حرب أوكرانيا.. هل تفرض المسيّرات والروبوتات وقف إطلاق النار؟
الجزيرة.نت -

Published On 1/6/2026

بعد أكثر من 4 سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تبدو ساحة القتال في شرق أوروبا مختلفة جذريا عما كانت عليه في بدايات الصراع.

فالمعارك التي كانت تعتمد على الدبابات والمدفعية والمشاة باتت تشهد حضوراً متزايداً للطائرات المسيّرة والروبوتات البرية، في تحول يرى مراقبون أنه يعيد رسم طبيعة الحرب الحديثة، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تزيد من فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ففي تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" ، يرصد الصحفي ديفيد إل. ستيرن جانباً من هذا التحول من خلال برنامج أوكراني يمنح وحدات الطائرات المسيّرة نقاطا مقابل تدمير الأهداف الروسية أو تعطيلها.

وتُستخدم تسجيلات الفيديو الملتقطة من المسيّرات – يقول ستيرن – لإثبات إصابة الأهداف، قبل أن تُمنح الوحدات المشاركة نقاطا يمكن استبدالها بمسيّرات ومعدات إضافية عبر منصة حكومية خاصة.

مركبة أوكرانية غير مأهولة (الجيش الأوكراني)
نموذج فريد

وينقل التقرير عن مسؤولين أوكرانيين قولهم إن البرنامج يمثل نموذجا فريدا من نوعه، يقوم على مبدأ بسيط مفاده أن زيادة الخسائر التي تلحق بالقوات الروسية تتيح لوحدات المسيرات الأوكرانية الحصول على موارد إضافية.

ويعكس ذلك، بحسب الصحيفة، اتجاها متناميا نحو ما يمكن وصفه بـ"رقمنة الحرب"، حيث أصبحت البيانات والصور والتقييمات الإلكترونية جزءا أساسيا من إدارة العمليات العسكرية.

ويشير ستيرن إلى أن المسيّرات باتت تؤدي دورا محوريا في إستراتيجية الاستنزاف التي تتبعها كييف، فالمسؤولون الأوكرانيون يؤكدون أن الطائرات المسيرة تسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة للقوات الروسية خلال الأشهر الأخيرة، بينما يجري توسيع قائمة الأهداف التي تستحق نقاطا إضافية لتشمل مشغلي المسيّرات الروسية ووحدات الدفاع الجوي المتحركة وغيرها من الأهداف ذات القيمة العسكرية.

محقق روسي يتفحص أجزاء من مسيرة أوكرانية في أعقاب هجوم بلوهانسك 24 مايو/أيار 2026 (الفرنسية)
مركبات برية غير مأهولة

غير أن التحول التكنولوجي لا يقتصر على السماء، ففي تقرير من منطقة خاركيف نشرته صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" ، يصف الصحفي هوارد لافرانشي ما يسميه "ثورة الروبوتات" التي تشهدها أوكرانيا.

إعلان

ففي مزارع ومبانٍ ريفية تحولت إلى ورش عمل ومراكز تدريب، يعمل مهندسون وعسكريون على تطوير مركبات برية غير مأهولة قادرة على تنفيذ مهام كانت حكرا على الجنود.

ويشير التقرير إلى أن هذه الروبوتات تستخدم في نقل الذخائر والمؤن إلى الخطوط الأمامية، وإخلاء الجرحى، والاستطلاع، وزراعة الألغام وإزالتها، فضلاً عن مهام هجومية محدودة.

ويقول مسؤولون أوكرانيون إن الهدف الرئيسي من هذه التكنولوجيا هو تقليل الخسائر البشرية وتعويض الفارق العددي الكبير بين أوكرانيا وروسيا.

