هذه المجموعة قررت أن تتوقف عن "الاستغراب" قليلا
الجزيرة.نت -

لقد أشرت في مقالي السابق إلى مشاركتي في الندوة الدولية الثانية للاستغراب التي استضافتها جامعة "سيرت" مؤخرا.

وتعد هذه الندوة واحدة من أبرز اللقاءات الفكرية التي شهدتها تركيا في السنوات الأخيرة، وقد انعقدت تحت عنوان: "الدراسات الغربية في الحضارة الإسلامية: من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر".

ولم تكن الندوة مجرد لقاء أكاديمي، بل مثلت إحدى المحطات المهمة في مسار السعي إلى تفكيك الاستعمار، الذي تبلور في مواجهة الأزمة المعرفية التي يعيشها العالم الحديث.

وكنت قد اقترحت قراءة دلالات هذه الندوة بالتوازي مع المنتدى العالمي لتفكيك الاستعمار الذي عقد في إسطنبول قبلها.

فبينما ناقش مفكرون وأكاديميون ومثقفون، جاؤوا من مختلف أنحاء العالم، في إسطنبول بنية النظام المعرفي الاستعماري للعالم الحديث، جاءت الندوة في "سيرت"، على نحو متوافق، كحلقة تعمق الأسس التاريخية والمعرفية لتلك النقاشات وتواصل امتدادها.

وكان السؤال الجوهري المطروح في إسطنبول هو: هل يشكل العالم الحديث حقا حضارة عالمية، أم هو شكل من أشكال الهيمنة المعرفية الكبرى التي يفرض الغرب من خلالها تجربته التاريخية الخاصة على البشرية جمعاء؟

أما ندوة الاستغراب في "سيرت"، فقد سعت إلى البحث عن إجابة لهذا السؤال انطلاقا من الذاكرة التاريخية للحضارة الإسلامية.

وكان من اللافت في هذه الندوة مشاركة نحو 120 أكاديميا قدموا أوراقا بحثية، -وهو ما عكس تميز الفعالية- من حيث متابعة الموضوع واستمراريته وتعميقه. وجاء هؤلاء الأكاديميون من ماليزيا إلى البوسنة والهرسك، ومن السعودية إلى الأردن، ومن كندا إلى مصر، فضلا عن مختلف المدن التركية.

اختزال الاستغراب

وفي الواقع، لقد عانى مفهوم "الاستغراب" بشكل عام منذ ظهوره من اختزاله في خطاب يمثل رد فعلٍ موجها ضد الغرب.

بيد أن المقاربة التي قدمتها هذه الندوة، التي انعقدت للمرة الثانية في جامعة "سيرت"، كانت أعمق بكثير من ذلك؛ إذ لم يطرح الاستغراب هنا بوصفه خطابا يشيطن الغرب، بل باعتباره جهدا معرفيا يسعى إلى تأريخ الغرب، ونزع مركزيته.

إعلان

ومن المعروف أن إحدى أكبر مفارقات العالم الحديث تكمن في أن الغرب عمد إلى تسمية العالم قبل أن يستعمره؛ فأعاد تعريف الجغرافيا والشعوب والثقافات، بل وحتى مسار التطور التاريخي للبشرية. فالشرق لم يكتشفه الغرب بقدر ما اخترعه وابتدعه.

واليوم ينطلق تصاعد الفكر المفكك للاستعمار (المتحرر من الاستعمار) من قناعة مفادها أن القضية لم تعد تتعلق بالاستقلال السياسي فحسب، بل أصبحت أيضا قضية استقلال معرفي.

لقد كان من أبرز الجوانب اللافتة في الندوة أنها كشفت عن التراكم التاريخي للمعرفة المتعلقة بالغرب داخل الحضارة الإسلامية.

وقد أعاد برنامج الندوة، في سياق علم الغرب، تناول العلاقة مع الغرب التي أقامها موروث فكري واسع، يمتد من ابن خلدون إلى الطهطاوي، ومن أحمد جودت باشا إلى سعيد النورسي، ومن ابن تيمية إلى مصطفى صبري أفندي.

إن هذا الطرح بالغ الأهمية؛ لأن السردية الأكاديمية الحديثة تفترض في كثير من الأحيان أن المجتمعات المسلمة كانت تكتفي بمتابعة الغرب بشكل سلبي.

بيد أن الأوراق البحثية المقدمة خلال الندوة أظهرت خلاف ذلك، مشيرة إلى أن الحضارة الإسلامية راقبت الغرب وحللته وانتقدته ومررته من خلال مصفاتها المعرفية الخاصة منذ مراحل مبكرة.

فعلى سبيل المثال، أظهر تصور الغرب في الفكر التاريخي لابن كثير، وتقييمات ابن خلدون لأوروبا، ورسائل المفكرين العثمانيين عن أوروبا، والقراءات الأندلسية للغرب، ونقد المسيحية، والاستجابات الفكرية تجاه أوروبا الحديثة؛ أن العالم الإسلامي لم يكن يوما صامتا، أو متلقيا سلبيا أمام الغرب.

