الجزيرة.نت - 6/1/2026 5:36:08 PM - GMT (+3 )
قبل 44 عاما، وقعت معركة كبيرة في الجنوب اللبناني إبان حرب عام 1982 وسقط خلالها 6 جنود إسرائيليين، تاركين خلفهم قلعة عتيقة تحولت في الذاكرة الإسرائيلية إلى رمز متنازع عليه منذ ذلك الحين.
وفي مشهد يستعيد ثقل تلك الذاكرة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقطع بثّته القناة 13 العبرية، أن قوات الجيش رفعت من جديد العلم الإسرائيلي وعلم لواء جولاني فوق قلعة الشقيف، واصفا تلك اللحظة بأنها "تغيير جذري في السياسة" و"تحطيم لحاجز الخوف"، تمهيدا لتأسيس "أحزمة أمنية خارج الحدود".
وقلعة الشقيف هذه ليست مجرد أثر صليبي يعود إلى القرن 12 الميلادي، بل هي معلم أثري وتراثي يتمتع منذ عام 2024 "بالحماية المعززة" بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
كما أنها تشرف من ارتفاع نحو 700 متر على منحدرات الليطاني والجليل الأعلى وسهل الحولة، وتتيح لمن يسيطر عليها رؤية شاملة على شمال فلسطين المحتلة وعمق الجنوب اللبناني في آن واحد.
ولهذا تحولت إلى عقدة عسكرية لا تُفك بسهولة؛ فهي حسب وجهات نظر محللي وسائل الإعلام الإسرائيلية نقطة إطلاق للنيران تجاه إسرائيل، و"مفتاح الأمن" لحزب الله بما تشتمل عليه من مقدرات ومجمعات تحت الأرض، فضلا عن أهميتها في صد الهجمات الإسرائيلية والغارات.
لم يكن المشهد إذا مجرد عودة رمزية إلى موقع تاريخي، بل يمثل إعلانا عن تحول في المفردات قبل الميدان؛ إذ يتقدم الجيش الإسرائيلي نحو إحلال مصطلح "المنطقة الأمنية" محل "المنطقة العازلة" التي عرفها جنوب الليطاني في جولات عدة من الحروب السابقة، وحتى في التصعيد الأخير، في محاولة لإعادة تأطير الوجود العسكري الإسرائيلي شمال الليطاني بلغة أكثر قبولا لدى الرأي العام الدولي.
وفي الداخل الإسرائيلي، اشتعل سجال مواز رصدته الصحف الإسرائيلية يتمحور حول مفهوم "المنطقة الأمنية" وأهميتها وقدرة الجيش الإسرائيلي على تنفيذها في الواقع العملياتي.
إعلان
فصحيفة يديعوت أحرونوت حذرت من أن "تكرار الأساليب نفسها لن يحل المشكلة"، ومعاريف تحدثت عن "كنز" حزب الله الذي يقتنصه الجيش في المرتفعات شمال الليطاني، وقناة كان 11 كشفت عن إنزال جوي للإمدادات والوقود في الأدغال اللبنانية. وكلها تتقاطع عند سؤال واحد:
- هل توفر هذه التوسعات حماية دائمة للشمال؟ أم تجرّ الجيش إلى مستنقع جديد؟
وهنا، استطلعنا آراء محللين لبنانيين وعسكريين سابقين وقانونيين بشأن هذا التحوّل بوصفه "احتلالا مقنّعا" تُموّهه التسميات، ويصطدم بمعادلة ميدانية لم تُحسم بعد.
سياسة المصطلحات والمعركة الموازيةيكشف انتقال الخطاب الإسرائيلي من "منطقة عازلة" إلى "منطقة أمنية" عن معركة موازية تُدار في حقل اللغة والقانون قبل أن تُحسم في الميدان.
فالتسمية الأولى، كما يوضح أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية رائد أبو بدوية في حديث للجزيرة نت؛ مفهوم عسكري صريح يستهدف الفصل بين قوّتين متحاربتين ومنع الاحتكاك المباشر بينهما، ولا يرتبط بالضرورة بحماية المدنيين.
في حين تنصرف التسمية الثانية في القانون الدولي الإنساني إلى ترتيبات تُنشأ باتفاق الأطراف أو بقرار دولي لحماية المدنيين من العمليات العسكرية وإبعادهم عنها.
غير أن المسافة بين التسميتين تذوب عمليا حين تكون قوة الاحتلال هي الجهة التي تفرض السيطرة وتدير المنطقة؛ وهنا يكمن مربط الفرس حسب أبو بدوية، إذ يمنح اللجوء إلى مصطلح "المنطقة الآمنة" المشروع الإسرائيلي غطاء إنسانيا أكثر قبولا، ويسمح بتقديم الوجود العسكري بوصفه "إجراء دفاعيا مؤقتا" لحماية شمال إسرائيل، بدل تصويره على أنه سيطرة إقليمية مباشرة على أراض لبنانية.
وفي قراءته القانونية، فإن السؤال الحقيقي ليس في التسمية بحد ذاتها، بل في "من يسيطر على المنطقة؟ ومن يديرها؟ وما مدّة بقائه فيها؟".
