الجزيرة.نت - 6/2/2026 3:24:56 AM - GMT (+3 )
Published On 2/6/2026
يرى الكاتب كونستانتين ريختر أن المشكلات السياسية التي تواجهها ألمانيا اليوم، من تراجع شعبية المستشار فريدريش ميرتس وصعود حزب البديل من أجل ألمانيا إلى التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، ليست سوى مظاهر لأزمة أعمق تتمثل في تراجع النموذج الاقتصادي الذي شكّل أساس الهوية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية.
ويشير ريختر في مقال بصحيفة نيويورك تايمز إلى أن ألمانيا تعيش حالة ركود شبه مستمرة منذ نحو ثلاث سنوات، بينما تتوالى إعلانات الشركات الكبرى عن تسريح آلاف الموظفين، بما في ذلك مؤسسات عريقة مثل كومرتس بنك. وبرأيه، لا تكمن المشكلة في الأرقام الاقتصادية السلبية فقط، بل في فقدان الألمان ثقتهم بالنظام الذي كان يمنحهم شعورا بالتفوق والكفاءة مقارنة بالاقتصادات الأخرى.
يستعرض الكاتب الأسس التي قامت عليها المعجزة الاقتصادية الألمانية بعد الحرب، موضحا أنها لم تعتمد على الضرائب المنخفضة أو تقليص دور الدولة، بل على منظومة متكاملة جمعت بين التعليم التقني المتقدم، والإدارة الصناعية القائمة على الخبرة الهندسية، والبنوك التي دعمت الشركات على المدى الطويل، وعلاقات العمل التوافقية التي منحت العمال دورا مؤثرا داخل المؤسسات.
وبحسب المقال، فإن هذه المنظومة أنتجت التفوق التكنولوجي المرتبط بشعار "صنع في ألمانيا"، وأسهمت في بناء اقتصاد صناعي قوي ومستقر.
لكن مع صعود الاقتصاد الأمريكي في تسعينيات القرن الماضي، المدفوع بقوة وول ستريت وريادة الأعمال في وادي السيليكون، بدأت ألمانيا تتخلى تدريجيا عن بعض ركائز نموذجها التقليدي.
فتم فتح الشركات أمام المستثمرين الأجانب، وتراجعت الملكية المحلية طويلة الأجل، كما شهد سوق العمل إصلاحات قلّصت بعض الضمانات الاجتماعية التي كانت تميز النظام الألماني.
ورغم أن الاقتصاد الألماني حافظ على قوته خلال العقدين الأولين من القرن الحالي، فإن الكاتب يرى أن ذلك كان يعتمد على عوامل خارجية مؤقتة، أبرزها الطاقة الروسية الرخيصة، والنمو السريع للسوق الصينية، والنظام التجاري العالمي الذي قادته الولايات المتحدة.
استعادة التنافسيةيعتقد ريختر أن ألمانيا ما زالت قادرة على استعادة جزء من قوتها الاقتصادية إذا ركزت على ثلاثة محاور رئيسية.
إعلان
أولا، إعادة بناء منظومة التمويل طويلة الأجل للشركات، بحيث لا تبقى رهينة المستثمرين الباحثين عن الأرباح السريعة. ويشير إلى مبادرة الحكومة المسماة «دويتشلاند فوندس» باعتبارها خطوة أولية لدعم الاستثمارات الإستراتيجية والصناعات المستقبلية.
ثانيا، إصلاح قطاع التعليم الذي يعاني تراجعا في الإقبال على التدريب المهني وضعفا في أداء الطلاب في الرياضيات والعلوم، وهي المجالات التي كانت تاريخيا مصدر تفوق ألمانيا الصناعي. ويدعو الكاتب إلى زيادة الاستثمار في الجامعات التقنية والأبحاث العلمية المشتركة بين الدولة والقطاع الخاص.
أما المحور الثالث فيتعلق بسوق العمل، حيث يرى أن استمرار دولة الرفاه يتطلب زيادة ساعات العمل ورفع سن النشاط المهني، لكن ضمن إطار من الشراكة والتوافق بين العمال وأصحاب الأعمال، وليس عبر المواجهة والصراع.
ويعتبر الكاتب أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تمثل فرصة مهمة لألمانيا إذا استُخدمت لتعزيز القدرات الهندسية والصناعية بدلا من استبدال العمال على نطاق واسع.
أزمة ثقةمع صعود الاقتصاد الأمريكي في تسعينيات القرن الماضي، المدفوع بقوة وول ستريت وريادة الأعمال في وادي السيليكون، بدأت ألمانيا تتخلى تدريجيا عن بعض ركائز نموذجها التقليدي.
ويخلص ريختر إلى أن أخطر ما فقدته ألمانيا ليس النمو الاقتصادي فحسب، بل الثقة بقدراتها الذاتية. فبرأيه، لا يمكن العودة إلى الماضي، لكن الاقتصاد الألماني، الذي ما زال ثالث أكبر اقتصاد في العالم، يمتلك المقومات اللازمة للتجدد إذا توفرت الاستثمارات الذكية والدعم الحكومي والرؤية الواضحة للمستقبل.
ويرى أن استعادة الثقة بالنموذج الألماني قد لا تحل جميع الأزمات السياسية والاجتماعية، لكنها تمثل الخطوة الأولى للخروج من حالة الركود واستعادة مسار الازدهار.
إقرأ المزيد