كريستيان ساينس مونيتور:
في مزارع ومبانٍ ريفية أوكرانية تحولت إلى ورش عمل ومراكز تدريب، يعمل مهندسون وعسكريون على تطوير مركبات برية غير مأهولة قادرة على تنفيذ مهام كانت حكرا على الجنود

تعويض للقوى البشرية

وينقل لافرانشي عن مسؤولين في مبادرة "بريف ون" الحكومية المعنية بدعم الابتكار العسكري أن عشرات الشركات ومئات النماذج من الروبوتات البرية دخلت مرحلة التطوير أو الإنتاج، بينما ارتفعت حصة هذا القطاع بصورة كبيرة ضمن برامج التمويل الحكومية.

ويؤكد التقرير أن إنقاذ حياة الجنود يمثل الدافع الأساسي وراء هذا التوسع، في وقت تعتمد فيه روسيا بصورة أكبر على التفوق العددي والقدرة على تعويض الخسائر البشرية.

أما على المستوى الإستراتيجي، فيرى الباحث العسكري جاك واتلينغ، في تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" ، أن الحرب ربما تكون قد وصلت إلى نقطة تحول مهمة. فبعد سنوات من الضغوط التي تعرضت لها القوات الأوكرانية بسبب نقص الأفراد والإرهاق المتراكم في صفوف الجنود، بدأت كييف، بحسب واتلينغ، في جني ثمار إصلاحات تنظيمية وتدريبية أُطلقت خلال العامين الماضيين.

ويشير الكاتب إلى أن الجيش الأوكراني أعاد هيكلة بعض تشكيلاته العسكرية، ورفع مستوى التدريب، وعزز التنسيق بين المشاة والمدفعية والمسيّرات والآليات المدرعة. كما نجحت الوحدات الأوكرانية في توسيع نطاق الضربات ضد مراكز الإمداد الروسية وخطوطها الخلفية، الأمر الذي قلص قدرة موسكو على حشد قوات كبيرة في نقاط محددة من الجبهة.

تحذير من تضخيم التراجع الروسي

وفي المقابل، يرى واتلينغ أن القوات الروسية بدأت تواجه مشكلات متزايدة نتيجة الخسائر البشرية الكبيرة وتراجع نوعية بعض المجندين الجدد، فضلاً عن مشكلات تتعلق بالتنظيم والقيادة الميدانية.

ورغم استمرار روسيا في امتلاك موارد بشرية وصناعية ضخمة، فإن الكاتب يعتقد أنها لم تعد تسير بالوتيرة نفسها نحو تحقيق أهدافها العسكرية المعلنة، وعلى رأسها السيطرة الكاملة على إقليم دونباس.

لكن التحليل يحذر في الوقت نفسه من المبالغة في تقدير حجم التراجع الروسي. فموسكو ما زالت تمتلك أكثر من 600 ألف جندي في مسرح العمليات، كما تواصل إنتاج الذخائر والصواريخ والمسيّرات بكميات كبيرة. كذلك لا تزال القوات الروسية تحقق تقدماً في بعض القطاعات، وإن كان بوتيرة أبطأ مما كانت عليه في مراحل سابقة من الحرب.

أكثر واقعية

وبناء على هذه المعطيات، يرى واتلينغ أن احتمال التوصل إلى وقف لإطلاق النار أصبح أكثر واقعية مما كان عليه في السابق، إذا اقتنعت القيادة الروسية بأن كلفة استمرار الحرب قد تفوق المكاسب الممكنة منها.

ومع ذلك، يلفت واتلينغ إلى أن أي هدنة محتملة لن تعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد تفتح فصلاً جديداً من المنافسة السياسية والعسكرية بين البلدين.

إعلان

وتتفق التقارير الثلاثة، رغم اختلاف زوايا تناولها، على أن الحرب الأوكرانية تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية الكثافة العددية التقليدية لمصلحة التكنولوجيا والابتكار. فالمسيّرات والروبوتات لم تعد مجرد أدوات مساندة، بل أصبحت في نظر كثير من الخبراء عاملاً حاسماً في تحديد مسار المعارك، وربما في رسم الطريق نحو وقف إطلاق النار الذي ظل بعيد المنال طوال سنوات الحرب.

المصدر: فورين أفيرز + كريستيان ساينس مونيتور + واشنطن بوست



إقرأ المزيد