هذا التحول اللغوي لا يُقرأ بمعزل عن تاريخ طويل من المصطلحات الإسرائيلية، إذ يلفت منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) العميد منير شحادة إلى أن تل أبيب اعتادت منذ نشأتها على توظيف تعابير "المنطقة العازلة" و"الآمنة" و"منزوعة السلاح" في جنوب سوريا وجنوب لبنان وغزة، لهدف أبعد من حماية المستعمرات المحيطة؛ إذ إنها تلعب على عاملي مرور الزمن والذاكرة لتتحول هذه المناطق تدريجيا إلى جزء لا يتجزأ من الكيان الإسرائيلي، تماما كما حصل في الجولان السوري المحتل.
وقريب من ذلك، يضيق الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني هامش الالتباس بين المصطلحات حين يصف ما يجري بأنه "احتلال مُقنّع" يجري تمريره ضمن إطار تفاهم مع لبنان، إذ تضغط إسرائيل عسكريا الآن لانتزاع موافقة لبنانية على تسمية تُشرعن الواقع الذي صنعته القوة.
أما الكاتب والباحث السياسي الدكتور علي مطر فيقرأ المصطلح الجديد بوصفه محاولة لتمرير الاحتلال "تحت غطاء إنساني"، يستهدف الرأي العام الدولي قبل أي شيء آخر، ويُهدّد السيادة اللبنانية جنوب الليطاني وربما شماله إذا تمكّنت إسرائيل من تثبيت وجودها في هذه المناطق.
لماذا التوسع شمال الليطاني؟تكشف قراءة الإعلام الإسرائيلي لمسار عملية التوسع شمال الليطاني عن طموح أكبر من حجم المكاسب الميدانية المتحقّقة فعلا، أو حتى تحقيق الغاية المعلنة من "المنطقة الأمنية"، فقد كشفت تقارير الإعلام الإسرائيلي عن جملة من الأهداف التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها وراء التوسع شمال نهر الليطاني وترسيخ ما تسمى "المنطقة الأمنية" كواقع ميداني ثابت:
إعلان
- السيطرة على مناطق إطلاق الطائرات المسيرة والنيران.
- الضغط على الحكومة اللبنانية لتعميق الخلاف مع حزب الله ودعم المفاوضات الجارية حاليا في واشنطن بين لبنان وإسرائيل.
- الضغط على إيران لإبداء مرونة في مفاوضاتها، عبر استغلال تراجع نفوذ حزب الله.
- تهدئة الرأي العام الإسرائيلي الغاضب من استمرار القصف على مناطق الشمال، خاصة من المرتفعات المطلة على الجليل.
- تشكيل ضغط ميداني قوي لدعم المفاوضين الإسرائيليين وتعزيز مصالح إسرائيل في أي اتفاق سياسي ناشئ.
غير الدكتور مطر يرد في حديث للجزيرة نت على هذه الصورة بقراءة أكثر تحفّظا؛ فقوات الاحتلال لم تتمكن حتى الآن من وصل القطاع الشرقي بالقطاع الغربي، وأن دخولها قرية زوطر تمّ من الحدود اللبنانية مباشرة التي لا تبعد عنها أكثر من 3 كيلومترات، مما يجعل الحديث الإسرائيلي عن الوصول إلى أطراف النبطية مبالغا فيه.
وهذه الفجوات الجغرافية -كما يقول- تترك ثغرات عسكرية كبيرة تجعل أي "منطقة آمنة" عرضة دائما لنيران عناصر حزب الله الموجودين في القرى ذاتها التي يحاول الجيش الإسرائيلي اقتحامها.
ويضع الخبير العسكري والإستراتيجي هذه الإستراتيجية في إطارها الأوسع، فيصفها بأنها متبدلة لا ثابتة؛ بدأت بهدف انتزاع سلاح حزب الله، ثم تراجعت بعد التفاجؤ بقدراته إلى هدف إقامة منطقة عازلة بعمق 8 إلى 10 كيلومترات وراء "الخط الأصفر"، قبل أن يصبح هذا الخط نفسه قابلا للتعديل مع التقدّم نحو زوطر الشرقية وقلعة الشقيف، وفق ما طلبه نتنياهو من الجيش.
هل توفر المنطقة الأمنية حماية لإسرائيل؟تبرز أصوات العديد من المحللين الإسرائيليين الذين لا يترددون في الإقرار بأن أهداف "المنطقة الأمنية" مجتمعة لا تقدم حلا جذريا أو توفر حماية مطلقة للشمال الإسرائيلي؛ فحتى السيطرة على هضبة النبطية وصور ومنطقة الليطاني لن توقف تنظيما تتركز مراكز قوته في مناطق عدة بالداخل اللبناني، وتنتشر مسيّراته في كل المناطق.
والمعضلة الأعمق التي رصدتها وسائل الإعلام الإسرائيلية تتعلق "بالعبء العملياتي طويل الأمد"؛ إذ يُعد الاحتفاظ بالأراضي مكسبا تكتيكيا قصير المدى يستنزف قوة كبيرة للحفاظ عليه، ويصعب الانسحاب منه قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وانتظار ما يمكن أن تقدمه الحكومة اللبنانية حاليا على طاولة المفاوضات الجارية في واشنطن.