 لم يعد نقد الغرب كافيا

ولعل أهم مساهمة قدمتها الندوة هي ربطها بين الاستغراب وتفكيك الاستعمار؛ فاليوم لم يعد نقد الغرب في حد ذاته كافيا، بل أصبحت القضية الأساسية هي القدرة على مساءلة النظام المعرفي الذي يقدم الغرب كمركز طبيعي للإنسانية.

وهذا ما عبرت عنه بوضوح فكرة "كبرياء نقطة الصفر"، التي أكدت عليها الدكتورة إسراء البيرق في منتدى تفكيك الاستعمار في إسطنبول، فقد قدمت الحداثة الغربية نفسها بوصفها عقلا محايدا مجردا من التاريخ والمكان، وحولت تجربتها التاريخية الخاصة إلى معيار للإنسانية جمعاء.

وقد عمقت ندوة "سيرت" هذا النقاش من خلال أمثلة تاريخية، إذ برزت بشكل لافت الإمكانات المعرفية البديلة التي طورها الفكر الإسلامي في مواجهة الطريقة التي صاغ بها الغرب مفاهيم مثل "الإنسان الكوني"، و"التقدم"، و"الحضارة"، و"العقل".

وفي هذا السياق، لم يقتصر النقاش على الفترات الكلاسيكية، بل شمل أيضا إعادة تقييم أطروحات نقد الغرب لدى المفكرين المسلمين في العصر الحديث، حيث سُلط الضوء على خط فكري عريض ممتد من جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده، ومن سعيد النورسي إلى حسن حنفي، بوصفه محاولة لتطوير منظور نقدي وتأسيسي، لا مجرد موقف دفاعي تجاه الغرب.

إن ما تشهده غزة اليوم يضيف دلالة إضافية لهذه النقاشات بشكل جلي؛ إذ إن اللغة التي بناها العالم الحديث باسم حقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي تواجه اليوم أزمة شرعية حادة أمام ما يجري في غزة.

إعلان

فما يحدث في فلسطين لا يكشف فقط عن ازدواجية المعايير السياسية، بل يفضح أيضا التراتبية المعرفية للعالم الحديث، إذ تطرح مجددا أمام الإنسانية أسئلة من قبيل: من يعد "إنسانا"؟ ومن ترى آلامه؟

ولهذا السبب لم تكن ندوة الاستغراب في جامعة "سيرت" مجرد دراسة أكاديمية تسترجع الماضي، بل كانت أيضا تعبيرا عن نقد واعتراض فكري تجاه العالم المعاصر.

وقد تجلى ذلك بوضوح في تنوع محاور البرنامج، فقد قُدمت عروض شملت طيفا واسعا من الموضوعات مثل الفلسفة الغربية، ونقد المسيحية، والمركزية الأوروبية، والعلمنة، والقانون الحديث، والنموذج العلمي، وأدب الرحلات، والفكر العثماني، والذاكرة الأندلسية، ونظرية المعرفة الغربية الحديثة، والإجابات الإسلامية عن الاستشراق.

كما ركزت الندوة بشكل خاص على أن مجرد القراءة العكسية للغرب لا تكفي، وأن أي تدخل ذي نزعة ثأرية تجاه الغرب لن يعود على البشرية بأي فائدة.

ومن هنا تبرز ضرورة تناول الحساسية التي تحذر من الوقوع في المتلازمة الشهيرة المتمثلة في "خسارة الحرب عند التشبه بالعدو"، التي عبر عنها علي عزت بيغوفيتش، وهي الحساسية التي شكلت أحد أبرز الشواهد المعبرة عن روح الندوة. فالغاية هنا ليست إعادة إنتاج الغرب بصورة معكوسة، بل تجاوز نمط التفكير المتمركز حوله.

إن مسار تفكيك الاستعمار (التحرر من الاستعمار) يتطلب مواجهة عاجلة لهذه السرديات التاريخية الأيديولوجية المشوهة التي تعرضنا لها، والتي تؤثر بشكل مباشر على حياتنا ووحدتنا وتماسكنا.

والمثير للاهتمام هنا غياب الفاعل الغربي بشكل ظاهري في تشكيل هذه الصور لدى الأتراك تجاه العرب، ولدى العرب تجاه الأتراك، إلا أن المصلحة الغربية-الإنجليزية تظل مستترة في الأعماق بشكل واضح.

ولذلك فإن اتخاذ التدابير اللازمة ضد هذه العين والمصالح الغربية المتغلغلة في دواخلنا، يجب أن يمثل وظيفة جوهرية لبرنامج الاستغراب؛ بوصفه علما لدراسة الغرب مشحونا بدوافع تفكيك الاستعمار.

وخلاصة القول: الندوة الدولية للاستغراب التي نظمتها جامعة "سيرت" للمرة الثانية تظهر خطا فكريا جديدا يتبلور في تركيا؛ فهذا الخط لا يكتفي بنقد الغرب، بل يقترح مقاربة تسعى إلى إعادة إظهار التقاليد المعرفية المتعددة للإنسانية.

ولعل هذا أكثر ما يحتاجه العالم اليوم: القدرة على تأسيس أفق معرفي تعددي يزيح المركزية الغربية، ويتيح للإنسانية أن تتحدث من جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد