمثل تصميما سيئا يضر بصناع المحتوى الأساسيين والمستهلكين على حد سواء، لا سيما مع ضعف هذه التقنيات وميلها لإنتاج معلومات مضللة، فضلا عن تقويضها للنماذج الربحية القائمة على جذب الجمهور.
وتؤدي عمليات الكشط من غير مقابل هذه إلى دفع الصحافة الجيدة للاحتجاب خلف جدران الدفع الرقمية لمنع الروبوتات، ما يرفع التكلفة الاجتماعية للوصول إلى معلومات موثوقة.
غياب الوخز المهنيوفي المقابل، يدعو خبراء الاقتصاد السلوكي إلى تطبيق مبدأ "الوصاية الليبرالية" عبر تقديم حوافز خفيفة أو ما يُعرف بالوخز الرقمي لتوجيه المستخدمين نحو خيارات أفضل دون مصادرة حريتهم. وكانت وسائل الإعلام التقليدية تمارس هذا الدور بوضع الأخبار ذات الأهمية السياسية والمجتمعية في الصدارة، بينما تتخلى المنصات على الإنترنت في الوقت الراهن تماما عن هذا المبدأ.
وتمتنع معظم المنصات المشابهة عن توفير أدوات مرنة لدعم وصناعة المحتوى الإخباري عالي الجودة أو مشاركة عادلة لعائدات الإعلانات، على الرغم من الاعتماد المتزايد على صحافة يعاني صناعها من أزمات مالية حادة، وفق تقرير صدر في أبريل/نيسان الماضي.
ولا يتوقف الأمر عند منصات التواصل، بل يمتد إلى محركات البحث الكبرى، إذ يشير الكاتب إلى أن شركة "غوغل" التي كانت تاريخيا أكبر موجه للمستهلكين نحو وسائل الإعلام عبر تبويب الأخبار الخاص بها، باتت تسهم في تراجع حركة التدفق الإخباري التي كانت تغذي المواقع الصحفية، وذلك بسبب اعتمادها المتزايد على ملخصات الذكاء الاصطناعي في نتائج البحث.
إعلان
وتؤكد الأبحاث الحديثة حول أثر الذكاء الاصطناعي على استهلاك الأخبار عبر محركات البحث، أن المؤسسات الصحفية الصغيرة، التي تعتمد كليا على ميزات الاكتشاف، هي المتضرر الأكبر من هذا التحول الرقمي، مما يفرض أعباء معرفية واقتصادية هائلة على أطراف العملية الإخبارية كافة.
إقرأ المزيد