ويخلص المحللون إلى أن هذا الثمن تضاعفه تكتيكات حزب الله بما يمتلكون من "عقيدة قتالية ودعم إيراني" يتيح لهم استنزاف الجيش الإسرائيلي ضمن حرب عصابات طويلة، حتى مع سقوط كل هذه الأعداد ومسح قرى بأكملها من الجنوب اللبناني، حسب ما جاء في الإعلام الإسرائيلي.
والخلاصة السابقة يلتقطها العميد جوني -في تصريحاته للجزيرة نت- ليترجمها إلى لغة أوضح: "حزب الله يتعامل مع الوجود الإسرائيلي بوصفه احتلالا يستوجب المقاومة، ولا يقبل أي تغيير في الوضع اللبناني ما دامت هناك أرض لبنانية محتلة".
ويكمل جوني الصورة بقوله إن الحكومة اللبنانية باتت مقيّدة بهذا المسار، ولم يعد لديها أي خيار عسكري، وقد تنزلق إلى اصطدام مع الحزب إن وافقت تحت الضغط على تسميات تُشرعن الواقع.
ويوسع علي مطر دائرة هذا الفهم، مذكّرا بأن المقاومة ترفض العودة إلى ما قبل الثاني من مارس/آذار/ 2026 (قبيل التصعيد الحالي)، وأن قواعد اشتباكها ستستمرّ ما دام هناك احتلال.
وبناء على ذلك، تبدو "المنطقة الأمنية" قادرة على ضمان هدوء تكتيكي مؤقت لمستوطنات الشمال، لكنها لن توفر حماية دائمة لأمن إسرائيل، كما جاء في خطاب نتنياهو في بداية هذا التقرير.
وعلى الصعيد القانوني، يستحضر أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية القواعد الراسخة في القانون الدولي المعاصر: مثل حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والاحتلال لا ينقل السيادة، والتزامات اتفاقية جنيف الرابعة بحماية المدنيين ومنع التهجير القسري وضمان حق العودة.
إعلان
وحسب رأيه القانوني، فإن إدارة "المنطقة الأمنية عسكريا من إسرائيل وحدها، ومن دون موافقة الحكومة اللبنانية ومن دون تفويض أممي واضح، تُبقي مشروعيتها موضع نزاع كبير مهما تبدلت المسميات.
ويعزز الدكتور مطر ذلك بالتذكير بأن المناطق الآمنة في القانون الدولي تُدار بقوات محايدة، وأن إسرائيل تخالف القانون أصلا "بشنها عدوانا يقتل المدنيين ويدمر القرى بما يرقى إلى جريمة حرب وربما جريمة ضد الإنسانية"، حسب وصفه.
وأما ما يتعلق بموقف أكثر من 600 ألف نازح لبناني هُجّروا من قراهم جنوب الليطاني وشماله، مع تصريحات إسرائيلية بمنع عودتهم حتى تحقيق "شروط أمنية معينة"، فإن المنسق السابق للحكومة اللبنانية مع قوات اليونيفيل يصف الواقع الإنساني "بإبادة عمرانية" نظرا لحجم الدمار، و"بالتطهير العرقي".
وهنا، لا يتردد مطر في القول إن ما يجري تغيير ديموغرافي قسري يخالف اتفاقيات لاهاي 1907 وجنيف الأربع واتفاقية روما، ويعتبره "تطهيرا عرقيا" حتى وإن لم تعلنه إسرائيل صراحة.
ويحذر أستاذ القانون الدولي أبو بدوية من تحول "المنطقة الأمنية" إلى واقع دائم يمنع عودة النازحين، ومن ثم نصبح أمام إشكاليات التهجير القسري وحق العودة والمسؤولية الدولية، ويطل شبح "جولان جديد".
وأمام هذه الصورة يرجح المتحدث نفسه أن تتبع إسرائيل نموذجا سمّاه "احتلالا أمنيا منخفض الكلفة"، حيث تسيطر إسرائيل فعليا على أجزاء من الأرض لفترة طويلة من دون إعلان ضم رسمي، حتى لا تتحمل أعباءه القانونية الكاملة.
والخلاصة.. تتقاطع الصحف الإسرائيلية وقراءات المحللين عند نقطة بارزة: عودة الجيش الإسرائيلي إلى قلعة الشقيف وتوسيع السيطرة شمال الليطاني تحت لافتة "المنطقة الأمنية" ليست حلا للجبهة الشمالية، بل إعادة إنتاج لتجربة الحزام الأمني التي عرفها لبنان بين 1985 و2000، بمسميات أكثر قبولا وأهداف سياسية وقانونية أبعد.
أما الأفق المستقبلي فيتأرجح بين سيناريو "احتلال أمني منخفض الكلفة" يتحول تدريجيا إلى واقعٍ شبه دائم على غرار الجولان، وسيناريو مواز يواصل فيه حزب الله الاستنزاف فيمنع تثبيت أي منطقة أمنية.
إقرأ المزيد


